الشعر والنقد عاطفتان لنص واحد

18 مايو 2026
18 مايو 2026

عند الحديث عن الشعر يهمنا فهم ماهية الشعر في المقام الأول، وما تركيبتُه المتشكّلة من نفسيات الشاعر وأمزجته وأصواته الداخلية المعبّرة عن رؤية فلسفية وشعورية لحظة الكتابة، عندما نفهم هذا الخليط المزجي سنجدُ أنّ الشعر تعبيرٌ لا تحده الحدود، فهو فوق النمطية، ثائرٌ، متمرّدٌ على الأعراف الكتابية وعلى النظام الذي يحاول أن يؤطّر له.

هناك صوتانِ يتدافعان أمام النص الشعري: صوتُ الشعر، وصوتُ النقد، ومعهما تظهر صورة القارئ الذي يتجاذبه الصوتان مُشكّلاً لحظات من الانفعال القرائي، والتشكيل الفني، والصراع حول رؤية دلالية ولفظية تتشكّل منها الصورة الإبداعية. هما ليسا بصوتين فقط، إنهما نصان مختلفان، ورؤيتان تتدافعان نحو تحقيق الأكمل في البناء الشعري.

وبما أنني أشرتُ إلى الأكمل هنا فإنّ التدافع النصي يأخذنا إلى عوالم مضيئة ينفتح عليها النص فيتلمس القارئُ خُطاها -موزّعاً بين الماضي والحاضر- باحثاً عن زمنية الكمال والبهاء والنضج الشعري.

هنا تجدرُ الإشارة إلى عبارة قالها أدونيس في كتابه (زمن الشعر) ملخّصًا حال الكتابة الأدبية بين زمنين مختلفين: «لابد من التوكيد هنا على أن مجرد التغاير مع الماضي ليس كافياً، فكوننا لا نكتب كما كتب امرؤ القيس أو المعري أو جبران، مثلاً، لا يعنى أنّ ما نكتبه هو بالضرورة، أفضل مما كتبوه، أو أن له قيمة شعرية بذاته». عندما نفهم ذلك، فإننا نكون واقفين أمام تعدّدية القراءة، وأمام مرايا النقد مبصرين وجوه الشعر المشرقة.

وبطبيعة الحال، وباستقراء مراحل الشعر العربي وتاريخه نجد أن الشعر قد مرَّ بتحولات مختلفة عبر عصوره الشعرية الطويلة، كان فيها الشعرُ مصدرَ رهان لجماليات اللغة ومضامين الشعر. وفي النقد القديم نجد ارتباطاً كبيراً بين النص الشعري والنص النقدي؛ إذ قدّم النقاد القدامى أدواتهم النقدية بفحصهم للنصوص والوقوف على إشكالات القصيدة وفك الملابسات عن أبرز الظواهر التي عُرفت، فكان النص الشعري خاضعاً لتتبعات النقاد التي جاءت ربما متأخرة شيئاً ما عن زمن الكتابة نفسه، لقد جاء الشعر سابقاً للنقد، وفاتحاً باب السؤال عن ماهيته وتشكّلات، فما كان يقال في العصور المتقدمة كـ(الجاهلي والإسلامي) مثلاً نجد النقاد في القرن الثاني الهجري وما بعده يعيدون قراءة ظواهره وأساليبه. نرى مثلاً الأصمعي في القرن الثاني الهجري يقول عن شعر حسان: «الشعر نكد يقوى في الشر ويسهل، فإذا دخل في الخير ضعف ولان، هذا حسان فحل من فحول الشعراء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره». (الاستيعاب في معرفة الأصحاب، 1/346).

يُحيلنا هذا على تعرُّف العلاقة بين الشعر والنقد، فالنقد يتتبع النصوص ويقيّم دلالاتها وألفاظها وأساليبها وفق مناهج خطّها أربابه. هذا إذا نظرنا إلى نقاد تلك العصور وتجاربهم في النقد والأدب نجدهم ناقشوا قضايا الشعر الجاهلي مثلاً كالشك والسرقات والانتحالات تم عرّجوا على الظواهر الفنية في الموضوعات والأغراض وقدّموا رؤيتهم فيها كابن سلام الجمحي وغيره من النقاد الأوائل.

لكن ينبغي -كما قرأنا ذلك من منظور القديم- أن نقف على التجربة الحديثة، فبعد عصور طويلة أُطلق عليها بعصور الانحطاط (خاصة في الشعر وفنيات الكتابة النثرية) جاء ما يعرف بعصر النهضة، فكان الدور على المدرسة الإحيائية أن تنادي بالعودة إلى القديم والكتابة كما كان يكتب الأقدمون، وإحياء القديم وبعثه، كرد فعلٍ على تلاشي القيمة الفنية للكتابة الشعرية التي انحدرت إلى مستويات متدنية خلافاً لما كانت عليه في العصر العباسي مثلاً. فماذا حدث؟ ما كان إلا أننا صرنا أمام لحظتين مختلفتين في الاتجاه الكتابي:

الأولى: تتمثل في أننا أمام نصوص شعرية صادرة من عمق التاريخ الشعري القديم، فما كتبه البارودي كان صورة لما كتبه شعراء العصور القديمة لفظاً وأسلوباً، أي أنه أصبح صورة مستنسخة لماضٍ يحاول الشاعر استعادته في العصر الحديث، والسير على منواله رغم تغيّر الزمن وتغير الحياة ومعهما نمط الكتابة.

الثانية: هذا الاستنساخ شكّل صورة جديدة في العصر الحديث قائمة على الصراع الأدبي، ومواجهة فعل الكتابة التقليدي برغبة التجديد، فكان أن ظهرت الدعوات المنادية بالتجديد ومواجهة المدرسة الإحيائية، ومنها (جماعة الديوان، وجماعة أبولو، وأدباء المهجر، والرومانسيون) ثم سار على طريقهم شعراء قصيدتي التفعيلة والنثر الذين رأوا في الأدب الغربي انطلاقة حية للتجديد الشعري والكتابة المغايرة عن القديم.

هنا لا يجب علينا أن ننسى ما قاله دعاة التجديد في خضم الصراع الأدبي مع الإحيائيين، فلا نسى ما قاله ميخائيل نعيمة في (الغربال) عن «نقيق الضفادع» في إشارة لأوزان الخليل المستعادة في الكتابة التقليدية، كما لا نغفل عما قاله أيضاً وهو يمجّد جبران خليل جبران في حركته التجديدية قائلاً: «إن جدران ثورة»، ثورة على ماذا؟ على الأنماط التقليدية في الكتابة كما يرى. كذلك لا يجب أن نغفل عما قاله أبو القاسم الشابي في (الخيال الشعري عند العرب) في إطار حديثه عن الخيال في الكتابة واصفاً شعر العرب بأنه «أجدب الصحراء التي يعيشون عليها».

في استقرائنا هذا، سنجد أن الجماعات التجديدية انبثق أغلُبها من الغرب في رؤيتهم لنمط الكتابة الجديدة التي وجدوا فيها أسلوباً جديداً ومغايراً في الكتابة الشعرية الحديثة، فنجد جماعة الديوان مثلاً انبثقت آراؤهم التجديدية بعد قراءة (الكنز الذهبي) وهو مختارات من الشعر الإنجليزي، وتأثر أحمد زكي أبو شادي بالأدب الغربي عند دراسته الطب في بريطانيا فعاد وأطلق على جماعته بـ(جماعة أبولو) نسبة إلى إله الشمس عند الإغريق. هذا أولاً.

ثانياً: نجد أن هذه الجماعات في مسيرتها الكتابية قد وضعت أسساً وملامح يسيرون عليها قاصدين منها إيجاد نصوص شعرية حديثة ينطلقون منها، وتكون مغايرة للنمط السائد عند الإحيائيين.

في تلك الفترات الزمنية نجد أنفسا أمام النقد الذي يأتي أولاً قبل الشعر، بمعنى أننا نرى أن النقد حاول أن يُشكّل صورة الشعر على طريقته وأساليبه، لذلك لم نجد هذه الجماعات قد نجحت فعلياً في دعوتهم إلى التجديد، ربما كان المهجريون أكثرهم نجاحاً في تلمس الموضوعات التأملية والفلسفية أو باتجاههم إلى الحنين الدائم إلى الوطن، إضافة إلى تجديدهم في الشكل.

في المقابل نجد تلك المدارس ما زالت تدور في دائرة النص الشعري القديم شكلاً، إلا في بعض المحاولات الشعرية التي نوّعت فيها في القوافي والأشطر وغيرها.

هنا نطرح سؤالاً مهماً: هل ساهم هذا التوتر وعدم الاستقرار فعلاً في تطور القصيدة أم عرقل نموها؟

إن هذا التوتر هو حالة صحية في قراءة المشهد الشعري الحديث؛ لقد عمل على الكشف عن المواطن الشعرية التي يمكن من خلالها تقديم اللفظة بطريقة تخدم المعنى، كما عملت على غربلة النصوص وإعادة قراءتها من زوايا مختلفة وعدم الاقتصار على رؤية واحدة. كذلك فإن الانفتاح على التجارب الغربية الحديثة أوجد حالة من التلاقح الفكري والثقافي والانفتاح على تجارب تمكننا من الدخول في عوالم النفس البشرية وآلامها وأفراحها، ما أوجد لنا في الكتابة الحديثة تقنيات كـ(الرمز والقناع والأسطورة والتناص والعودة إلى الوراء) وغيرها.

حتى على صعيد القصيدة التقليدية نجد فيها تطوراً في اللغة واللفظ الجيد المعبّر الذي من خلاله أصبح النص العمودي منفتحاً على الثورة التجديدية. وعلى صعيد آخر، فإن الاشتغال الحديث على الكتابة الشعرية من خلال الأصوات النقدية التي تمارس سلطتها على النص الشعري فإننا نجد القصيدة تسير بالقارئ إلى عوالم المجهول الغامضة. إنّ الغوص في الغموض والرمز سيراً وراء إخفاء الدلالات والأفكار دفعت علاقة القارئ بالنص إلى حالة من التوتر والنفور وطرح الأسئلة المتشكّلة من صراع خفي بين الطرفين، الأمر الذي أحدث به قطيعة مع القارئ في أكثر الأحوال مما استدعى كثير من القراء إلى استعادة أسئلة قديمة من باب «لم تقول ما لا يُفهم؟» و«لمَ لا تفهم ما يقال؟» أو عبارة «المعنى في بطن الشاعر»، اعتراضاً على الغموض العميق والرمز المكثف والتقنيات الحديثة المفرطة في الكتابة الشعرية التي جعلت من الشعر عالماً مبهماً غير واضح المعالم.

إنّ الحديث عن العلاقة بين الشعر والنقد وزمنية كل منهما حديث شائك وطويل، وله مسلكان يمكن التعبير عنهما في ضوء العلاقة هذه. -وفي نظري- إنّ الكتابات النقدية قد أسهمت في نشر الوعي لدى الشعراء في التعامل مع نصوصهم الشعرية لحظة الكتابة، كما أسهمت في إحداث قطيعة كبرى بين المتلقي والنص من خلال فهم المتلقي وذائقته الشعرية متى ما أقحمت الشاعر في تتبع المناهج وتسيير النص الشعري في ضوئها.

وهنا تظهر أدوار النقد والشعر في إبراز هُوية النص وإخفاء الصوت الشعري وإيجاد نص قائم على التجاذب بين طرفين، لكل طرف سلطته الكبيرة، فيحاول النقد إخضاع الشعر إلى سلطته النقدية وكذلك الشعر يعمل على جذب النقد إلى أوديته السحيقة ومآلاته المتنوعة.

إنّ الشعر لحظاتٌ من المشاعر، وانفجارٌ خيالي معبّر، والنقد طوفان هائج تنبني عليهما رحلة الشعر والكتابة، إذ لا يمكن لهما إلا أن يكونا وجهاً واحداً أمام مرآة صافية.

من كلمة ألقيت في ندوة (جدلية النقد والنص الإبداعي) ضمن مهرجان القرين الثقافي بالكويت عام 2025م