No Image
العرب والعالم

تقرير: غزة في شباك "الاحتلال الدائم".. كيف تحولت الهدنة إلى غطاء للتقسيم العسكري؟

25 أبريل 2026
25 أبريل 2026

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:

لم يكن شهر أكتوبر 2025 مجرد محطة زمنية لوقف إطلاق النار برعاية «مجلس السلام»؛ بل كان، في نظر الغزيين، فجرًا كاذبًا وعد بـ 50 مليار دولار لإعادة الإعمار وانسحاب إسرائيلي تدريجي. لكن اليوم، وبينما يرقب السكان أفق مدينتهم المذبوحة، لا يلمحون آلات البناء ولا تعبيد طرق الأمل، بل يراقبون بصمتٍ بائس توسعًا جذريًا نحو احتلال دائم.

لقد تحول القطاع، الذي كان ينتظر تدفق المساعدات، إلى ساحة لتعزيز القواعد العسكرية الإسرائيلية بـ 13 موقعًا جديدًا استُحدثت بعد الهدنة، ليصل الإجمالي إلى 48 قاعدة مرتبطة بشبكة أمنية معقدة من الطرق والأبراج. هذا التوسع ليس مجرد إجراء دفاعي، بل هو استراتيجية التفاف ذكية حوّلت غزة إلى كتل سكانية محاصرة تشبه «البانتوستانات»، لترسم مستقبلًا سياسيًا يلفه الظلام.

الهدنة كغطاء.. الالتفاف خلف السواترجاء وقف إطلاق النار بعد 18 شهرًا من نزيف الدماء، محمولًا على أكتاف تعهدات دولية بالانسحاب. لكن على الأرض، استُبدلت بنود الاتفاق بخنادق سحيقة وسواتر ترابية شاهقة. يحلل إياد جودة، المحلل السياسي من غزة، هذا المشهد لـ«عُمان» قائلًا: «إن ما جرى لم يكن تهدئة بالمعنى الحرفي، بل كان غطاءً مثاليًا لتعزيز السيطرة الميدانية وتثبيت الوقائع قبل أي استحقاق للانسحاب. لقد استغلت إسرائيل طاولة المفاوضات لتشتيت الأنظار عن جرافاتها التي كانت تنهش أحشاء غزة لبناء منظومة أمنية غير مسبوقة».

ويضيف جودة لـ«عُمان» «الخطورة تكمن في أن هذه التحصينات تُبنى لتستمر؛ فالأبراج المزودة بأجهزة استشعار والطرق المعبدة بعناية داخل المناطق العازلة تعكس نية البقاء الدائم. إسرائيل التقطت اللحظة التاريخية بعد أكتوبر لبناء واقع يمنع فيزيائيًا أي عودة للوضع السابق، محاصرةً المدن الكبرى كأنها قوافل مسوّرة في صحراء عسكرية».

شهادة «شايل بن أفرايم».. الدليل من فم المحتل

لم تأتِ الصدمة من المصادر المحلية فحسب؛ بل قدم الخبير العسكري الإسرائيلي شايل بن أفرايم، في تحليلٍ مفصل عبر قناة «i24NEWS» ومنصات إسرائيلية في 20 أبريل 2026، صورة مخيفة لما يحدث بعيدًا عن أعين الكاميرات. يقول بن أفرايم: «لا يوجد إعادة إعمار في غزة رغم كل وعود مجلس السلام. الواقع يقول إن إسرائيل تُسابق الزمن لبناء قواعدها العسكرية في جميع الأنحاء، مما ينذر باحتلال طويل الأمد».

ويستفيض بن أفرايم في تشريح المشهد الميداني: «لقد تم تطهير وتحصين تلة المنطار في الشجاعية وتحويلها إلى نقطة مراقبة استراتيجية، مع حفر خنادق وسواتر في وسط غزة تربط بين المواقع المسواة بالأرض. هذه الشبكة، التي تضم 13 موقعًا مستحدثًا بعد الهدنة، مزودة ببنية تحتية متكاملة تضمن سيطرة نارية وعسكرية كاملة على كافة تحركات الفلسطينيين».

شبكة لا تُنتزع.. تمزيق نسيج الشجاعية

في حي الشجاعية، الذي تحول إلى ركام، يتحدث ناشط محلي لـ«عُمان» بمرارة عن السواتر التي أصبحت حدودًا قسرية: «هذه السواتر لم تُبنَ لحماية أحد، بل لتهجيرنا داخليًا. إنها تجبرنا على النزوح اليومي نحو الجنوب، بينما تُشيد القواعد العسكرية فوق أنقاض بيوتنا التي ورثناها عن أجدادنا. إنه احتلال منظم يستنزف الهدنة لترسيخ الوجود الدائم وتقطيع خطوط الإمداد بين المدن».

هذا التقسيم الجغرافي الهجومي، كما يصفه بن أفرايم، يعتمد على سواتر ترابية توغلت 580 مترًا داخل المناطق السكنية المكتظة، مع نقل سري لعلامات خرسانية إلى عمق الأحياء، مما حوّل «الخط الأصفر» من مجرد خط وهمي على الخرائط إلى حدود دائمة ومسلحة.

نموذج الضفة المُحسّن.. من المستوطنات إلى القواعد

يرى الدكتور عبدالمهدي مطاوع، المحلل السياسي الفلسطيني، أن غزة تُعيد إنتاج نموذج الضفة الغربية ولكن بكفاءة تكنولوجية وأمنية أعلى. يقول مطاوع: «إذا كانت 165 مستوطنة و600 حاجز قد شتتت السكان في الضفة، فإن 48 قاعدة عسكرية في قطاع صغير مثل غزة قادرة على خنق السكان بفعالية أكبر بسبب الكثافة السكانية الهائلة. إسرائيل استفادت من الهدوء النسبي لبناء هذه القواعد، محولةً غزة إلى سجن مفتوح محاط بمناطق عسكرية متوسعة لا يمكن اختراقها».

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري هذا الطرح، مشيرًا إلى أن «السرعة» هي الفارق الجوهري؛ فالتقسيم في الضفة استغرق عقودًا من الزمن، بينما في غزة أُنجز في أشهر قليلة مستغلةً التغطية الدبلوماسية للهدنة، مما أبقى السكان تحت مراقبة تامة وعجزٍ ميداني كامل.

انكسار الدبلوماسية.. غرق «مجلس السلام»

رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها مصر وقطر ضمن «مجلس السلام» لضمان الانسحاب وتوزيع المساعدات، إلا أن الغموض الذي اكتنف مصطلح «الانسحاب التدريجي» سمح للاحتلال بتفسيره وفق أهوائه العسكرية. وفي أروقة محادثات القاهرة، طرح نيكولاي ملادينوف، رئيس مجلس السلام، صياغة جديدة تطالب بنزع سلاح المقاومة كشرطٍ مسبق لإتمام عملية الإعمار.

هذا الطرح، كما يراه السياسي سمير غطاس، يترك غزة فريسة سهلة للتوسع العسكري دون أي ضمانات حقيقية. يقول غطاس: «رفضت الفصائل هذا الطرح لأنه لا يقدم ضمانًا ملموسًا واحدًا للانسحاب، بل يعتبر غطاءً سياسيًا لشرعنة الاحتلال القائم».

ويوضح: «لقد واجهت قطر عقبات هائلة في تمويل مشاريع الإعمار بسبب السيطرة الميدانية الإسرائيلية التي تمنع دخول المواد، بينما طالبت تركيا بعقوبات دولية لم تجد صدىً على أرض الواقع».

السجن الكبير.. نذير التقسيم الأبدي

وفي قراءة ختامية لهذا المشهد القاتم، يرى المحلل السياسي الفلسطيني محمد البرغوثي أن غزة لا تواجه مجرد أزمة إعمار متعثرة، بل تواجه مخططًا لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية بشكل نهائي. ويقول البرغوثي لـ«عُمان»: «إن ما نرقبه اليوم من تشييد لـ 48 قاعدة عسكرية وسواتر ترابية تنهش قلب الأحياء ليس مجرد تدابير أمنية مؤقتة، بل هو إعلان صريح عن وفاة حل الدولتين ميدانيًا في قطاع غزة.

ويوضح البرغوثي: «إسرائيل تستخدم الهدنة كأداة لتثبيت واقع (البانتوستانات) المعزولة، حيث يتحول المواطن الفلسطيني إلى رهينة داخل مربعات أمنية مغلقة، تفصلها عن بعضها البعض طرق عسكرية وأبراج مراقبة ذكية». ويستطرد البرغوثي: «لقد تحول وقف إطلاق النار من جسر نحو الحرية إلى ستار كثيف لعملية جراحية تجري في أحشاء القطاع لتقسيمه أبديًا. إن استمرار الصمت الدولي أمام بناء الـ 13 قاعدة الجديدة بعد أكتوبر 2025 يعني قبولًا ضمنيًا بتحويل غزة إلى سجن كبير مقسم لغرف منفصلة».

ويختم: «إننا أمام نذير شؤم حقيقي؛ فإذا لم يتحرك الضمير العربي والدولي لفرض آليات تنفيذية تلزم الاحتلال بالانسحاب الشامل، فإننا سنصحو قريبًا على غزة وقد تحولت إلى أرخبيل من الجزر السكانية المحاصرة التي يربط بينها إذن المحتل ورصاص أبراج المراقبة، وهو تقسيم قد لا تملك الأجيال القادمة ترف العودة عنه أبدًا».