«ماتشي ماتشي»
09 مايو 2026
09 مايو 2026
دلف الزوجان إلى المطعم اللبناني، في المول الكبير بالموالح، رجل طويل بشنب كث ناصع السواد، يُمسك بيد زوجته، التي تبدو قصيرة مقارنة به .
استقر الزوجان على طاولة مجاورة، امرأة ترتدي عباءة صفراء، وتنتعل حذاء باللون نفسه، حقيبة يدها كانت صفراء كذلك، فيما تُطوقُ الصُفرة الرجل من كل الاتجاهات، دشداشة صفراء فاقع لونها خِيطت بالأسود، «كُمة» مطرزة بالأصفر، مع لطخة برتقالية خفيفة، إنها صيحة توحيد الألوان «ماتشي ماتشي»!! .
حضر النادل بعد دقائق معدودة، وقف بحسب بروتوكول المطاعم المتعارف عليه، قدم لكليهما قائمة الطعام والمشروبات، وبعد مشورة قصيرة، طلبا ما سيأكلانه، وعندما جاء ذكرُ العصائر، انفردت المرأة بالاختيار: «اثنين ماتشا لو سمحت» مع الثلج .
من فوره اعترض الزوج، وطلب «سنجل إسبريسو» قائلا بامتعاض: «ما أحب الماتشا، ما يعجبني هذا المشروب الخايس»، رمقته زوجته بحِدة، ودون أن تترك له الفرصة أمرت الجرسون باعتماد الماتشا، حينها لم يعقب الرجل وبقي صامتا، ربما يفكر كيف سيستسيغ المشروب الأخضر، الذي يُذكره «بشُحبة الفلج»، أيام الخَصب في قريته .
لفّ السكوت جلسة الزوجين طيلة فترة إحضار الطلبات، كان كل واحد منهما يُمسك بهاتفه النقال، يبدو أنهما كانا يتنقلان دون تركيز بين رسائل الواتس آب، ومنصات التواصل الاجتماعي .
بعد فراغهما من العشاء، أُحضر مشروب «الماتشا»، تُظهر الزوجة حماسًا واضحًا، وهي تضع القصبة في جوف الكوب، الذي أكسبه الثلج منظرًا لافتًا، فيما كان الزوج شارد الذهن، يُحرك بالقصبة كُريات الثلج، وهو يلهو بهاتفه.
كسر الرجل الصمت قائلًا دون مقدمات: «كانت فكرة تعليم البنتين في المدرسة الخاصة فكرة مجنونة وغير منطقية، من أين لنا توفير المصاريف الباهظة لهذه المدرسة، ونحن ما زلنا ندفع أقساط المنزل والسيارتين؟ كيف سنتصرف إذا ما صادَفنا أي ظرف طارئ، ونحن نعيش بسبب هذه الالتزامات ضمن الحد الأدنى؟.. أما بالنسبة للسفر هذا الصيف، فأرى أن نؤجله للعام القادم للأسباب نفسها .. ما رأيُكِ»؟
لم يعثر الرجل على أجوبة لأسئلته الحائرة، سُمع فقط صوت ارتشاف زوجته لما تبّقى من عصير «الماتشا»، الذي انسكبت قطرات منه على عباءتها الصفراء، فجأة وبنبرة حادة مرتفعة كشفت عن اختلافات كامنة: «نكدت علينا، كِنا جايين نغير جو ونستمتع، لكِنك مُصِر إنا ما نرتاح، قلت لك ألف مرة لا تفتح مثل هذي المواضيع وخلينا نسيانين». تناولت شنطة اليد بسرعة، استقلت الدرج الكهربائي، سبقته إلى السيارة.
أخذ «الرجل الأصفر» زفيرًا عميقًا، التفت حوله يمنة ويسرة، انسحب بخِفة لص، دفع فاتورة الحساب، انطلق يتبع امرأته الغاضبة، فجأة انفجرت ضحكات ناعمة من طاولة كانت تجلس عليها مجموعة صديقات، علا صوت امرأة «مصرقعة» منهن بسخرية واضحة: «ماتشي، ماتشي» .
يقول فيودور دوستويفسكي:
«علمتني التجربة الطويلة، أن المظهر يُضللُ، وأن الأفعى كثيرا ما تختبئ بين الأزهار» .
عُمر العبري كاتب عُماني
