No Image
العرب والعالم

النكبة الجينية.. حين محا الاحتلال شيفرة الوجود الفلسطيني من سجلات غزة

12 مايو 2026
12 مايو 2026

في أحد مراكز الإيواء شمال قطاع غزة، يحدق الطفل عمر (6 سنوات) في وجوه العابرين باحثًا عن جذوره العائلية. عمر لا يعرف كنيته، ولا يحمل ورقةً ثبوتية واحدة؛ لقد استشهد والداه تحت الأنقاض في حي الرمال، في مجزرة 7 مايو 2025، ومعهم دُفنت كل الصور والوثائق. الآن في أبريل 2026، في ظل هذه الهدنة الهشة التي لم تداوِ جراح حرب الإبادة الجماعية، يجد عمر نفسه عالقًا في «يتمٍ مزدوج»؛ فقدَ العائلة التي تحتويه، وفقدَ الدليل العلمي الذي يربطه بها.

ملامحه المنحوتة بدقة، وعيناه اللتان تحملان لمعة حزينة، تشيان بانتسابٍ يافاوي أصيل، لكنه انتسابٌ معلقٌ في الهواء بعد أن قُصفت بنوك الدم وتلاشت سجلات الـ DNA تحت ركام المختبرات التي كانت تحفظ «شيفرة» البقاء الفلسطيني.

تتحدث خلود إحدى المتطوعات في المركز لـ لـ«عُمان» عن حالة عمر بوصفها مرآةً لجيلٍ كامل: «عمر يستيقظ كل صباح وينتظر عند البوابة، يسأل المارة عن رجلٍ يشبهه في الشامة التي تعلو حاجبة الأيمن. هو لا يملك اسماً كاملاً، بل يملك ذاكرة جسدية يحاول مطابقتها مع الغرباء».

توضح: «إن رؤيته وهو يحاول إثبات وجوده بالملامح فقط هي أقسى تجليات ضياع الأثر؛ فمن يعيد لعمر نسبه إذا كانت المختبرات قد صمتت للأبد؟». إن حالة عمر تعكس الفراغ الوجودي الذي خلفته الحرب، حيث تحول الطفل من كائن ذي جذور تاريخية إلى مجرد «جسد مجهول» يبحث عن تعريف في سجلات الغياب.

محو «الخريطة الحيوية» لغزة

لم يكن استهداف المنظومة الطبية في غزة مجرد تدمير لغرف العمليات، بل كان محواً ممنهجاً لـ «الذاكرة الحيوية» للقطاع. يوضح الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، لـ«عُمان» أن القطاع فقد سيادته المعلوماتية بدمار المختبر المركزي في حي الرمال، ومركز فحص الأنسجة والوراثة بمستشفى الشفاء، ومختبرات الأدلة الجنائية.

يقول البرش: «نحن أمام فراغ جيني غير مسبوق؛ فقد تبخرت قواعد بيانات آلاف العائلات التي مُحيت من السجل المدني، مما جعل عملية الاستعراف على الأطفال الأيتام تعتمد على وسائل بدائية وغير دقيقة. نحن نتحدث عن مسح شامل للهوية البيولوجية، حيث لا يمكننا اليوم إجراء مطابقة واحدة للأنسجة بسبب غياب الأجهزة المرجعية والمواد الكيميائية اللازمة».

وفي لغة الأرقام الصادمة التي تعكس حجم الكارثة الديموغرافية، يكشف زاهر الوحيدي، مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة في غزة: «تشير بياناتنا المحدثة إلى أن عدد الأطفال الذين فقدوا الوالدين أو أحدهما تجاوز 64616 طفلًا، بينهم 55157 تيتموا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع».

ويضيف الوحيدي: «لكن الإشكالية القانونية والأخلاقية الكبرى تكمن في وجود نحو 3850 طفلاً يندرجون تحت تصنيف (فاقدي السند العائلي الكلي)؛ وهم رضع وصغار وُجدوا في الشوارع أو تحت الأنقاض بلا مرافقين، ولم يتبقَّ لهم قريب من الدرجة الأولى أو الثانية لتقديم عينة DNA مرجعية، مما يعني انقطاع تسلسلهم الجيني رسمياً وتحولهم إلى (جيل بلا جذور)».

ملاك.. ابنة الغصن والقدر

وتعد قصة الطفلة «ملاك» أبرز نموذج على هذه التيه الجيني في غزة، إذ تجسد أقسى فصول هذه النكبة المستمرة. بدأت حكاية ملاك في نوفمبر 2023، حين عُثر عليها رضيعةً لم تتجاوز أياماً من عمرها، معلقةً على غصن شجرة بعد غارة إسرائيلية مسحت مربعاً سكنياً بالكامل في حي النصر. ملاك، التي نُقلت في رحلة محفوفة بالموت من مستشفى الشفاء إلى مستشفى الهلال الإماراتي برفح، لم يكن يربطها بالوجود سوى بطاقة تعريفية كُتب عليها بخط مستعجل: «مجهولة الهوية».

هنا تتقاطع الأقدار مع الممرضة أمل أبو ختلة، التي كانت تعمل في قسم الحضانة بمستشفى الهلال الإماراتي المدمر. تروي أمل لـ«عُمان»: «وصلت إلينا ملاك وكأنها نبتت من غصن الشجر؛ بلا اسم ولا صريخ يطالب بها. كان التعامل مع حالات مجهولي الهوية مرعباً، لكن ملاك كان لها وقع خاص على نفسي. بقيت لفترة طويلة بلا اسم رسمي، حتى اخترت لها اسم ملاك لأنه يليق بوجهها الصغير الذي نجا من الجحيم».

أمل، التي تربت يتيمة هي الأخرى، قررت ألا تترك ملاك لمصير اليتم المبكر، فتقدمت بطلب رسمي لوزارة الصحة لاحتضانها. تضيف أمل بغصة: «ملاك كانت هدية القدر لي وسط حرب الإبادة. هي اليوم تعيش مع عائلتي، ورغم أنها تجهل أصلها البيولوجي، إلا أنني أحاول بناء ذاكرة بصرية لها عبر الصور والتوثيق، لتعويضها عن جذورها التي اجتثها الركام».

من «طابو الأرض» إلى «طابو الأجساد»

لا يمكن فصل هذه «النكبة الجينية» عن سياق نكبة 1948؛ فهناك علاقة عضوية ومستمرة في منهجية المحو. فبينما سرق الاحتلال صكوك «الطابو» -وهي وثائق رسمية عثمانية كانت تُثبت ملكية الفلسطينيين للأرض- يحاول اليوم عبر «إبادة السجلات الرقمية والجينية» حرمان الفلسطيني من إثبات كينونته الحيوية. وأمام هذا الواقع، تنشط الحاجة أم جبر وشاح في مخيم البريج، لتقوم بمهمة «الأرشفة الشفهية للجذور» عبر حلقات توعوية للأيتام.

تقول الحاجة أم جبر: «في الـ 48 كنا نحمل المفاتيح بصدورنا كدليل على حقنا في العودة، واليوم نحن نحمل الأنساب بعقولنا. حين يأتي إليّ يتيم لا يعرف له أصلاً، أحاول مطابقة ملامحه مع ذاكرتي عن عائلات القطاع؛ هل هذا الأنف يشبه عائلة فلان؟ هل هذه المشية تعود لعائلة علان؟».

وتوضح: «نحن نرسم لهؤلاء الصغار خرائط قراهم المهدومة على رمال الشواطئ، ونخبرهم بأسماء أجدادهم حتى الدرجة العاشرة، الحكاية هي من تحمي جذورهم الفلسطينية وهوياتهم».

معضلة الحق الموروث والإبادة المدنية

في هذا الصدد، يرى المحامي راجي الصوراني، مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن هذا الفقدان الجيني هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية حرب الإبادة الجماعية. وفي مرافعة قانونية موسعة، يوضح الصوراني: «إن استهداف مراكز التوثيق الجيني والمدني يهدف لخلق جيل فلسطيني بلا مرجعية تاريخية أو بيولوجية، مما يسهل عملية اقتلاعه من أرضه قانونياً وسياسياً. هذه ليست مجرد أزمة إنسانية، بل هي لغم قانوني يهدد جوهر حق العودة».

ويضيف الصوراني: «بدون إثبات النسب عبر الـ DNA أو السجلات الرسمية، سيواجه هؤلاء الأطفال صعوبةً بالغة في المطالبة بأملاك عائلاتهم في الأراضي المحتلة عام 48، أو حتى في المطالبة بميراثهم الشرعي داخل القطاع. إننا بصدد جريمة (إبادة مدنية) تستهدف تجريد الضحية من أصلها ومن امتدادها المادي في التاريخ والجغرافيا. المطالبة اليوم يجب أن تتجاوز الإغاثة الغذائية إلى ضرورة إنشاء (بنك جيني وطني) للأيتام تحت إشراف دولي، لتوثيق شيفراتهم الوراثية قبل أن ترحل الأجيال التي تحفظ الأنساب، وقبل أن تضيع الملامح في مهب الزمن».