جيوسياسة الحرب العالمية الثالثة

25 أبريل 2026
25 أبريل 2026

يطرح كثير من المحللين اليوم افتراضا مفاده أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل، وأننا نعيش مرحلتها الأولى. سنعرف في وقت قريب ما إذا كان هذا صحيحا أم لا، لكن لنسلّم الآن بصحة هذه الفرضية، ولنحاول أن نلقي نظرة على ملامحها الجيوسياسية.

تكمن دلالة الحرب العالمية الثالثة في تغيير جذري للبنية الكاملة للسياسة العالمية. فالمؤسسات الدولية القائمة اليوم لم تعد منذ زمن طويل تعبّر عن الوضع الفعلي للأمور. لا تزال هذه المؤسسات منظمة وفق منطق النظام الوستفالي والعالم ثنائي القطب. يقوم النموذج الوستفالي على الاعتراف بسيادة جميع الدول المعترف بها دوليا. وقد بُنيت الأمم المتحدة على الأساس نفسه.

غير أن مبدأ السيادة، في الممارسة العملية خلال المائة عام الأخيرة، تحوّل إلى نفاق خالص. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، تشكّل في أوروبا نظام لم تكن السيادة فيه إلا لثلاث قوى، وكلها قوى ذات طبيعة أيديولوجية صارمة:

الغرب البرجوازي الرأسمالي: بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، وغيرها.

الاتحاد السوفييتي الشيوعي.

دول المحور ذات الأيديولوجيا الفاشية.

واستمر هذا الوضع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مع اختفاء أحد الأقطاب الأيديولوجية فقط، وهو القطب الفاشي. أما القطبان الآخران، الرأسمالي والاشتراكي، فقد ازدادا قوة واتساعا. ومرة أخرى، لم تكن أي دولة وطنية، بحد ذاتها، ذات سيادة حقيقية. كانت بعض الدول تُدار من موسكو، وبعضها الآخر من واشنطن. أما حركة عدم الانحياز فكانت تتأرجح بين القطبين.

أدى التفكك الذاتي لحلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفييتي إلى إنهاء الثنائية القطبية. ومنذ تلك اللحظة، وجدت الولايات المتحدة نفسها وحدها في موقع حامل السيادة. أما الأمم المتحدة والنموذج الوستفالي فقد تحوّلا إلى ورقة توت تغطي الهيمنة العالمية. هكذا ظهر العالم أحادي القطب.

وقد اتضح منذ تسعينيات القرن الماضي أن القانون الدولي يحتاج إلى مراجعة، إما لمصلحة حكومة عالمية، وفق الصيغة الليبرالية لـ«نهاية التاريخ» عند فرنسيس فوكوياما، وإما لمصلحة هيمنة غربية مباشرة، كما أراد المحافظون الجدد الأمريكيون. سارت الدول الأوروبية في سيناريو الحكومة العالمية، وتخلّت، في مرحلة تمهيدية لها، عن سيادتها لصالح الاتحاد الأوروبي. أما بقية العالم فكان يُدعى، بطريقة غير مباشرة، إلى الاستعداد للمسار نفسه.

لكن في مطلع الألفية ظهرت نزعة جديدة: إرادة إحياء السيادة في روسيا والصين. كانت موسكو وبكين تعملان على تحويل السيادة من وهم إلى حقيقة. وهكذا أعلنت التعددية القطبية عن نفسها. ومنذ تلك اللحظة، طُرح أن تصبح الدول-الحضارات هي حاملة السيادة: الدول التي تبلورت بالفعل، مثل روسيا والصين والهند، وتلك التي ما تزال في طور الإمكان، مثل العالم الإسلامي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وهذه هي القوى التي تشكّلت في إطار «بريكس».

ونتيجة لذلك، دخل المشروع الأحادي القطب في صدام مع المشروع المتعدد الأقطاب. وقد وقف ضد التعددية القطبية كلٌّ من العولميين والمحافظين الجدد. كانت إمكانات الصراع قائمة بوضوح، فيما توقفت المعايير والقواعد القديمة، الموروثة من عصور جيوسياسية سابقة، عن العمل.

لا يهم كثيرا ما إذا كانت الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل أم لم تبدأ بعد؛ فمضمونها الجيوسياسي واضح: إنها حرب بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية من أجل بنية عالمية جديدة، ومن أجل توزيع مراكز القرار السيادي في العالم: إما أن تظل محصورة في الغرب، وإما أن تنتقل إلى الدول-الحضارات الصاعدة.

جاء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية عام 2024 حاملا أجندة أعطت مبررات للاعتقاد بأنه سيقبل بالتعددية القطبية: التخلي عن التدخلات، نقد العولميين، الصدام المباشر مع الليبراليين، الهجمات الحادة على المحافظين الجدد، التركيز على المشكلات الداخلية للولايات المتحدة، والدعوة إلى العودة إلى القيم التقليدية. كل ذلك أتاح الاعتقاد بأن ترامب وإدارته سيقفان إلى جانب التعددية القطبية، مع السعي إلى ضمان أفضل موقع ممكن للولايات المتحدة داخل هذا البناء الجديد.

غير أن الإدارة الأمريكية سرعان ما بدأت تقترب من المحافظين الجدد وتبتعد عن موقفها الأصلي. ثم تلا ذلك دعم الإبادة الجماعية في غزة، ومواصلة تزويد كييف بالمعلومات الاستخباراتية، واعتقال مادورو، والتحضير لغزو كوبا، وأخيرا الحرب على إيران، مع قتل القيادة السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد انتقلت واشنطن الآن بالكامل إلى مواقع المحافظين الجدد، وصارت تتصرف كما لو أنها الجهة الوحيدة في العالم التي تمتلك سيادة حقيقية. ومن دون أي إحالة إلى القواعد أو القانون الدولي، تعلن سلطتها المنفردة على العالم كله. وتحاول أن تثبت ذلك بالفعل: بالحروب، والغزوات، واختطاف رؤساء الدول، وتنظيم عمليات تغيير الأنظمة.

بدأت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثالثة في سياق الحفاظ على نموذج النظام العالمي أحادي القطب، وتعزيزه، بل تثبيته بصورة نهائية. أما بقية العالم فمعروض عليه أن يكون إما تابعا مطيعا، وإما عدوا. ومع هؤلاء الخصوم للعالم أحادي القطب تخوض واشنطن حربها العالمية الثالثة. الرهان المطروح هو السيادة. ولا توجد حتى الآن قوة واحدة قادرة على مواجهة الولايات المتحدة بصورة متناظرة، ولذلك تنشر واشنطن أعمالها العسكرية على عدة جبهات في وقت واحد.

تمثّل أوكرانيا الجبهة الأولى في حرب العالم الأحادي القطب ضد العالم المتعدد الأقطاب. وقد حرّض المحافظون الجدد على هذه الحرب منذ عهد أوباما، وكان العولميون هم الأكثر انخراطا فيها، إذ رأوا في روسيا حاجزا جيوسياسيا أمام إقامة حكومة عالمية، وتهديدا أيديولوجيا كذلك. ورث ترامب هذه الحرب، وهو غير متحمس لها كثيرا؛ فروسيا قوة نووية ذات أيديولوجيا محافظة، ولا يحمل الرئيس الأمريكي ضدها موقفا خاصا. غير أن موسكو لا تبدو مستعدة للاعتراف بتبعيتها لواشنطن، وتصر على السيادة والتعددية القطبية، وهذا ما لا ينسجم مع الهيمنة الأحادية القطب. وعلى أي حال، لا تزال واشنطن لا تمتنع عن دعم نظام كييف، وإن كانت تنقل المبادرة إلى الدول الأوروبية في حلف الناتو، تلك التي ترى في هذا الصراع طابعا مبدئيا وأيديولوجيا. تحتفظ هذه الجبهة بأهميتها، وكلما دافعت موسكو عن سيادتها، صار سلوك واشنطن تجاه روسيا أكثر صرامة.

أما الجبهة الثانية للولايات المتحدة فهي نصف الكرة الغربي: اختطاف مادورو وفرض السيطرة على فنزويلا، والتحضير لغزو كوبا، والتحركات ضد الكارتلات في المكسيك وكولومبيا والإكوادور وغيرها. في الجوهر، هذه حرب ضد أمريكا اللاتينية كلها، إذا حاولت أي دولة فيها، ولو بقدر محدود، مقاومة الإملاءات المباشرة للولايات المتحدة.

والجبهة الثالثة، التي تمر الآن بمرحلتها الأشد سخونة، هي الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، الذي أشعل الشرق الأوسط بأسره. ويندرج في السياق نفسه استمرار العمليات العسكرية لتل أبيب في غزة ولبنان واليمن، وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بكاملها.

في الجوهر، يخوض الغرب في هذه اللحظة حربا متزامنة ضد ثلاثة أقطاب من العالم المتعدد الأقطاب: روسيا، والعالم الإسلامي، وأمريكا اللاتينية. أما فتح الجبهة الرابعة، في المحيط الهادي، فهو مطروح على جدول الأعمال. فالصراع مع الصين حتمي وفق المنطق العالمي للتحولات الجارية في السياسة الدولية.

أما الهند، وهي دولة-حضارة أخرى، فما تزال تقف موقفا متذبذبا، وبسبب تناقضاتها مع الصين وباكستان تميل إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن الهند، بما تمتلكه من إمكانات، بالكاد تصلح لدور التابع الصامت، لا سيما أن التعددية القطبية هي المسار الرسمي لحكومتها.

وهكذا، تكون خريطة جيوسياسة الحرب العالمية الثالثة قد رُسمت في خطوطها الأولى. يمثّل معسكر العالم الأحادي القطب الولايات المتحدة، والغرب عموما، وتوابعهما، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية في الشرق الأقصى. يخوض هذا المعسكر الحرب دفاعا عن سيناريوهين لا يتطابقان تماما: العولمة، كما يمثلها الاتحاد الأوروبي والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، والهيمنة الأمريكية المباشرة، كما يمثلها المحافظون الجدد. وداخل هذا التشكيل، يمتلك نتنياهو خططه الذاتية لبناء إسرائيل الكبرى، وهي خطط يصعب أن تنسجم مع العولمة الليبرالية، لكنها تحظى بدعم كامل من البيت الأبيض، والمحافظين الجدد، والصهاينة المسيحيين. ومع ذلك، فإن هذا الائتلاف، في مواجهة العالم المتعدد الأقطاب، متضامن نسبيا في مجمله. ومع ارتفاع مستوى التصعيد، سيضطر إلى العمل بدرجة أكبر من التماسك، مؤجلا تناقضاته الداخلية إلى وقت لاحق.

أما معسكر العالم المتعدد الأقطاب فهو أكثر تشتتا بكثير. تمثل روسيا والصين مركزيه الرئيسيين. روسيا تخوض حربها بالفعل في أوكرانيا، أما الصين فما تزال تتجنب المواجهة المباشرة. العالم الإسلامي منقسم، وجزء من الدول الإسلامية واقع تحت السيطرة الكاملة للولايات المتحدة. إيران والعالم الشيعي عموما هما الأكثر راديكالية في الموقف، ويقفان في طليعة المواجهة مع الغرب، لكن الإيرانيين أنفسهم لا يدركون تماما أن الجبهات الأخرى لهذه الحرب، وخصوصا أوكرانيا، تمسهم بصورة مباشرة. أما قيادة كوريا الشمالية فتفهم الصورة الجيوسياسية العامة بوضوح كامل، وهي الأكثر صراحة في دعم روسيا في مواجهة الغرب على الجبهة الأوكرانية. أمريكا اللاتينية منقسمة أيضا. حكومة لولا في البرازيل تميل إلى التعددية القطبية، بينما يدعم نظام ميلي في الأرجنتين، على العكس، المحور الأمريكي-الإسرائيلي. وفي أفريقيا، تدرك دول رابطة الساحل، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التعددية القطبية بأقصى درجات الوضوح. وتقترب من هذا الموقف جنوب أفريقيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وإثيوبيا، وبعض الدول الأخرى. غير أن موقفا موحدا لا يوجد لديها أيضا. أما الهند فتتبنى موقفا محايدا؛ فهي، من جهة، جزء من كتلة الدول المتعددة الأقطاب، ومن جهة أخرى، ترتبط بعلاقات تحالف وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

في المجمل، تبدو القوى الأحادية القطب، رغم تناقضاتها الداخلية، أكثر تماسكا، وأكثر وعيا بمن تقاتل، ومن أجل أي مصالح وقيم تخوض معركتها. فالاختلاف في الأولويات، وحتى في التصورات الخاصة بالنموذج النهائي المنشود للنظام العالمي بين الغرب والولايات المتحدة، لا يشكل عائقا أمام تنفيذ استراتيجية موحدة، ولا أمام التعاون الوثيق في مجال أجهزة الاستخبارات، وتبادل التقنيات العسكرية، وغير ذلك.

أما المعسكر المتعدد الأقطاب، فهو أكثر تفرقا بكثير. وحتى الدول التي تتعرض لهجوم مباشر من الغرب الأحادي القطب لا تبادر إلى دمج قدراتها، ولا تنخرط صراحة في دعم بعضها بعضا.

ألكسندر دوجين مفكر وفيلسوف سياسي روسي، يُعدّ من أبرز منظّري التيار الأوراسي المعاصر والداعين إلى عالم متعدد الأقطاب في مواجهة الهيمنة الغربية. ارتبط اسمه بكتابات في الجيوبوليتيكا ونقد الليبرالية الغربية، ومن أبرز أعماله كتاب «أسس الجيوبوليتيكا» وكتاب «النظرية السياسية الرابعة».