مسقط الكبرى: المرونة ونمط العيش
09 مايو 2026
09 مايو 2026
يشكِّل التخطيط العمراني الحضري أداة التحوُّل نحو عالم القوة التحويلية التي تضمن التنمية المستدامة للمجتمعات؛ ذلك لأن النمو المتسارع للمدن يستوجب التخطيط وفق معايير قادرة على تمكين خصائصها وسماتها المميَّزة بُغية توفير إمكانات تؤدي إلى تحقيق الأهداف التنموية. ولهذا فإن التخطيط هنا لا يكمن في تطوير البنية الأساسية، بل تخطيط تنموي قادر على إحداث تغيير في التصورات والرؤى المستقبلية مستفيدا من المعطيات الاجتماعية والثقافية والبيئية والاقتصادية؛ فالعمران الحضري يُستخدم بوصفه رافعة لتحويل الحياة وسبل العيش للمجتمعات.
وإذا كانت المدن هي المحرِّك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول فإن الفضل في ذلك يعود إلى تخطيطها الحضري، وقدرته على جعلها مدن ذات كفاءة من حيث كفاية الخدمات، والتنظيم القطاعي القائم على العدالة والمساواة إضافة إلى مرونتها وقدرتها على الصمود أمام الكوارث الطبيعية، وتطوير أنظمتها التنموية بما يتواءم مع أولوياتها وتطلعاتها المستقبلية؛ فالتخطيط الحضري يقوم على تعظيم الموارد الطبيعية للمدن، وتمكين القدرات البشرية لأفراد المجتمع بما يُسهم في تعزيز الإنتاجية والتنمية الحضرية المستدامة.
إن التخطيط العمراني للمدن يُعد مفتاح التنمية المستقبلية وركيزة أساسية للتطوير؛ فنمو المدن وتطوُّرها يقوم على كفاءة التخطيط العمراني ومدى مواءمته مع الطبيعة الإنسانية من ناحية، وتطلعاتها المستقبلية المنفتحة على رؤى الحداثة والتقنيات المتسارعة من ناحية أخرى؛ فالمدن اليوم تُعد مراكز للنمو الإنساني، والنمو الاقتصادي، والموارد ذات القيمة المضافة. لذا فإن هذا التخطيط لا يقود إلى تنميتها وحسب، بل إلى تغييرها نحو مستقبل أكثر استدامة بما يُسهم في تحسين نوعية الحياة.
فالمدن الحديثة تقوم على تخطيط مرن قابل للتطوير والتغيير بناء على المعطيات المتسارعة؛ لذا فإنها تُبنى على كفاءة استخدام الموارد، و معالجة الخدمات الحيوية وفق الاحتياجات المستقبلية، لتحقيق التوازن بين جودة الحياة، والقدرة التنافسية وحماية البيئة، الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة على الاستدامة وتحقيق الرفاه الاجتماعي؛ لذلك فالتخطيط اليوم يقوم على نهج متكامل متعدد القطاعات يعمل باعتباره موردا للكفاءة والتنظيم الحضري لإنشاء أُطر مرنة وسريعة الاستجابة للتغيرات.
لذا فإن الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية 2040 في عُمان قدَّمت (الإطار العام لتوجيه النمو العمراني خلال العشرين عاما القادمة)؛ بهدف تحقيق التوازن بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتنمية المستدامة. فالاستراتيجية تسعى إلى إيجاد مدن عصرية ذكية، وقرى نابضة بالحياة تسهم جميعها إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي لأفراد المجتمع، وتحسين جودة الحياة من خلال تخطيط عمراني يوازن بين مرونة المجتمعات، والاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية للمدن وحمايتها، وتطوير البُنى التحتية، وزيادة كفاءة النمو الاقتصادي المستدام.
انبثقت عن الاستراتيجية الوطنية العمرانية 2040 استراتيجيات عمرانية إقليمية للمحافظات تهدف إلى التطوير العمراني في كل محافظة بناء على خصائصها ومواردها وتطلعاتها المستقبلية. عليه فإن الاستراتيجية العمرانية الإقليمية لمحافظة مسقط قدَّمت منذ تدشينها في العام 2020 رؤية عمرانية للمحافظة لتكون مسقط (في مصاف الريادة في مجال المعرفة والابتكار وقطاع المال والتجارة والسياحة) - حسب وثيقة الاستراتيجية -. وقد احتوت هذه الاستراتيجية على مجموعة من الأهداف والتطلعات كان من بينها منطقة (مسقط الكبرى) باعتبارها منطقة حضرية تسهم في توفير فرص عمل، وإتاحة الاستثمارات الكبرى في البنية الأساسية التي تتواكب مع التغيُّر السكاني للمحافظة.
وبناء على ذلك تم خلال الأيام القليلة الماضية تدشين المخطط الهيكلي لمشروع (مسقط الكبرى) تحت شعار (إرث خالد ورؤية متجددة)؛ حيث يشكل المشروع حسب المخطط امتدادا حضريا متكاملا يربط بين المعطيات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وفق مجموعة من الأهداف تمت صياغتها بناء على تكاملية التخطيط التنموي للمشروع، وهي: (مسقط الخضراء)، و(مسقط المترابطة)، و(مسقط المنتجة)، و(مسقط الحيوية)، و(مسقط المرنة والآمنة)، وهي أهداف تقود التنمية الحضرية في المحافظة.
إن الرؤية المستقبلية لهذا المشروع الواعد تقدِّم خطة تنموية مستمدة من الاستراتيجية العمرانية الإقليمية لمحافظة مسقط تستعد لاستيعاب النمو السكاني المتزايد للمحافظة، وتستقطب الاستثمارات التي تُسهم في تعزيز الاقتصاد إضافة إلى تطوير البنية الأساسية، ورفع جودة الخدمات؛ ولهذا فإن المشروعات التي قدمتها هذه الرؤية تؤسِّس لمدينة ذكية تقود الابتكار في عُمان باعتباره أداة توفِّر معطيات ذات أبعاد تنموية مستدامة تم بناؤها على مفاهيم المرونة والصمود للبنية الأساسية.
فهذا المشروع لا يوفِّر خدمات أساسية وتطوير للبُنى التحتية وحسب، بل يُعد نموذجا للتخطيط العمراني المستدام القائم على حماية الموارد، وتطوير إدارة المدن وتحويلها إلى بيئات معيشية أكثر استدامة وصلابة وذكاء يدعم النمو الاقتصادي؛ وبالتالي تحسين حياة الأفراد وسبل معيشتهم من خلال توظيف الاستثمار التكنولوجي وإنشاء مدن صديقة للإنسان تُسهم في تغيير أنماط العيش للأفراد، خاصة فيما يتعلَّق بالنقل والمواصلات، وتوفير مساحات خضراء، وأماكن تعزِّز الحياة الصحية والاجتماعية وممارسة الأنشطة الثقافية المختلفة.
إن مشروع (مسقط الكبرى) يمثل قاطرة تنموية مهمة في سبيل دعم توجهات الدولة ورؤيتها الوطنية عمان 2040؛ إذ يتكامل مع العديد من المشروعات التنموية الأخرى في محافظة مسقط خاصة تلك المتعلقة بالتجمعات السكانية في مقدمتها (مشروع مدينة السلطان هيثم)، وكذلك المنطقة المخصصة للذكاء الاصطناعي وغيرها من المشروعات التي تهدف إلى أن تكون مسقط في صدارة مدن العالم الحديث؛ باعتبارها مدينة ذكية مستدامة.
لقد قدَّم مشروع (مسقط الكبرى) نموذجا للمدن الحديثة من حيث جاهزية البنية التحتية للبيئة المعيشية والتخطيط الحضري المتواكب مع مفاهيم تطوير المدن الحديثة، والاستثمار في شبكات النقل المستدامة، واستخدام الطاقة المتجددة، والتحوُّل نحو الأنظمة الرقمية المتكاملة في الخدمات باعتماد أفضل ممارسات الحوكمة التي تستعد لمرحلة تنموية من التغيُّرات على مستوى الاقتصاد والإمكانات التقنية؛ سعيا لتحقيق الرؤية العمرانية لعُمان (عمان الغد تُصبح وجهة حيوية جاذبة بما تحويه من مدن عصرية ذكية).
إن هذا المشروع جزء من الاستراتيجية العمرانية الإقليمية لمحافظة مسقط الذي يعمل على تطوير البنية الأساسية للمحافظة باعتبارها مركزا إقليميا رائدا على مستوى المنطقة، ويتكامل مع المراكز الإقليمية الأخرى في باقي المحافظات؛ فلكل محافظة دورها الحضاري ورؤيتها التي تنطلق من طبيعتها وثقافتها وأولوياتها الوطنية وتطلعاتها المستقبلية؛ لذا فإن القيمة الحضارية لمشروع (مسقط الكبرى) لا تكمن فقط في مشروعاته التنموية، بل أيضا فيما يمكن أن يؤسسه لبناء مشروعات أكثر قدرة على الصمود والاستدامة في المستقبل.
إن الاهتمام المتزايد للتطورات التقنية وتطوير البنية الأساسية يفتح للمجتمع آفاقا لتحسين أنماط العيش، وأساليب الحياة الصحية إضافة إلى ما تتيحه من إمكانات للإبداع والابتكار في الصناعات والمشروعات الريادية المختلفة كل في مجاله ومهاراته؛ ولهذا فإن مواكبة ذلك بالتنمية البشرية والتدريب والتأهيل إضافة إلى برامج التوعية ستمكِّن أفراد المجتمع من تغيير سبل العيش، واستثمار الفرص الكثيرة التي توفرها البنية الأساسية والمعطيات الحديثة القائمة على التقنيات والذكاء الاصطناعي، ليسهم ذلك كله في تحقيق الرفاه المجتمعي للأفراد.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.
