عقل عُمان الإمبراطوري

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

يرفع جلالة السلطان يده فترد عُمان كلها عليه بالسلام من أقصاها إلى أقصها. ويبتسم وهو يلوح بيده الكريمة نحو امرأة جاءت على كرسي متحرك فتشعر عُمان كلها بالطمأنينة. ويرمي طفل الحلقة الأولى السيارة السلطانية بالورد المحمدي فتتشكل أمامه خرائط المستقبل. ويتزاحم المئات حول السيارة وقائدها يعبر وسط قرية صغيرة ما زالت تحتفظ برائحة التاريخ وحصونه؛ فتمتد سلاسل المجد منذ مالك بن فهم لتحيي في عبوره تراكم آلاف السنين من أمجاد عُمان وشموخها وحكمتها وعقلها.

غبط العمانيون شرقية عُمان أمس كما لم يغبطوها من قبل، رغم أنهم رأوا أنفسهم فيها، وشعروا أن تلك اليد إنما كانت تلوح لهم مهما باعدت بينهم المسافات. وشعروا أن تلك الابتسامة إنما تعني كل واحد منهم دون غيره، فكرست عُمان فرحها ورفعت سقف طمأنينتها إلى عنان السماء.

وكان المشهد في كل تفاصيله يختزل في عمقه حقيقة عُمان وكيميائها الداخلي. حقيقة الترابط، وحقيقة التلاحم، وحقيقة الأمن، وحقيقة القيادة، وحقيقة الشخصية العمانية المتواضعة التي تحمل نبل العرب مهما كانت فوق عرش مكين كعرش عُمان.

وتختزل معنى أن يكون السلطان في عُمان قائدا حقيقيا يطوي الأرض أمامه ليعيش التفاصيل اليومية معهم ويرى شرايين التنمية وهي تتمدد في كل مكان. كان جلالته، أعزه الله، حريصا على أن يقود سيارته بنفسه رغم طول المسافة في رحلة اليوم الواحد، وفي ذلك رمزية لم يغفلها العمانيون.

أما حجم الحفاوة وما صاحبها من فرح وبشارة لعُمان عامة ففيه رمزية أخرى من الشعب لقائده.. كان المشهد بمثابة تجديد عماني جمعي بالولاء للقائد الذي استطاع بحكمته وعقله السياسي أن يحافظ على عُمان في لحظات من أصعب لحظات تاريخ المنطقة. وأن يثبت للعالم أجمع أن عُمان ما زالت تعيش بعقلها الإمبراطوري مهما تغيرت خرائط المنطقة وموازين القوة فيها.

وكان في هذا بناء حضاري عميق للشخصية العمانية في لحظة مفصلية من لحظات التاريخ ويزيد في صلابتها صلابة وفي ثقتها ثقة وفي رسوخها رسوخ. فليس أصعب من أن تشعر بأمان حقيقي في لحظة يحترق فيها العالم من حولك. وليس أصعب من أن تستحضر خبرة التاريخ وحكمته في ذروة المأساة إن لم تكن تعيش تلك الخبرة والحكمة في سلوكك، وتختزلها في تراكم سياستك.

كان العمانيون يستحضرون كل هذا أمس، ويفرحون به في شخص جلالة السلطان المعظم. وكانوا يرون في سلطانهم قائدا جمع تاريخ عُمان وأمجادها بين يديه منذ الذكر الأول لها في صحائف التاريخ وشواهده ولغاية أبعد مدى يصله الضوء في رحلته نحو المستقبل.

كل فرحة عاشتها عُمان أمس، وكل وقفة وقفها سيد عُمان ليرد على تلك الأيادي التي كان تحييه بالسلام، وتفخر بمنجزاته، وما آل إليه من أمجاد عُمان الزاخرة هي إضافة إلى تاريخ هذه البلاد ولعقلها السياسي ونموذجها في القيادة.

حفظ الله عُمان وجلالة السلطان وهو يضيف لعُمان كل يوم مجدا إلى مجدها وشموخا إلى شموخها ويرفع عرشها إلى حيث يليق بكل تاريخها العظيم.

رئيس التحرير