حرب إيران تؤذن بنهاية التفوق الأمريكي كما عرفناه

09 مايو 2026
09 مايو 2026

حطّمت الحرب في أوكرانيا افتراضا مركزيا حول هيمنة القوى الكبرى: أن الحجم والقوة العسكرية يكفيان لفرض الإرادة. أثبتت أوكرانيا خلاف ذلك. فمع الاستراتيجية المناسبة، والجغرافيا الملائمة، والإرادة الصلبة، تستطيع دولة أضعف أن تصمد، وأن تحدّ من قوة خصم أكبر بكثير، بل وأن تهزمه في جوانب أساسية.

تواجه الولايات المتحدة الآن موازاة غير مريحة؛ فالحرب مع إيران تكشف حدودا مشابهة للقوة الأمريكية.

لعقود طويلة، استندت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى إلى التفوق؛ أي الاعتقاد بأن القدرات العسكرية الأمريكية غير المسبوقة تتيح لها صون الاستقرار العالمي وتشكيل النتائج في مختلف الأقاليم.

بعد الإخفاقات في العراق وأفغانستان، وصل كثير من الأمريكيين إلى خلاصة حادة: كلفة التفوق لم تعد قابلة للاستدامة، ولم تعد تخدم المصالح الأمريكية. فالاستراتيجية التي تعتمد على الهيمنة العسكرية في كل مكان، وطوال الوقت، تعني بالضرورة أن تكون أمريكا في حرب في مكان ما، طوال الوقت. الحروب الأمريكية التي لا تنتهي ليست حادثا عارضا؛ إنها ثمرة هذا النهج. وإذا كانت هناك نقطة نادرة يتفق حولها بلد شديد الانقسام، فهي هذه: الأمريكيون تعبوا من الحرب.

ومع ذلك، ورغم إرهاق الرأي العام من الحروب، وتصاعد الضغوط المالية، ووعود السياسيين بإنهاء الحروب التي لا تنتهي، أبقى الجمود، ومعه مصالح اقتصادية نافذة مرتبطة بالحرب، على استراتيجية التفوق قائمة.

السؤال الآن هو ما إذا كانت الورطة في إيران ستكسر هذا النمط أخيرا. تشير المؤشرات الأولى إلى أن تداعياتها قد تتجاوز حتى تداعيات حرب جورج دبليو بوش الاختيارية في العراق.

لنتأمل الآتي: انتصرت الولايات المتحدة في حرب العراق خلال أقل من ثلاثة أسابيع. لم تكن هيمنتها العسكرية موضع شك. لكنها خسرت السلام؛ إذ أخفقت في تحقيق الاستقرار في البلاد بعد أن ترسخ التمرد.

أما في إيران، فإن الولايات المتحدة لم تنتصر حتى في المرحلة العسكرية، رغم أنها واجهت قوة تقليدية أضعف بكثير. وظّفت إيران الجغرافيا والتكتيكات غير المتماثلة للحد من القوة الأمريكية وإلحاق انتكاسة استراتيجية بها.

والأكثر لفتا أن الادعاءات المبكرة بأن الضربات الجوية الأمريكية أضعفت قدرات إيران في المسيّرات والصواريخ بدرجة كبيرة تبدو الآن مبالغا فيها. الدرس واضح: السيطرة على السماء لا تضمن السيطرة على النتائج. ومن دون إرادة لنشر قوات برية، ومن دون القدرة على تحويل القوة الجوية إلى نتائج حاسمة، يبدأ التفوق الأمريكي في الظهور أكثر فأكثر بوصفه تفوقا أجوف.

ثانيا، كما أشار ستيفن والت، فإن حرب العراق، رغم فشلها في النهاية، حققت هدفها المباشر: الإطاحة بصدام حسين. في إيران، يبدو أن العكس يحدث. فبدلا من إضعاف النظام، رجحت الحرب كفته؛ إذ عززت التماسك الداخلي ورسخت سيطرة التيار المتشدد.

ويلاحظ والت أيضا أن حرب العراق، رغم أنها زعزعت استقرار المنطقة، بقيت تداعياتها العالمية محصورة نسبيا. لم تفجر أزمة نفطية، ولم تتسبب في نقص واسع في الغذاء، ولا في اضطرابات كبرى في سلاسل الإمداد.

أما حرب إيران، فقد دفعت أسواق الطاقة بالفعل إلى الاضطراب، ورفعت أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، وأطلقت حالات طوارئ في قطاع الطاقة بعدة دول. وربما تكون قد أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي للخليج لسنوات طويلة مقبلة.

وكما جادل ستيفن ويرتهايم، كان التفوق دائما خيارا، لا ضرورة. توحي حرب إيران بأنه ربما لم يعد حتى خيارا قابلا للتطبيق. فالاستراتيجية المبنية على هيمنة التصعيد تتعثر حين يصبح التصعيد نفسه شديد الخطورة إلى حد يصعب استخدامه. والاستراتيجية التي تعتمد على انتصارات حاسمة تنهار حين يستطيع الخصوم فرض حالة جمود بصورة متكررة.

ما يظهر بدلا من ذلك هو نوع مختلف من النظام الدولي؛ نظام لا تحدده الهيمنة، وإنما القدرة المتبادلة على المنع. في هذا العالم، لا تستطيع القوى الكبرى فرض إرادتها بسهولة، وتستطيع الدول الأصغر مقاومتها بكلفة محتملة. النتيجة ليست فوضى، بل قيودا.

النتيجة الأكثر ترجيحا للمواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران ليست اتفاقا، ولا عودة إلى الحرب، بل توازنا قلقا وممتدا. وهذا بدوره علامة من علامات المرحلة. قد تنسحب الولايات المتحدة من المفاوضات، لكنها على الأرجح لن تعود إلى حرب شاملة. ليس لأنها تفتقر إلى القدرة، وإنما لأنها تفتقر إلى الحرية الاستراتيجية لاستخدامها.

بالنسبة إلى الدول التي اختارت الاعتماد على الحماية الأمريكية، ينبغي أن يكون هذا جرس إنذار.

هذا لا يعني أن التحالفات ستنهار. لكنه يعني أنها ستتغير. سيزيد الحلفاء من التحوط، وسينوعون علاقاتهم الأمنية، وسيمنحون اهتماما أكبر لتوازنات القوى الإقليمية بدلا من الاعتماد على ضامن واحد.

بهذا المعنى، لا تمثل حرب إيران قطيعة بقدر ما تمثل تسريعا لاتجاه بدأ بالفعل. فقد كشفت العراق وأفغانستان حدود الاحتلال وتغيير الأنظمة. وكشفت أوكرانيا قابلية القوات التقليدية الكبيرة للتعرض والهشاشة.

وتكشف إيران الآن حدود الإكراه نفسه. وكما ترى زميلتي في معهد كوينسي مونيكا توفت، فإن القوى الأصغر الأخرى لا تحتاج إلى ممر مائي حيوي كمضيق هرمز كي تقيّد قوة عظمى بفاعلية. يكفي تشكيل الأرض والجغرافيا، كما فعل الأوكرانيون. باختصار: استراتيجية إيران قابلة للتكرار في أماكن أخرى.

مجتمعة، تشير هذه الصراعات إلى عالم أكثر تعددية في الأقطاب؛ ليس لأن قوى عظمى جديدة صعدت بالكامل، وإنما لأن القوى القائمة لم تعد قادرة على الهيمنة كما كانت تفعل في السابق.

الخطر على واشنطن لا يكمن في انعدام أهميتها. يكمن في استمرارها في اتباع استراتيجية صُممت لعالم لم يعد موجودا. وينطبق الأمر نفسه على الدول التي اختارت الاعتماد على التفوق الأمريكي.

وعد التفوق بالسيطرة. تكشف حرب إيران القيود. وبين الوعد والواقع تطوى صفحة عصر كامل. وسيكون الرابحون هم أولئك الذين يتكيفون.

تريتا بارسي هو الشريك المؤسس ونائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي لفن الحكم المسؤول.