يا جمرة الكلمات: أطلقي سراح هاربتي
27 مايو 2026
زياد خداش
27 مايو 2026
عزيزتي، ابتعدي عن الأذى، فبابك الذي أطرقه هو بابي نفسه، لماذا تخافين طرَقاتي؟ أنا أفهم شكوكك وهواجسك، لكنه جسدك، لكني أقترب من نافذتك وأرميك بحجر، حين عبرتُكِ تحت شرفتك دلفتُ فوقك أصابعي، أهذه هي الحياة؟ أهذا هو التحرر؟ أتصورك الآن جالسة في قلعة محصنة، هاربة من الرجال، أتدرين ما مشكلتك؟ المشكلة هي أنك لا ولن تصدقي أن ثمة رجالا جيدين وجددا في هذا العالم، ثمة إيمان قاسٍ في داخلك يجب أن يُمحى لصالح النقي، أنت لن تعطي فرصة لرجل ليعتذر أو يفهم أو يساعد، قد يكون معك حق، فخبرات القهر والاستبداد أقفلت أمامك كل طرق التواصل مع الرجال، ولكن الأمور لا تُحل هكذا، بالشكوى والتذمر والعزلة والشتائم والشكوك وأمراض التبرير والجلد، هل ستقضين حياتك مختبئة وخائفة؟ لن تخرجي للشمس قليلا؟ العتمة مخيفة في الداخل، أليس كذلك؟
تسألين: ماذا أريد؟ أريد ببساطة أن أفهمك، لأفهم نفسي، لماذا هذا العناد في إغلاق الأبواب؟ أريد أن أراك؛ لأني أنا أنت، لن تفهمي هذا التوحد وهذا الأصل الحميم لأعصابك؛ لأن القهر وفقدان الثقة بقدراتك والشكوك والعزلة أعمت بصرك، وأفقدتك ذاكرتك وشوّهت مفاهيمك لتسارعين في البحث عن الحب في العالم، نعم هناك خراب كبير في العالم، ولكن لدينا خرابنا أيضا، هل تسمعين بمكان خطير وقبيح اسمه نانسي عجرم؟ أليس هذا خرابا؟ أنت لن تستطيعين أن تفهمي ما أريد اكتشافه فيك ببساطة لأنك لا تعرفين نفسك، تسألينني من أنت؟ أنا الذي يسائلك الآن، من أنت؟ إليك هذه المفاجأة: أنتِ بالتأكيد لستِ المرأة الهاربة التي كتبتُ عنها، لقد خلقتِ أنتِ المرأة الهاربة وكتمتِ فاهها، وتحدثتِ باسمها، المرأة الهاربة التي كتبتُ عنها لا تشبهك أبدا، أنتِ لم تعد تتجاوزين بعد هموم المرأة التقليدية: زوج واحد، أطفال، عبء أولاد، وحاجات ضيقة جدا بحجم هذا العالم، حبيبتي، هاربتي ليست أنتِ، أنتِ لستِ من تبحثين عن خلاصك بعيدا عن الشمس وتعودين لتتصالحي مع الحياة بطريقتك، هاربتي هي التي تبحث عن شمسها الخاصة، وتخرج من ظلها، وتتصالح مع نفسها أولا، قبل أن تصالح العالم.
تجاوزت هذه الحدود من زمان، فقد بحثت عن الشمس حتى صارت هي الشمس، وتصالحَت مع الحياة إلى درجة رفض الحياة، لأنها تصالحت مع نفسها أولا، لو أنك لم تفهمي إلى أين هربت هاربتي، لأن حدود فهمك للتقدم والجنون والحرية لا يصل إلى أبعد من تدخين سيجارة في حانة، أو ضحكة مجلجلة في شارع، أو انتصار صغير على زميل تفوقتِ عليه، في العمل أو في الدراسة، ستظلين وحدك دون أب أو زوج أو ملحوظات من أحد، من أنت حتى تمتلكين شخصية هاربتي؟ مشكلتك الكبرى في ردك على مقالي أو روايتي بالأحرى هو أنك نظرتِ إلى الرجال ككتلة واحدة، ولم تستثني أحدا من شكوكك، وهذا أمر غريب يا سيدتي، أنا متأكد من وجود رجال يحاولون أن يخرجوا عن مفاهيم بلادهم المتحجرة، قد ينجحون وقد يفشلون، فضيلتهم الوحيدة أنهم يحاولون، لذلك أنا كتبت عن امرأة هاربة من عادية الحياة وحدودها الضيقة، إلى عالم أوسع وأغرب، هاربتي موجودة في مكان ما في هذا العالم، موجودة بفكر وقوة، وأعرف أن هناك نساء كثيرات جدا لا يتقنَّ فن الهروب، حفاة الأقدام في ليالي الخريف الباردة، فن الهروب صعب، صعب متعب، بصعوبة طرق بابك المغلق أمام الشمس، أنتِ لم تهربي، أنتِ ما زلتِ بالبيت، خلف الأبواب.
تتحدثين عن شهرزاد وشهريار، فهذه هي أزمتك هنا، مأزقك الكبير، أنتِ لن تنسي أبدا وجه شهريار، فهو محفور فيك، في جلدك، مزروع في أنفاسك، يطاردك في منامك وصحوك، أنا أفهم مدى الضرر النفسي الذي يمثله هذا الرمز شهريار، ولكن هل ستقضين حياتك تدينين ظلم مرتكبة لتشويهك؟ هاربتي قفزت برشاقة ذهنها وروحها عن هذا الشبح، أنهت ملفه منذ القدم، وراحت تبحث عن سعادتها في المجهول من الحياة وما بعد الحياة، وما قبل الحياة، هاربتي ليست وهمية، ليست من ابتكاري، أقسم لك أنها موجودة، وتتنفس، في بقعة ما من بقع الأرض، تسائلين عن بطلات نصوصي، وإذا هنّ يهربن دائما، أنتِ لن تفهمي سبب هروبهن، والدليل أنك لم تفهمي بعد سبب هروب هاربتي، يا جمرة الكلمات: أطلقي سراح هاربتي، دعيها تتحدث عن نفسها وتعبر عن حاجاتها وأحلامها، هي، فأنتِ لستِ هي، لستِ هي، لستِ هي.
