فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
21 مايو 2026
21 مايو 2026
اشتريت جهازًا وكان فيه عرض بتخفيض السعر، بعد ذلك تلف الجهاز، فأعدته إلى الضمان، وأعطوني قيمته الأصلية مبلغا أكثر من الذي اشتريت به، فما حكم هذا المبلغ الذي استلمته؟
على كل هو ليس له إلا ما دفعه، اللهم إلا أن تكون الجهة الضامنة هنا على دراية، ونفي لأي جهالة بما بالقيمة التي اشترى بها هو هذا الجهاز، وكان في نظامها أنها تكفل أو تضمن القيمة الأصلية، فحينئذ نقول: لا حرج، ولكن من باب الاحتياط أن يدفع هذا القدر الزائد إلى بعض الفقراء والمساكين من باب الاحتياط.
وهنا لدينا ثلاث صور: أن تكون الجهة الضامنة هنا، أو الجهة التي باعت هذا الجهاز، لم تنتبه بأنه اشتراه في فترة عرض بأقل مما عرض به، فعلى هذا عليه أن يرد الزيادة إليهم.
والصورة الثانية: أن يكونوا على دراية، ولكنهم اختاروا ذلك؛ لأن النظام عندهم، وهذا الضمان، هم ضمنوا القيمة الأصلية للجهاز، وسيرجعون على جهة أخرى بالقيمة أو بالجهاز الآخر البديل الذي سيباع بالقيمة الأصلية، فإذا تبين له أنه ليست هناك أي جهالة ولا غرر، فالقيمة له.
الأحوط قلت، الصورة الثالثة: هو أن يدفع هذه الزيادة في هذه الصورة الثانية إلى بعض الفقراء والمساكين، والله تعالى أعلم.
ما تفسير قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا».
معنى هذه الآية الكريمة يؤخذ من السياق الذي وردت فيه في سورة الإسراء، فإن الحديث في هذا الموضع الذي وردت فيه هذه الآية الكريمة: «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا» ورد في سياق النعي على أهل الشرك الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، وبيان شدة عداوتهم وغلوائهم في الإمعان في الشرك والتكذيب.
ولذلك فإن سنة الله تبارك وتعالى قد جرت أن القرى التي بلغت هذا المبلغ في التكذيب والعداوة، وفي رد دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين بعثوا فيهم، وفي العتو والظلم، فقد مضت سنة الله تبارك وتعالى بإهلاك هذه القرى. فيكون على هذا معنى الآية: وما من قرية كذبت وظلمت مثل هذه القرية، مثل أهل الشرك هؤلاء، إلا نحن مهلكوها أو معذبوها قبل يوم القيامة عذابًا شديدًا، كان ذلك في الكتاب مسطورًا.
إذًا السياق أولًا يشهد أن القرية المقصودة هي القرية الظالم أهلها الذين يكذبون ويشركون ويناصبون العداء لدعوات الحق. كذلك نجد في مواضع من كتاب الله عز وجل تأكيدًا لهذا المعنى وبيانًا، فالله تبارك وتعالى يقول: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ»، ويقول: «وَمَا كُنَّا مُهْلِكَ الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ».
ففي هاتين الآيتين يبين الله تبارك وتعالى أن سنته الماضية في الأمم هي أن يبيد هذه الأمم، إما بالاستئصال، وإما بأنواع العذاب والنكال، وإما بالهزيمة على أيدي أتباع الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم. الحاصل أن كل هذه الصور مقصودة إذا أمعنت في الشرك والتكذيب وصد دعوة الحق والظلم والعداوة للأنبياء والرسل ولأتباعهم الذين يؤمنون بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر.
فما في كتاب الله عز وجل يشهد بهذا، ومنه أيضًا في سورة الكهف: «وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً»، ففي كتاب الله عز وجل ما يؤكد أن الله تبارك وتعالى إنما يهلك هذه القرى بسبب إيغالها في الظلم، وأعظم الظلم ظلم الشرك بالله تبارك وتعالى، وصد دعوة الأنبياء والرسل، وإظهار العداوة لهم ومناصبتهم العداء.
فيحمل معنى آية الإسراء على ما يشهد به السياق في موضع الآية الكريمة من سورة الإسراء، وما ورد مبثوثًا في كتاب الله عز وجل دالًا على أن المقصود هي أمثال هذه القرى التي يشرك أهلها، والتي يوغلون في الظلم والطغيان والعداوة للحق وأهله، والله تعالى أعلم.
كثرت في الآونة الأخيرة قضايا تعذيب الحيوانات، فما الحكم الشرعي فيمن يعذب أي حيوان؟
الذي يعذب البهائم والحيوانات في شريعتنا آثم؛ لأنه واقع في خطأ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهديه الكريم القولي والفعلي كان يدعو إلى الرفق بالحيوان وإلى إحسان المعاملة بالبهائم والحيوانات، وفي المقابل كان ينهى عن التعذيب؛ فقد ذكر امرأة حبست هرة، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فقال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».
ولما رأى رجلًا يحد سكينه أمام ذبيحته قال: «مه، أو مهلًا، فإنك تقتلها مرتين، هلا حددت سكينك ثم ذبحت؟». فحتى في هذا الملحظ الذي يمكن أن يكون فيه أذى معنوي وإيلام للبهيمة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر هذا الصحابي بأن يحد سكينه بعيدًا عن البهيمة، وأمر بالرفق في حديث الإحسان الشهير: «إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».
فكيف يرضى مسلم أن يعذب حيوانًا أو بهيمة؟ ولما قص هو عليه الصلاة والسلام قصة الرجل الذي كان منقطعًا فأصابه العطش، فوجد بئرًا فنزل فشرب، ثم لما صعد رأى كلبًا يلهث من شدة العطش، فقال: إن هذا الكلب قد بلغ من العطش ما بلغت، فنزل وأخذ خفه فملأ خفه، ثم صعد فأعطى الكلب، فذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه بصنيعه ذلك غفر الله له. فقال له أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم، رضوان الله تعالى عليهم: أإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: «نعم، في كل كبد رطبة أجر».
ولا ينبغي لنا اليوم أن نستهين بمثل هذه التصرفات، فإن هذه الأفعال التي فيها تعذيب للحيوانات، ثم تصوير ونشر تتنافى مع أخلاق ديننا ومع أحكامه الشرعية، ثم إنها تعطي صورة مشوهة غير صحيحة عن حقيقة هذا الدين وتعاليمه.
ولا يزهدن أحد كما قلت في مثل هذه الأمور، فإن المسلمين اليوم محط أنظار في كل تصرفاتهم، وكثير من أبناء عالم اليوم يعتنون بالحيوانات ويهتمون بها، فحينما يرون أمثال هذه التصرفات التي فيها تعذيب وإهمال من المسلمين مع أنها قد لا تمثل إلا شريحة قليلة منهم، فإنهم يحكمون على الدين كله، يحكمون على الإسلام وعلى المسلمين أنفسهم
بينما نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المشتغل بأعباء الدعوة وهداية الناس إلى الحق وبالجهاد في سبيل الله، إذا به في يوم من الأيام، وكان في سفر مع أصحابه، فذهب لبعض حاجته، أي لحاجة الإنسان، فقام بعض أصحابه في السفر فأخذوا فرخين لطائر يسمى القبرة، فأخذت القبرة تحوم وتدور عليهم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأى الفرخين في أيدي أصحابه، ورأى القبرة تدور، قال: «من فجع هذه بولديها؟ ردوا عليها فرخيها».
هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو كما قلت من هو في المنزلة والمكانة وأعباء الدعوة والمسؤولية والأمانات، ومع ذلك فقد كان ذا قلب رحيم، وكان رفيقًا بكل شيء، وكان ينتبه لمثل هذه المسائل وينبه أصحابه عليها.
فالواجب على المنتسبين إلى هذا الدين أن يلتزموا أحكام دينهم، وأن تتجلى فيهم أخلاق هذا الدين وتعاليمه، هي أخلاق نبيلة كريمة، فهم مأمورون بالإحسان والرفق والرحمة بهذه الحيوانات، وبالتعامل معها معاملة حسنة.
في يوم من الأيام رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دابة قد التصق ظهرها ببطنها من شدة الجوع، فصاحبها مهمل لها، فغضب عليه الصلاة والسلام فقال لهم: «اركبوها صالحة، وكلوها صالحة»، هي صالحة، اهتموا بشأنها إلى حد أن تكون صالحة إلى حد الصلاح، اهتموا بشأنها، وقوموا برعايتها وأطعموها، وقوموا بما تحتاج إليه، «فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة».
هذا هو هدي هذا الدين، ولذلك فينبغي لأبناء المسلمين اليوم أن يلتفتوا إلى هذه المعاني، وأن يولوها عنايتهم، وأن يعطوا الصورة الصحيحة لتعاليم هذا الدين وأخلاقه، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على ذلك.
نشهد في بعض الأحيان شاحنات تنقل الماشية أو الجمال بأوضاع سيئة تحت الشمس أو متكدسة في أماكن ضيقة، فما حكم من يقوم بذلك أيضًا؟
هذا من الأخطاء التي تتنافى مع ما تقدم وصفه من لزوم أخلاق الرفق والرحمة، وحسن المعاملة، والقيام برعاية هذه الحيوانات التي سخرها الله تبارك وتعالى لنا، فلا يصح أن تحشر هكذا متكدسة دون مراعاة للظروف الصحية المناسبة، والأجواء التي لا تؤثر عليها، وما يحافظ على صحتها ويحافظ على نشاطها.
فهذا أيضًا مما يجب أن يتنبه له، وإلا فإن الواقع في ذلك مخالف لما تقدم بيانه، كما قلت، من لزوم الرفق وحسن المعاملة ومراعاة هذه البهائم والعناية بها، فهي مسخرة لهذا الإنسان، وعليه أن يشكر الله تبارك وتعالى على هذه النعمة، وشكره لهذه النعم التي أتاحها له ربه تبارك وتعالى مع قصده القربى لله عز وجل.
إذا كان الحديث: «في كل كبد رطبة أجر»، فكيف يفوت المسلم أمثال هذه الأبواب من وجوه البر التي يمكن أن تأتيه بحسن رعايته، وبترتيب نقلها بطريقة لائقة تعطي، كما تقدم، الصورة الصحيحة لأخلاق المسلمين ولتعاليم هذا الدين؟ والله تعالى الموفق.
هل يعتبر التبرع لصالح رعاية الحيوانات أو الرفق بها، كعلاجها وإطعامها، من أبواب الصدقة؟
«في كل كبد رطبة أجر». في العناية بهذه البهائم نجد أوقافًا عند العُمانيين وعند غيرهم للدواب التي كان يستعان بها في الخدمة. هذه الأوقاف اليوم وجه حضاري مشرق لهذه الأمة، لكن كثيرًا من أبنائنا لا يعرفونها، ويظنون أن أحكام الدين تنحصر في العبادات فقط، العبادات التي هي الشعائر التعبدية، ولا يلتفتون إلى هذه المعاني.
هناك أوقاف لحبوب الحمام في الحرم على سبيل المثال، وفي القدس الشريف حتى للحبوب التي تأكل منها. القصة مشهورة عن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بقطع النظر عن بحث أسانيدها، لكنها مشهورة بأنه في كثير من الأحيان أمر برمي البذور والحبوب للطيور.
فلا شك أن استحضار معنى الشكر أولًا، ومعنى الأجر المتحصل من رعاية هذه البهائم والحيوانات، والصدقة لوجه الله تبارك وتعالى، كلها حاضرة في مثل هذا الباب من وجوه البر. هذا لا يعني أن يكون على حساب الأولويات الأخرى، وإنما كل بحسب استطاعته وما يتاح له، فنحن لو رأينا على سبيل المثال هذه الأطنان مما يرمى، للأسف الشديد، من بقايا الأطعمة وبأنواعها وأصنافها، لماذا كل هذا؟ ما يصلح أن يكون للبهائم والحيوانات، إن لم يصلح للبشر، فلا أقل من أن يكون، إن كان صالحًا، أن يدفع إلى الحيوانات والبهائم،
هذا فضلًا عما يمكن أن يوجه لرعاية هذه الحيوانات المحتاجة إلى الرعاية؛ لأنها مسخرة بين يديه، خاصة إذا كانت من الحيوانات التي يقوم برعايتها من الأنعام على سبيل المثال، أو من الخيل والبغال والجمال والحمير التي يقوم برعايتها، أو مما يحتاج إليه، أو مما يريد أن يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى.
فهذه صورة ينبغي أن نحرص عليها، وأن نتذكر فيها أخلاق هذا الدين، وأن نتذكر فيها ما أشرت إليه من معاني الشكر وطلب الأجر والصدقة لوجه الله تبارك وتعالى.
هل يجوز إجراء عمليات التعقيم للحيوانات السائبة لتقليل الأعداد بما يخدم المجتمع وكذلك صحة الحيوانات عوضًا عن قتل الكلاب؟
نعم يجوز، وهذا أولى. وقد كنت أفتيت به أيضًا لبعض الجهات المسؤولة أن إحداث العقم في هذه الحيوانات أولى من اللجوء إلى قتلها مباشرة. القتل إنما يكون للحيوانات المؤذية التي يصعب التعامل معها، أو يمكن أن تكون حاملة لأوبئة وأمراض تصيب البشر، ومع ذلك فحتى القتل لا بد فيه من الإحسان، فكان التوجيه باستعمال أقل الوسائل إيذاء للحيوانات.
فمن باب أولى أن يكون ما هو أبعد عن القتل من إحداث العقم حتى تتلاشى تدريجيًا وهو أولى وأسلم وأفضل، والله تعالى أعلم.
