ثقافة

حسين عبدالغني: التحليل السياسي يرتكز على الثقافة والخبرة أكثر من الدراسة الأكاديمية

19 مايو 2026
مستعرضا تجربته الإعلامية
19 مايو 2026

تحدث الكاتب والإعلامي حسين عبدالغني في محاضرة حول الإعلام والتحليل السياسي، ناقش فيها أبرز الأسس والمبادئ التي لا بد أن يتحلى بها المحلل السياسي، مشيرًا إلى مجموعة من التجارب العملية التي عاشها في مسيرته الإعلامية، وأهمية أن يتحرّى المحلل المصداقية في المعلومة أثناء تقديمه تحليله عبر وسائل الإعلام.

بدأ حسين عبدالغني حديثه بقراءة المحلل السياسي للأحداث، وقال: "لا بد أن يكون هناك نوع من أنواع الإدراك والإيمان بقواعد التحليل السياسي، وأن يكون ملمًّا بقواعد التحليل السياسي، وهي قواعد تحليل علمية متفق عليها، وخارجة من ما يمكن وصفه بعلم السياسة الحديث التي تم تطويرها بصورة أساسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وكان لعلماء السياسة الأمريكيين الفضل الكبير حيث تحوّل على أيديهم علم السياسة من مدرسة القانون إلى مدرسة التحليل".

وأضاف: "في سلطنة عُمان لا بد أن يتعلق الأمر أن يكون المحلل ملمًّا بالإرث الثقافي والتاريخي لبلد قديم له تاريخه في شبه الجزيرة العربية والخليج، كما لا بد أن يكون للمحلل إلمام كبير بما يمكن أن أصفه بالإطار المرجعي للسياسة العُمانية في عهد صاحب الجلالة السلطان هيثم، وهو خطة 2040، وما يمكن أن نسميه بالثقل الوطني العُماني.

البنية الذهنية للمحلل السياسي

وقال عبدالغني حول الأهمية التي تُولى للبنية الذهنية للمحلل السياسي: "لا بد أن نعترف أن هناك قدرًا كبيرًا جدًا من التراكم، ولا بد أن نعطي قيمة لفكرة التراكم، بمعنى أن إدراك قواعد التحليل السياسي مسألة في منتهى الأهمية، ولا بد أن أمتحن قواعد التحليل السياسي باستمرار في تحليل الأحداث يومًا بعد يوم، وبالتالي أكتسب تراكمًا مهمًا".

وأشار إلى أن التحليل السياسي لم يعد يعني نوعًا من أنواع الرجم بالغيب، والتنبؤ مبني على قواعد محترمة، ويستخدم الإحصاء والرياضيات في التوصل لنماذج، وقال: "في نظرية المباريات نكاد نصل في تقدير الموقف السياسي أو تقدير الموقف الاستراتيجي الذي يهم الدولة سواء في شقها المدني أو شقها العسكري، ونستطيع أن نصل لتقديرات دقيقة ولكن باحترام شديد لفكرة النسبية ولفكرة ما نسميه بالسيناريو غير المتوقع". وأضاف: "في العلوم السياسية وفي التحليل السياسي الهدف الحقيقي هو عمل تحليل المرجح، وهو ما يمكن وصفه بأنه قول رأي مطلق، وهذا أمر في منتهى الخطورة، ففي التحليل السياسي لا يصح أن يذهب له شخص لا يعرف التاريخ ولا السياق التاريخي".

جزء من الصراع

وحول ما نشاهده عبر القنوات الإخبارية والإعلامية من قراءة في المشهد، قال حسين عبدالغني: إن ما نشاهده هو جزء من الصراع، وأنا أعتبر أن مبادرة الاهتمام بإقامة دورة حول التحليل السياسي والتحليل الاقتصادي في وزارة الإعلام هنا في سلطنة عُمان، لأننا اليوم نشاهد تحليلات تعد نوعًا من أنواع إدارة الصراع، وهذه الحرب تُكتب أولًا في الإعلام.

وحول أن يكون المحلل السياسي نزيهًا وحُرًّا على الرغم من كونه جزءًا من الصراع، قال عبدالغني: "في لحظات الصراع التي تكون فيها الدولة والمصالح الوطنية على المحك، ستضيق جدًا مساحة المحلل، والمحلل المستقل هو المحلل الذي يقدّم وجهة نظر موضوعية، وأنا عندي مقال منشور في جريدة عُمان أقول فيه ما يجب على الأمريكيين أن يقدموه في التسوية، وأقول أيضًا ما يجب أن يقدمه الإيرانيون. وحتى أنا أقول دائمًا وبمنتهى الأمانة لا بد أن يكون لدول الخليج مقعد على الطاولة في أي مفاوضات تتعلق بالمستقبل".

وأشار عبدالغني إلى قيمة الكوادر الوطنية التي خرجت في التحليل السياسي، وقال: "أي مهارات إضافية لا بد من أن نصقلها لتكون الأجيال القادمة هدفًا لوسائل الإعلام، ولا نعود معتمدين على أحد في مجال التحليل السياسي".

وعرج الإعلامي حسين عبدالغني في حديثه حول مقال نُشر في جريدة عُمان يوضح أنه من الطبيعي جدًا أن تتفق وتنسب رؤية وجهة نظر المحلل السياسي مع الموقف السياسي لبلده كونه طرفًا في هذا الصراع، فقال: "إن الإجراءات أخطر على المحلل السياسي من الضغوط، ولكن على أي حال قرأت مقالًا عميقًا عن فكرة مسقط الكبرى أو كمخطط جديد كتبه الكاتب بدر العبري، ولمّح فيه ما يمكن وصفه بمرحلة صاحب الجلالة السلطان هيثم، وهي فكرة الاستفادة من كل مرحلة التأسيس العظيمة التي بناها المغفور له صاحب الجلالة السلطان قابوس. لكن إلى تحويل هذه إلى نوع من أنواع الانطلاق، يعني في كل تجربة، خاصة في السنوات الأخيرة، يحدث تباطؤ. وأنا أعتبر أن جلالة السلطان هيثم استعاد قوة الدفع لهذا البلد، ومع الأصالة الموجودة في التجربة العُمانية، وأعتقد أن عُمان مقبلة على مرحلة كبيرة جدًا يمكن أن تجمع فيها ما بين الاعتزاز بالتراث الحضاري وما بين الانفتاح، وما بين التسامح وقبول الآخر وبين الحفاظ على الهوية الوطنية".

وقال أيضًا: "التنوع والتعدد لا يتعارض أبدًا مع كون الشخص يكون ابن بلده أو ابن أمته، فنحن كأمة عربية لا نتحقق من كوننا نبقى كيانًا واحدًا، ولا بد أن يكون المحلل موضوعيًا، وهو على تناقض مع ركائز الأمن الوطني لبلده أو الأمن القومي العربي".

هل يدفع المحلل ثمن موقفه السياسي؟

وحول أن يدفع المحلل ثمن مواقفه السياسية أو أن يخسر وظيفته أو مهنته في قناة ما إذا كانت مخرجات تحليله السياسي لا تتوافق مع السياسة التحريرية لتلك القناة، قال عبدالغني: "أنا أكتب وأنشر وأظهر على وسائل الإعلام منذ عشرات السنين، وفي عمري لم أرَ فترة في العالم العربي يدفع فيها المحلل السياسي ثمن استقلاله، بمعنى أنني قلت موقفًا مختلفًا مع دولة معينة في إطار التحليل السياسي الموضوعي والمنصف، ولو كنت تكتب في جرائدها أو مجلاتها أو تظهر على محطاتها التلفزيونية فأنت أصبحت شخصًا غير مرغوب فيه".

وأضاف: "لا بد أن تكون المنابر العُمانية والمنابر العربية المحترمة تتحدث عن السياسة العُمانية، إذ إن موقف عُمان الآن لا يجد كما تعتقدون شعبية عند الشعب العُماني فقط، ولا أعظم من السياسة الخارجية التي يتخذها قائد سياسي في أي بلد وفي أي مرحلة من التاريخ وتحظى برضى شعبي وتأييد شعبي، ومهما كانت الضغوط عليه من أي دولة".

التحليل السياسي في زمن الذكاء الاصطناعي

وعرج عبدالغني في محاضرته بوزارة الإعلام حول ما يواجه التحليل السياسي العميق الرصين من اختبار وجودي بسبب هذا التحول الرقمي، إذ إن الفضائيات المفتوحة والسرعة الهائلة في العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي تعترض طريق التحليل الرصين، فقال حسين عبدالغني: "السيل المنهمر من المعلومات يضع تحديًا خطيرًا جدًا أمام التحليل السياسي، لأنه أي تحليل سياسي ليس مبنيًا على قاعدة معلومات صلبة، حتى لو كان تحليلًا سياسيًا ممتازًا ومتماسكًا ويعرف قواعد التحليل السياسي ونظريات التحليل السياسي ومناهج البحث في السياسة والعلاقات الدولية، لكنه مبني على موضوع بسيط ومعلومة غير حقيقية، فأنت عندك خسارة".

وأضاف: "المحلل السياسي لا بد أن يكون شديد الصرامة، وأنا اشتغلت في التحليل السياسي وفي الإعلام في نفس الوقت، وقد اعتدت في عملي في الإعلام والصحافة أن أعمل double check و triple check، ولا بد للمحلل السياسي أن يتأكد من المعلومة، والشيء الذي يمكن أن أستفيد منه بشكل رئيسي من الذكاء الاصطناعي أن أقوم بعمل عصف ذهني للتأكد من دقة معلومات معينة، وأحيانًا أنا لا أثق فيه، فلا يصلح للمحلل السياسي أن يضع معلومة معينة غير متأكد من صحتها، وهذه مسألة في منتهى الخطورة، وبالتالي أكبر خطر هو أن 90 بالمائة من المعلومات تقريبًا غير دقيقة في هذه المنصات، وسمعة المحلل السياسي واحترامه لنفسه، والأهم احترام الجمهور له أمر غاية في الأهمية، لأن المحلل السياسي أصبح عنصرًا حاسمًا في بناء الوعي في بلده، وطبعًا في من يتابعه من الجمهور".