معاهدة هليجولاند-زنجبار: تسلب زنجبار استقلالها وسيادتها
معاهدة هليجولاند-زنجبار هي معاهدة أبرمت بين بريطانيا وألمانيا في 1 يوليو 1890م، وانعكست بنودها على الواقع السياسي في شرق أفريقيا وغرب أوروبا في أوج التنافس الاستعماري بين الإنجليز والألمان خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وبمعنى أدق هي معاهدة رسمت السياسة الاستعمارية المرنة السلمية على حد وصف الإمبرياليون.
وهذه المعاهدة كشفت الأهداف الاستعمارية التي اتفقت عليها بريطانيا وألمانيا بمعنى تقاسم مناطق النفوذ بينهما في القارة الإفريقية باعتداء صارخ على حقوق أصحاب الأرض. وتعد هذه المعاهدة وغيرها من المعاهدات أو الاتفاقيات أحد أخطر مظاهر وأدوات السياسة الاستعمارية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.
ودعمت هذه المعاهدة على وجه التحديد نفوذ بريطانيا في أوغندا وكينيا، ومنعت ألمانيا من الوصول إلى وادي النيل، مما دفع ألمانيا إلى استخدام مستعمراتها في شرق أفريقيا كأداة مفاوضة ومساومة في سياستها الخارجية الاستعمارية مع بريطانيا.
وفيما يخص سلطنة زنجبار أفضت معاهدة هليجولاند-زنجبار إلى تبادل منظم بين نفوذين؛ فأخذت ألمانيا جزيرة هليجولاند الاستراتيجية في بحر الشمال مقابل استحواذ بريطانيا على زنجبار. ولتوضيح الإطار الجغرافي للمنطقتين اللتين جاءتا في المعاهدة نبدأ بهليجولاند، وهي جزيرة في أرخبيل ألماني صغير يقع في بحر الشمال. وتقع تحديدًا في خليج هليجولاند في الزاوية الجنوبية الشرقية من بحر الشمال، وهي الوحيدة التي لا تقع في المنطقة المتاخمة للبر الألماني الرئيس.
وقد استحوذت بريطانيا على هليوجلاند في عام 1807م وكانت في الأصل تابعة لألمانيا والدنمارك. واستخدم الإنجليز هليجولاند في البدء كمركز قيادة للتجسُّس على قوات نابليون بونابرت، ثم منذ عام 1826م استُخدِمت باعتبارها منتجعاً ونادياً صحياً يرتاده الزوار الأثرياء من إنجلترا، وبروسيا، وبولندا، وروسيا. ووفقاً لمعاهدة هليجولاند-زنجبار عادت هليجولاند مرة أخرى إلى ألمانيا.
أما زنجبار فهي جزيرة تقع على الساحل الشرقي لأفريقيا، وخضعت للنفوذ العُماني في عهد دولة اليعاربة ودولة البوسعيد، وكانت عاصمة ثانية للإمبراطورية العُمانية التي تم تقسيمها بموجب تحكيم كاننج في 2 أبريل 1861م لتصبح كيانًا مستقلًا باسم سلطنة زنجبار يحكمها سلطان من الأسرة البوسعيدية العُمانية. واستكمالًا لمرحلة التقسيم والتفتيت سعت بريطانيا لوضع زنجبار تحت الحماية البريطانية المباشرة وبمعنى أدق تحت الاحتلال، وهو ما حققته لها هذه المعاهدة التي مهدت لمعاهدة الحماية البريطانية على زنجبار في 4 نوفمبر 1890م.
ولنقترب أكثر من زنجبار التي وقعت تحت الحماية البريطانية منذ نوفمبر 1890م في عهد السلطان السيد علي بن سعيد البوسعيدي (1890-1893م)، رابع سلاطين الأسرة البوسعيدية في سلطنة زنجبار، وقد تولى الحكم بعد وفاة أخيه السلطان خليفة بن سعيد في 18 فبراير 1890م. وهو الابن الثامن عشر من بين الأبناء الاثنين والعشرين المعروفين للسيد سعيد بن سلطان. وُلد السلطان علي بن سعيد في مسقط عام 1854م. وكان يُسمى السيد (منين) وعندما توفى أخوه الأكبر (علي) سُمي باسمه. وللسيد علي ابن اسمه سعيد، وأربع بنات: علية، ونونو، وغالية، وشريفة.
تعد معاهدة الحماية البريطانية على زنجبار من أهم الأحداث التي وقعت في عهد السلطان علي بن سعيد، وكانت بداية حكمه نهاية السيادة العُمانية على زنجبار؛ إذ أعلنت بريطانيا مع توليه العرش حمايتها على زنجبار بالاتفاق معه مستغلة مخاوف السلطان علي من الأطماع الألمانية، فوافق على ذلك ممهداً الطريق لعقد المعاهدة الإنجليزية-الألمانية في يوليو 1890م والتي أقرت فيها ألمانيا بحق بريطانيا في السيطرة على زنجبار مقابل تنازل بريطانيا لها عن جزيرة هليجولاند في بحر الشمال، وهكذا تم في 4 نوفمبر 1890م إعلان بريطانيا رسمياً حمايتها على كل من جزيرتي زنجبار وبمبا. وفي 7 نوفمبر رُفع العلم البريطاني بجانب العلم الزنجباري على سارية الديوان الملكي في زنجبار. وتم في ذلك اليوم منح السلطان علي وسام الجدارة البريطانية.
شهد عهد السلطان علي بن سعيد تدخلًا كبيرًا وسافرًا للإنجليز في الشؤون الداخلية لسلطنة زنجبار قبل التوقيع الرسمي لمعاهدة الحماية، وهو بلا شك كان أحد أدوات الضغط التي قادت إلى تلك المعاهدة، فكانت هنالك سلسلة من التنازلات التي رضخ لها السلطان علي تحت ضغط القنصل البريطاني منها توقيع اتفاق بلجيكا ضد تجارة الرقيق في يوليو 1890م، فأصدر السلطان علي مرسومًا متشددًا ضد تلك التجارة مما أثار غضب الكثيرين لتأثيره السلبي على العمل الزراعي، ويشير إلى ذلك المرسوم المؤرخ المغيري في كتابه جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار بقوله: "ومن الحوادث التي حدثت في أيامه، أنه أصدر منشورًا بإدارة الجمارك، ومنع استعمال الرقيق والتجارة فيهم في داخلية البلاد.
ولما علم العرب بهذا المنشور ركضوا إلى المكان الذي ألصق المنشور بالجمرك، ومزقوه، وانضم إليهم جماعة القمريين، وخاف السلطان علي على نفسه من ذلك، وخشي وقوع حادث عليه، فالتجأ بالقنصل الإنجليزي، وطلب منه أن يحميه وبلاده". وهو ما حدث فعلًا بوقوع زنجبار تحت الحماية البريطانية بموجب المعاهدة التي وقعها السلطان علي بن سعيد في نوفمبر من عام 1890م.
ومن التنازلات أيضًا موافقة السلطان علي في سبتمبر 1890م لطلب ألمانيا ببيعها الشريط الساحلي بين نهري أومبا وروفوما لتجد لمحميتها تنجانيقا منفذاً على البحر، وذلك مقابل 200000 جنيه إسترليني، وكانت تلك الموافقة تحت ضغط القنصل البريطاني أيضًا.
أما بعد توقيع معاهد الحماية فتحولت حماية بريطانيا لزنجبار إلى سيطرة تامة على الشؤون الداخلية، ومن مظاهرها التغييرات التي أحدثها المبعوث البريطاني جيرالد بورتال في 1891م؛ حيث فرض على السلطان ما عُرف بالقائمة المدنية التي بموجبها حُدد له راتب شهري قدره 18000 روبية، أنقصت بعد شهور إلى 17283 روبية، ثم إلى 10000 روبية بنهاية عام 1892م بحجة أن تلك المبالغ يصرفها السلطان على حاشية عاطلة لا تعمل شيئًا.
كما جُرّد السلطان من سلطاته الإدارية، ووزعت على أقسام إدارية يرأسها موظفون بريطانيون تحت إمرة الوزير الأول، وهو لويد ماثيوز الذي كان قائد جيش زنجبار مع حرمان السلطان من حق إقالته دون الرجوع للحكومة البريطانية ممثلة في القنصل العام بزنجبار.
