استدامة الفعاليات السياحية وتنوعها

18 مايو 2026
18 مايو 2026

منح التنوع الطبيعي محافظة ظفار مكانة لتكون وجهة سياحية فريدة ودائمة في شبه الجزيرة العربية، ويعد ذلك أهم عنصر جذب لصناعة سياحة دائمة على مدار العام، ولا يقتصر على موسم الخريف الذي أخذ موقعه على جداول السياح العرب والخليجيين على وجه التحديد؛ نظرًا لحلول الخريف مع موسم الإجازات الصيفية، وارتفاع درجات الحرارة في منطقة الخليج، وسهولة الوصول إلى المحافظة.

وهذه العوامل تفرض ذاتها على أي خطة تنموية واستراتيجية سياحية للاستثمار في القطاع السياحي ناهيك بالتنوع الطبيعي الذي يخلق أنواعًا من السياحة، كسياحة المغامرات والغوص واستكشاف الصحاري، وتسلق الجبال والتخييم في الغابات وغيرها من الأنشطة التي من شأنها أن تشكل رافدًا اقتصاديًا قارًا ومستدامًا.

ورغم الجهود الحكومية الظاهرة للعيان في الاهتمام بالمحافظة وتهيئتها سياحيًا، كإقامة شبكة الطرقات، وإنشاء العديد من الإقامات الفندقية، وإقامة الأنشطة والفعاليات السياحية التي نالت بعض الرضا الجماهيري، إلا أن تلك البرامج بحاجة ماسة إلى تقييم من قبل الجهات المعنية لتلبي الغايات والطموحات المجتمعية، وتحقق أهداف الخطط التنموية.

لهذا فإن إنجاز المرافق السياحية في المواقع التي تهوي إليها أفئدة الناس، واعتماد برامج سياحية متنوعة كفيلان باستمرار تدفق السياح والزوار إلى المحافظة على مدار السنة، وإذا كان موسم الخريف هو الموسم الذي يزداد فيه الزوار، وخاصة الأسر والعائلات فإن الواقع يفرض إقامة المزيد من المساحات والفضاءات الترفيهية الخاصة بالأطفال والنساء وكبار السن، وبرمجة حزم من الأنشطة والفعاليات المخصصة لهذه الفئات، بل إشراكها في صناعة الترفيه وقضاء أوقات ممتعة بين الطبيعة وفي الحواضر والأحياء السكنية التي تؤوي السياح وتخدم المقيمين.

إن برمجة الفعاليات المستدامة في المحافظة خارج موسم الخريف تتطلب توظيف العناصر الثقافية كالعادات الموسمية والمناسبات المجتمعية لتحقيق عدة أهداف، منها اختلاق أنشطة ترفيهية فريدة ومميزة، وكذلك الحفاظ عليها وصونها كتراث ثقافي عالمي، وهنا يمكننا طرح عدة مقترحات لإقامة فعاليات مستدامة في ظفار، كالإعلان عن مهرجان عالمي للثقافات الشفوية في صلالة يُقام في منتصف شهر أكتوبر المتزامن مع بداية فصل الربيع (الصرب)، ويبدأ المهرجان في السابع عشر من أكتوبر، أي في اليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي. ويعكس المهرجان اهتمام السلطنة بهذا التراث، وأيضًا ترجمة لجائزة اليونسكو - السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي. ويتزامن هذا التوقيت مع بعض العادات الثقافية في ظفار، كموسم خطلة الإبل، وبداية موسم الضواغي، أي صيد السردين، وحصاد المحاصيل الزراعية الموسمية كمحصول «البيضح». إن برمجة هذه العادات ضمن البرنامج السياحي لمحافظة ظفار يمكن أن تقوم عليها صناعات سياحية مستدامة، خاصة وأنها تبدأ مع حلول السياحة الشتوية، وتدفق السياح الأوروبيين إلى صلالة.

وفي هذا الإطار أيضًا فإننا نقترح إقامة مهرجان سياحي وثقافي تحت مسمى «صلالة ملتقى الرحالة» ينطلق في منتصف شهر ديسمبر، أي مع بداية عطل أعياد الميلاد وبداية رأس السنة الميلادية.

ويبدأ المهرجان بفعاليات السير على خطى الرحالة، وينطلق من مدينة صلالة، وينتهي بمدينة مقشن مع إقامة محاضرات ولقاءات عن الرحالة والمستكشفين الذين مروا بمدينة صلالة، وتحديدًا موقع البليد الأثري، كالرحالة الإيطالي ماركو بولو (1254-1324)، والرحالة المغربي ابن بطوطة (1303-1377).

وكذلك إحياء الطرق والمسالك البرية التي عبرها الرحالة عند انطلاقهم من مدينة صلالة نحو صحراء الربع الخالي، كالرحالة البريطاني برترام توماس (1893-1950) الذي يُعد أول أوروبي يقطع صحراء الربع الخالي، ومواطنه ويلفرد ثيسجر (1910-2003) الذي كتب مؤلفه «الرمال العربية» أحد أهم الكتب في الاستشراق الرومانسي.

وسيحظى مهرجان «صلالة ملتقى الرحالة» باهتمام عربي وعالمي لعدة أسباب، منها تزامنه مع العطل المدرسية، وتواجد مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي المهتمين بأدب الرحلات والمغامرات وصُنّاع المحتويات الرقمية، ناهيك بالمهتمين بالرياضات الشتوية ومحبي التخييم الذين سيجدون المتعة في اكتشاف الممرات والمسالك المؤدية إلى الصحراء.

وتكمن استدامة المهرجان في توقيته السنوي، وفي الاستفادة منه محليًا عبر المشاركة المجتمعية، وإقامة فعاليات سياحية وترفيهية، كتسويق المنتجات الحرفية وسباق الهجن والمحالبة، وتنشيط الحركة الاقتصادية في بعض المدن الواقعة على الطريق الرابط بين مدينة صلالة ومقشن، كمدينة مضي وأوبار الأثرية، وهي المحطات التي مر بها الرحالة في طريقهم؛ نظرًا لقربها من العيون المائية.

إننا نُعوّل على الجهود المخلصة للقيادات الشابة في تنفيذ الخطط والاستراتيجيات الوطنية الساعية إلى إيجاد روافد اقتصادية تسهم في الدخل المحلي، وتوفر فرص عمل، وتخلق مناشط وفعاليات ترفيهية تلبي رغبات المواطنين والمقيمين والزوار، وتوظف التراث الثقافي بشقيه المادي وغير المادي في الصناعة السياحية للاستفادة منه والحفاظ عليه في ذات الوقت.