الاتصال من أجل التنمية في محيط تنافسي

25 أبريل 2026
25 أبريل 2026

يأتي هذا الحراك نتيجة التداعيات الاستراتيجية للحرب على إيران، ولكن في الآهذه اللحظة مهمة أيضًا؛ لعدم الارتكان والتحوط تحت وطأة التداعيات، وإنما اقتناص الفرص المتاحة، وتسريع البحث عن الشراكات الاقتصادية الواعدة، وتوسيع الوعاء الاستثماري، وهذا بدوره يعني تحييد للمخاطر المحتملة من اعتمادية الاقتصاد في سلطنة عُمان

قد يكون العنوان الأبرز خلال الأسبوع المنصرم في سلطنة عُمان هو الحراك الموسع للدبلوماسية الاقتصادية؛ سواء الذي تم مع جمهورية بوتسوانا من خلال توقيع اتفاقيات في مجالات استكشاف المعادن، وتطوير وتشغيل مرافق المنتجات النفطية، وتطوير محطات للطاقة المتجددة، أو ما تم لاحقًا من مباشرة وضع حجر الأساس لبعض مشروعات هذه الاتفاقيات.

حراك يجسد الالتزام الراسخ بتحويل مخرجات العمل الدبلوماسي إلى منافع اقتصادية تسهم في تعزيز التبادلات التجارية، وتعظم العوائد الاستثمارية للأذرع الاستثمارية المختلفة، وتنعكس بطريقة أو بأخرى على معدلات النمو الاقتصادي إلى جانب كونها توسع نطاق الشراكات الاستراتيجية التي هي في فهمنا لها تجاوز المفهوم الدبلوماسي (السياسي) المجرد للعلاقات إلى الدخول في مشاريع اقتصادية واستثمارية تمكن حضور كل بلد في الآخر، وترسخ أهدافًا مشتركة للعمل؛ وبالتالي ترسي إطارًا أفضل للتفاهمات والمواقف بين البلدين.

وقد امتد هذا الحراك ليشمل لاحقًا توقيع جهاز الاستثمار العُماني وصندوق الثروة السيادية الكازاخستاني (سامروك خزينة) اتفاقية تمهيدية لتأسيس شراكة إستراتيجية بين سلطنة عُمان وجمهورية كازاخستان، وذلك في سياق زيارة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية إلى كازاخستان، والتي أيضًا كانت ترتكز في أبعاد عديدة منها على الشق الاستثماري وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية.

هناك رسائل تحت موضوع (الاتصال التنموي) نريد أن نسجلها من خلال مجمل هذا الحراك، وهي رسائل تُحسب للقيمين عليه، ويمكن أن نوجزها في الآتي:

أولًا: يأتي هذا الحراك في سياق وضع إقليمي وعالمي مضطرب، وخاصة في المنطقة نتيجة التداعيات الاستراتيجية للحرب على إيران، ولكن في الآن ذاته يؤكد صانع القرار التنموي في سلطنة عُمان أن هذه اللحظة مهمة أيضًا لعدم الارتكان والتحوط تحت وطأة التداعيات، وإنما اقتناص الفرص المتاحة، وتسريع البحث عن الشراكات الاقتصادية الواعدة، وتوسيع الوعاء الاستثماري، وهذا بدوره يعني تحييد للمخاطر المحتملة من اعتمادية الاقتصاد في سلطنة عُمان على قطاعات بعينها، أو على شركاء استراتيجيين (محدودين وتقليديين).

هذه الشبكة الواسعة من الشراكات الاستراتيجية، والقطاعات المتنوعة المستهدفة بالاستثمار فيها، أو بجلب الاستثمار إليها ستشكل على المدى البعيد متانة وصمودا أقوى بالنسبة للاقتصاد في عُمان.

ثانيًا: الاتجاه نحو القارة الأفريقية وتوسيع الحضور فيها - بما في ذلك إنشاء البنك الأفريقي العُماني في أنغولا - يعكس الآليات التي تتحرك فيها رؤية سلطنة عُمان بالأخذ في الاعتبار محركات النمو المتوقعة في القارة من ناحية، وتجربة وذاكرة الحضور العُماني تاريخيًا فيها عبر آليات التبادل التجاري والاقتصادي عمومًا. تشير التقديرات إلى أن إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في القارة الأفريقية سيرتفع من قرابة 1.4 تريليون دولار في 2015 إلى ما يتجاوز 2.5 تريليون بحلول 2030 مع ترجيحات تتوقع اقترابه من نحو 4 تريليونات دولار في منتصف القرن. يأتي ذلك مدفوعًا بالنمو السكاني؛ حيث يتوقع أن يرتفع عدد السكان من نحو 1.5 مليار إلى 2.5 مليار بحلول 2050. هذا النمو تقوده بشكل أساس قاعدة شابة تتجاوز 60% دون سن الخامسة والعشرين، ما يعزز الطلب الكامن طويل الأجل.

كما تشير التوقعات إلى أن ثلثي الأسر في القارة ستنتقل إلى شريحة الإنفاق التقديري مما يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك نحو سلع وخدمات أعلى قيمة.

إذن ثمة سمتان اقتصاديتان ستترسخان في مجتمع القارة في العقدين القادمين - بأبعد تقدير -، وهما ظاهرة الاستهلاك الأعلى مدى الحياة (Lifetime consumption) بالإضافة إلى تسارع الطلب على التكنولوجيا والخدمات. هذه أبعاد مهمة في فكرة «الاتصال التنموي»؛ فالحضور لا يكون فقط في جسد اقتصاد ينمو، لكنه حضور أيضًا في ذهنية ومنتجات وخدمات وصور يستهلكها مجتمع يتوسع، ويمضي نحو الريادة في مجالات عالمية مختلفة.

ثالثًا: وهو الأهم في فكرة الاتصال التنموي، وهو جعل الوقائع على الأرض تخلق اتجاه الاتصال ونمطه.

أبرز ما لاحظه المتتبع المحلي في هذا الحراك هو سرعة الانتقال من (توقيع التفاهمات) إلى (بدء الإنجاز). هذا مهم جدًا ومؤثر في ذاكرة المجتمعات؛ إذ شهد العقد الأخير في المنطقة، وخصوصًا مع زخم الرؤى التنموي، حالة حادة من التنافس في وتيرة الاتصال التنموي من خلال خلق ما يُعرف بـ «الذاكرة المسبقة»: فيديوهات وتصورات تجسيدية ونماذج لمشروعات عملاقة وموعودة تركز على الجوانب البصرية بشكل أساس، وتعمل على خلق حالة الزخم الشعبي دون أن تتجسد بعد على الواقع. ورغم أهمية هذا الاتجاه في مخاطبة اتجاهات (جيلٍ بصري) بامتياز إلا أن ذلك قد يخلق وضعًا عكسيًا لاحقًا في حالة وجود تحديات، أو تقليص لأحجام ومكونات تلك المشاريع أو تغيير لمساراتها أو حتى مدى أولويتها.

وما يلفت في الأنموذج العُماني وتحديدًا ما يقوده جهاز الاستثمار العُماني من حراك هو الاشتغال على الصورة المتحققة (الفعل المنجز)، والتدرج معه وصولًا للانجاز النهائي. وهذا ينسحب أيضًا على نسق اتصال التنمية في الدولة عمومًا في السنوات الأخيرة – وفي ذلك شواهد كثيرة في تقديرنا الانتباه لهذا المحدد مهم جدًا في ظل مخاطبة مجتمع عالمي، وقدرة استحضار عالية لذاكرة المخططات والوعود، وتتبع تفصيلي لمسارات الأمور.

فالأهم برأينا أن يكون الاتصال حول المنجز والمتحقق باتزان، ولغة موضوعية وملموسة في الآن ذاته تخلق القناعة والدعم المجتمعي اللازم، وتحقق وظيفة الاتصال التنموي الفاعلة في الجانب الآخر.

في العموم فإن ما يحدث من حراك تقوده الدبلوماسية الاقتصادية لهو مفخرة، والرسائل المتزنة التي تصحبه، والتوقيت الجيد لاختيار تلك الرسائل هو تطور يبنى عليه، ويشاد به.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان