No Image
عمان الثقافي

افتتاحية.. حين يكثر النشر ويغيب النقد

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

تتسع رفوف المكتبات العربية كل عام لعناوين جديدة: روايات، دواوين شعر، سير، وكتب هجينة بين التأمل واليوميات، وأعمال تُقدَّم بوصفها إضافات إلى المشهد الأدبي. وقبيل معارض الكتب السنوية يتزاحم كثيرون على دور النشر لتجد إصداراتهم مكانا ضمن فهارس الكتب الجديدة. يبدو المشهد، من الخارج، حيويا ومطمئنا؛ كأن حركة النشر تسير في طريق صحيح. غير أن هذا الكم الكبير من الإصدارات لا يجد دائما من يقرأه قراءة جادة، ويضعه، معرفيا، في موضعه الصحيح.

لا تكمن المشكلة في كثرة النشر؛ فالوفرة، في ذاتها، علامة حياة. غير أن الحياة الأدبية لا تُقاس بعدد العناوين وحده؛ فالكتب تحتاج إلى عين نقدية تميز بين التجربة العابرة والتجربة القابلة للبقاء، وبين اللغة التي تلامس أفقا جديدا واللغة التي تعيد إنتاج مألوفها في هيئة براقة. ومن دون هذه العين، يتكدس الأدب كأرشيف مفتوح، يصعب فيه الفرز، وتختلط فيه البدايات الواعدة بالمنجزات المدعاة.

ما يصل إلى القارئ في كثير من الصحف والملاحق أقرب إلى انطباعات سريعة منه إلى نقد أدبي. عرض للكتاب، وتلخيص لحكايته، وفي أحيان كثيرة مجاملة لصاحبه، أو لغة احتفائية تتجنب الأسئلة الصعبة. هذا النوع من الكتابة قد يرافق الإصدار، لكنه لا يختبره نقديا ولا يدخل إلى بنيته العميقة.

في هذا الفراغ، تتكرس تجارب كثيرة كأنها جزء من تراكم طبيعي في مسار الإبداع. تصعد أسماء بلا مراجعة كافية، وتغيب تجارب مهمة لأن أحدا لم يمنحها قراءة عميقة. ويتشكل الذوق العام عبر الصدفة والعلاقات والانتشار العابر، أكثر مما يتشكل عبر الحوار النقدي المسؤول. وهكذا يخسر الكاتب خصمه الضروري، ويخسر القارئ دليله، وتخسر الثقافة ذاكرتها الدقيقة.

حتى بعض النقاد الذين كانوا قادرين على بناء هذا التراكم آثروا الانكفاء إلى العزلة أو الاكتفاء بلمعات قصيرة على وسائل التواصل. للتغريدة جاذبيتها وسرعتها، لكنها لا تبني أطروحة، ولا تقيم حوارا طويلا مع نص. النقد الحقيقي يحتاج إلى مساحة، وزمن، ومسؤولية لغوية ومعرفية.

يحتاج الأدب العربي إلى قراءة عادلة وشجاعة. قراءة تحب الأدب بما يكفي كي تسائله، وتنصف الكاتب بما يكفي كي لا تجامله، وتحترم القارئ بما يكفي كي لا تتركه وحيدا أمام فيض لا يعرف كيف يميز داخله ما يستحق البقاء. ومن دون هذه المساءلة سيظل الإبداع العربي مهددا بأن يكثر إنتاجه، من غير أن يبني التراكم النقدي والمعرفي الذي يمنحه مكانه في الزمن.