جائزة اليونسكو ـ السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي

25 أبريل 2026
25 أبريل 2026

تنص اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي على أن أهمية هذا التراث تكمن في أنه «بوتقة للتنوُّع الثقافي وعامل يضمن التنمية المستدامة»؛ إذ أسهم منذ القدم في دعم أنماط الحياة اليومية للمجتمعات، وشهد تطورًا عبر الأجيال بما يخدم توجهاتها وطرائق معيشتها، فنجده جزءًا أساسيًا من الممارسات الاجتماعية وسبل التغذية، ونظم السلام والأمن من ناحية، وممثلا للمحتوى الاقتصادي والثقافي والاستدامة البيئية من ناحية ثانية.

إن التراث الثقافي غير المادي اليوم يُعد من بين أهم الموارد الثقافية ذات العمق الاجتماعي؛ فهو يكشف قدرة الأمم على إبداع طرائق عيش تتناسب مع معطيات حياة المجتمعات، وأولوياتها الوطنية، وإمكاناتها البشرية. ولعل اهتمام العالم اليوم بمجالات التراث الثقافي غير المادي المختلفة، والحرص على صونها والاستفادة منها مؤشر مهم على تلك الأهمية الاجتماعية وعلاقته بالهُويات الوطنية وتنوُّعها الثقافي الذي يعكس حضارتها ومراحل تطورها عبر تاريخها الإنساني.

لذا فإن هذا التراث يُنظر إليه بوصفه تاريخا ثقافيا للأمم. وهذا التاريخ لا يقدِّم الأمجاد والانتصارات بقدر ما يكشف قدرة تلك الأمم على البناء الحضاري عبر أنماط العادات والتقاليد والمعتقدات والفنون والآداب والتاريخ الإنساني، وأنماط الحياة وسبل العيش وغيرها الكثير من تلك الأنماط التي تقدِّم الإنسان باعتباره باني الأمم ومبدع الحضارات، ومبتكر التطوير المستمر الذي يسعى إلى خدمة مجتمعه وقيمه باتخاذ أفضل الممارسات الثقافية التي تحميه وتحمي مكتسباته.

ولأن سلطنة عُمان واحدة من تلك الدول التي اعتنت بالتراث الثقافي عموما، وبالتراث الثقافي غير المادي بشكل خاص؛ فإنها قدمت في سبيل صونه وحمايته العديد من المشروعات والمبادرات التي عملت على جمعه ميدانيا، وتدوينه ليكون مادة خصبة للدارسين والباحثين في كافة المجالات البحثية إضافة إلى تلك الأدوار الرائدة في التوعية بأهميته على المستوى المجتمعي وتقديمه من خلال الكثير من الفعاليات والأنشطة والمهرجانات المختلفة ناهيك بالدور الريادي الذي تتولاه في سبيل تسجيل مفردات التراث الثقافي العماني غير المادي في قوائم اليونسكو سواء في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، أو قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو سجل أفضل ممارسات الصون.

إن هذا الدور الذي تضطلع به عُمان على المستوى الوطني ينعكس اليوم على المستوى العالمي في تأسيس «جائزة اليونسكو-السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي»؛ فهذه الجائزة في رمزية تسميتها باسم قائد البلاد السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - ، وأهدافها التي تنطلق من عُمان إلى العالم -توعية وحماية للتراث الثقافي غير المادي- لا تعبِّر عن هذا الاهتمام الريادي وحسب، بل تشكِّل جوهر الفكر العماني الذي ينطلق من الحضارة العمانية الضاربة في القِدم، وفكر التوازن الذي تأسَّست عليه هذه الحضارة التي ترتبط بماضيها العريق، وتتطَّلع إلى مستقبلها المنفتح نحو آفاق الحداثة.

لقد كشفت هذه الجائزة الإمكانات التي تقدمها عُمان في مفهوم صون التراث الثقافي غير المادي؛ فهذا الصون حسب ما نصت عليه اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي يمثِّل الإجراءات والتدابير التي تهدف إلى «تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه، والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله، لا سيما عن طريق التعليم النظامي وغير النظامي، وإحياء مختلف جوانب هذا التراث»؛ لذا فإن هذا الصون يقدِّم أنماط الحماية بكافة أشكالها من حيث تحديد أنواعه ومفرداته، وتوثيقه، وإجراء البحوث والدراسات، وإدراجه في التعليم، وحماية الأصول والموثوقية، وإدارة مخاطره، والانتفاع به في المجالات التنموية المختلفة.

إضافة إلى ذلك فإن أهداف الجائزة تنطلق من فكر (التوعية) الذي يعزِّز أهمية التراث الثقافي غير المادي، ويقدمه باعتباره أساسا ثقافيا واجتماعيا، ويكشف حضارة الدول على مستوى العالم بما توفِّره من بيئة خصبة لدعم مجالات هذا التراث وآفاق صونه على مستوى المؤسسات المجتمعية؛ وبالتالي تقدِّم مجالا واسعا للإبداع والابتكار في الممارسات والمفاهيم والقيم التي يعبِّر عنها التراث الثقافي غير المادي في دول العالم، وربطه بتطلعات المجتمعات وآفاق رؤاها المستقبلية.

إن «جائزة اليونسكو-السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي» توفر عبر إمكاناتها مجالا واسعا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ لما يقدمه التراث الثقافي غير المادي من آفاق رحبة لتحقيق الأهداف التنموية المرتبطة بالإنسان والأرض واستدامة المدن، والأنماط المعرفية والتنوُّع الثقافي والبيولوجي، والتنمية الاقتصادية التي ترتبط بأنماط الصناعات والإنتاج وسوق العمل، بل استدامة الكثير من أنماط سبل العيش للكثير من المهارات والمعارف المرتبطة بالمجتمعات المحلية إضافة إلى ارتباطه بالسياحة ومجالات الحقوق الإنسانية وأنظمة السلام والأمن وغير ذلك.

فالتراث الثقافي غير المادي يقدم نفسه باعتباره القوة التنموية للمجتمعات في ارتباطه بمجالات التنمية المستدامة وإمكانات التميُّز الذي يعبِّر عن هُوياتها الوطنية في ظل الكثير من المتغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية؛ لذا فإن الجائزة في إطلاقها الآن تكشف وعي سلطنة عُمان بأهمية الحفاظ على تلك القوة التنموية وصونها في زمن أصبحت مجالات ذلك التراث مهددة إما بسبب الانفتاح التقني المتسارع وبرامج الذكاء الاصطناعي المتعاظمة، وإما بسبب الحروب والاضطرابات السياسية المختلفة، وإما بسبب الفجوة الحضارية بين الأجيال أو فقدان المجتمعات للرواة الأساسيين والممارسين المحترفين للكثير من أنماط التراث الثقافي غير المادي.

لذلك فإن هذه الجائزة تأخذ على عاتقها دعم المجتمعات في العالم لتتمكَّن من حماية تراثها الثقافي غير المادي وصونه، وتقديم أفضل الممارسات في ذلك؛ بغية المساهمة في نشر الوعي بأهمية الفكر الإنساني وأنماط حضوره في حياة الأفراد، وأشكال التعبير عنه وفق أولوياتها وتطلعاتها. إن الجائزة بذلك توفِّر مجالا واسعا ودعما سخيَّا للمجتمعات في العالم بشكل عام، وللمجتمع العماني بشكل خاص، للتوعية بأهمية التراث الثقافي غير المادي، والسعي من أجل صون هذا التراث وفق مجموعة من الممارسات والأنماط والأنشطة التي تعبِّر عن آفاق السلام التي تجمع الأمم والتعاون والتشارك من أجل تعزيز وتعظيم الفكر الإنساني والتاريخ المشترك الذي يجمع الأمم.

إن عُمان عبر هذه الجائزة تعبِّر عن عمق وعيها الفكري والمعرفي، وحضارتها، وثقافتها التي تمثِّل تاريخها ومبادئها المتوازنة بين (الأصالة، والمعاصرة) بين الحفاظ على أُصول الماضي، والانفتاح على العالم بآفاقه وحداثته وإمكاناته المستقبلية، لتتمكَّن من المحافظة على هُويتها الوطنية في عالم متغيِّر يحتاج إلى نشر الوعي بأهمية التراث الثقافي، ودوره في تعزيز السلام والتعايش.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.