«حان وقت القصة» .. مبادرة تُعيد الأطفال إلى عالم القراءة وتعزز التفاعل الأسري
في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها هيمنة الأجهزة الإلكترونية على اهتمامات الأطفال وتنامي الحاجة إلى مبادرات تُعيد للقراءة حضورها في الحياة اليومية، يبرز مشروع «حان وقت القصة» كإحدى التجارب التربوية الملهمة في ترسيخ ثقافة القراءة لدى النشء، وتنمية خيالهم، وغرس القيم والسلوكيات الإيجابية.
ويقدّم المشروع باقة من القصص العربية الهادفة والألعاب التعليمية التفاعلية، التي لا تقتصر على تنمية مهارات الطفل فحسب، بل تمتد لتُعزز التواصل الأسري، وتخلق مساحات نوعية من التفاعل بين الآباء والأبناء، بما يسهم في بناء أسرة أكثر وعيًا وتماسكًا.
في هذا الإطار، التقينا بصاحبة مشروع «حان وقت القصة» ميساء بنت علي بن محمد للحديث عن بدايات المشروع، وأهدافه، ورؤيتها لمدى نجاحه في ظل انشغال الأطفال بالأجهزة الإلكترونية، إلى جانب حجم الإقبال عليه وتفاعل الأسر معه.
فكرة المشروع
انطلقت فكرة مشروع «حان وقت القصة» من تجربة شخصية عايشتها ميساء بوصفها أمًا لثلاثة أطفال، إذ ارتبط شغفها بقصص الأطفال المصوّرة منذ الصغر، وكانت ترى في لحظات القراءة المشتركة مع أبنائها مساحة دافئة من التفاعل الأسري. ومن هذا المنطلق، تبلورت فكرة المشروع لتوفير قصص عربية للأطفال بجودة عالية، بعد ملاحظتها محدودية توفر هذا النوع من الإصدارات في أسواق مسقط، واقتصار حضوره بشكل ملحوظ خلال فترة معرض الكتاب السنوي.
أهداف المشروع
أوضحت ميساء أن تركيزها على القصص والألعاب التعليمية ينبع من شغفها الشخصي، إذ ترى أن القصة قادرة على اصطحاب الطفل في رحلة ثرية إلى عوالم مختلفة، وتقديم القيم والعبر بأسلوب غير مباشر وأكثر تأثيرًا من أساليب التوجيه المباشر. وتؤمن بأن التعلم عبر القصة يرسخ المفاهيم في ذهن الطفل بطريقة مشوقة تبقى في الذاكرة. وأضافت أن خبرتها كأم على مدى ستة عشر عامًا عززت قناعتها بدور القصص في تنمية شخصية الطفل، وإثراء حصيلته اللغوية، وتعزيز العلاقة بينه وبين والديه، فضلًا عن إيصال الرسائل التربوية بأسلوب جذاب. كما أشارت إلى أنها واجهت في السابق صعوبة في الحصول على قصص عربية ذات محتوى مميز وإخراج جاذب، الأمر الذي دفعها إلى توفيرها في السوق ليستفيد منها الأطفال، مؤكدة أن أكثر ما يسعدها هو رؤية طفل يقرأ أو يطلب الاستماع إلى قصة.
الإقبال على المشروع
وبيّنت أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، إلا أنها لاحظت إقبالًا أكبر على الألعاب التعليمية مقارنة بالقصص، وهو ما وصفته بالأمر المؤسف، نظرًا لأن الهدف الرئيس للمشروع يتمثل في ترسيخ حب القراءة لدى الطفل العربي، وبناء جيل شغوف بالعلم والمعرفة. وأرجعت ذلك إلى الحاجة لمزيد من الجهود التسويقية والتعريف بالمشروع للوصول إلى شريحة أوسع من المجتمع، لافتة إلى أن معظم زبائن المشروع من العمانيين، بحكم أن المحتوى المعروض باللغة العربية.
القراءة
وفيما يتعلق بضعف الإقبال على القراءة لدى بعض الأطفال، أوضحت ميساء أنها لا تُعدّ نفسها خبيرة في التربية، لكنها تؤمن بمقولة «العلم في الصغر كالنقش على الحجر»، مؤكدة أن ترسيخ عادة القراءة يتطلب صبرًا واستمرارية حتى تصبح جزءًا من الروتين اليومي للطفل. وتنصح باختيار قصص تتناسب مع ميول الأطفال واهتماماتهم، واصطحابهم إلى المكتبات والفعاليات الثقافية، وتخصيص وقت يومي للقراءة المشتركة، إلى جانب أهمية أن يكون الوالدان قدوة في حب القراءة وممارستها.
الترابط الأسري
وأشارت إلى أن القصص والألعاب التعليمية تمثل وسيلة فاعلة لتعزيز الترابط الأسري، إذ توفر لحظات نوعية تجمع الأهل بأبنائهم في أجواء تفاعلية ثرية، يتعلم خلالها الطفل مفردات جديدة ويعبّر عن أفكاره وتساؤلاته. كما أن تخصيص وقت للعب المشترك يضفي أجواء من المتعة ويقوي الروابط الأسرية رغم ضغوط الحياة اليومية. ولفتت إلى وجود فارق ملحوظ بين الطفل الذي يعتاد القراءة في سن مبكرة وغيره، حيث يتميز الأول بقدرة أعلى على التعبير اللغوي، وسرعة الفهم، ومرونة التفكير، والقدرة على ابتكار الأفكار والحلول، نتيجة تعرضه المستمر لخبرات ومواقف متنوعة عبر القصص.
الإقبال
وأشارت ميساء إلى أن الإقبال على المشروع لا يزال محدودًا في بعض الأحيان، مرجعة ذلك إلى اعتقاد بعض أولياء الأمور بأن أبناءهم لا يميلون إلى القراءة ويفضلون الشاشات والأجهزة الإلكترونية، مؤكدة في المقابل أن الحل يكمن في توفير الكتب داخل المنزل بشكل مستمر، بما يسهم تدريجيًا في جذب الأطفال نحو القراءة وتنمية اهتمامهم بها.
اختيار الكتب
وفيما يتعلق بآلية اختيار الكتب، أوضحت أنها تعتمد على مجموعة من المعايير، من أبرزها أهمية الموضوع بالنسبة للطفل، وجودة الإخراج والتصميم، وانتقاء اللغة بعناية، إلى جانب الحرص على اختيار إصدارات لكتّاب عرب تثق بمحتواهم، وتوفير بعض الكتب المترجمة إلى العربية التي لاقت إعجابها بلغتها الأصلية. كما شددت على أن مراعاة القيم الدينية والمجتمعية تمثل أولوية أساسية لديها عند انتقاء أي كتاب.
التحديات والتطلعات
وعن أبرز التحديات، بيّنت أن الوصول إلى الفئة المستهدفة والتسويق يمثلان التحدي الأكبر، إلى جانب صعوبات التواصل مع بعض الموردين، لافتة إلى أن شريحة من الجمهور تفضل الشراء عبر الإنترنت، في حين تفضّل هي شخصيًا تصفح الكتاب والاطلاع عليه قبل اقتنائه.
وفي ختام حديثها، أعربت عن تطلعها للوصول إلى شريحة أوسع من المهتمين بأدب الطفل في مسقط، وتحقيق إقبال أكبر على القصص، مع إمكانية التوسع مستقبلًا من خلال استئجار مساحة أكبر، وتنظيم ورش قراءة للأطفال وأنشطة تثقيفية تسهم في ترسيخ حب القراءة لديهم.
