محمد خير: أنظر إلى كتبي على الرفّ وأسأل نفسي "متى حدث كل ذلك"؟!
*أذهب إلى الرواية كأنني متجه للعمل بينما يأتيني الشعر كزخات مطر!
*كل كتبي ومنها ديواني "شاعر أسود في مدينة بيضاء" تستلهم الوحدة
*لا سبيل لإصلاح هذه الحياة لأنها تمضي إلى الخلف بلا هوادة
*وددت أن أحظى بالتفرغ بدلًا من هدر السنوات في ملاحقة الخبز
يقول محمد خير في ديوانه الجديد "شاعر أسود في مدينة بيضاء": "في الوطن، يسأله سائقو التاكسي، مِن أي بلد جاء لتوه؟ ويحاول ندُل المقاهي، استنتاج لكنته، وفي البيوت، يرمقه الجيران بانزعاج، كوجود لا علاج له، بقعة حبر على قميص مغسول مريب، كبائعة معاطف في الصيف، واضح كذبابة على حائط". من هذا المقطع يمكن تخمين أجواء الديوان؛ فالغربة تستولي على الشاعر في مدينته ويراه الناس كندبة على وجهٍ، فكيف هو الحال إذا غادرها إلى مدينة يتحدث الناس فيها لغة أخرى؟!
لا تقتصر تجربة خير الشعرية على هذا الديوان فقط فله سابقًا "هدايا الوحدة"، و"العادات السيئة للماضي"، ولا تقتصر على قصيدة الفصحى فله في شعر العامية "ليل خارجي"، و"بارنويا"، ولا تقتصر على الشعر فقط، فله في القصة "عفاريت الراديو"، و"رمش العين"، ولا تقتصر على كل ذلك فله في الرواية "سماء أقرب"، و"إفلات الأصابع" و"مرحلة النوم"، بالإضافة إلى كتابته عددًا من كلمات الأغنيات لمطربين ومطربات وأعمالًا للأطفال، وقد حقق حضورًا مميزًا في كل مشروعاته.
في هذا الحوار يتحدث محمد خير عن ديوانه الأخير وغربة بطله إن جاز التعبير، وينطلق منه إلى تأمل رحلته الطويلة مع الأدب.
-الاغتراب يطل مبدئيًا من العنوان "شاعر أسود في مدينة بيضاء".. هل يمكن اعتباره ديوانًا عن الوحدة؟
أعتقد أن كل كتبي – لا هذا الديوان فحسب – تشير على نحو أو آخر إلى الوحدة بكل تجسداتها، في هذا الديوان؛ "شاعر أسود في مدينة بيضاء" تتجسَّد الوحدة في أحد أبرز معانيها، وهو الاغتراب، أو هكذا أعتقد.
-"40 عامًا في هذه البلاد، ولم أفقد لكنتي".. ألا تظن معي أن ذلك الإنسان يستمرئ عدم الاندماج في مدينة الغرباء؟
إنه – أي هذا الشخص في القصيدة - يعتقد أنه لم يفقد لكنته، لذا يجيبه الصوت السارد في القصيدة "ولا أوهامك أيضًا". تتعلق الغربة - وهي في هذا النص غربة حقيقية لا مجرد اغتراب - بترسب بعض الأوهام، التي تفترض بقاء جذور، لم تعد راسخة فعلًا كما يظن أو يتمنى صاحبها.
-"في الوطن، يسأله سائقو التاكسي، من أي بلد جاء لتوه؟ فلنقل إن الفكرة الآن أن ذلك الإنسان وُلِد بصك الغرابة، وأن الأماكن لا علاقة لها بعزلته.. ما رأيك؟
أتفق. الغربة في ذلك النص المسمَّى "ربما يعرفون شيئًا" تتجاوز مسألة الاغتراب في الذات أو بالذات، وتغض النظر حتى عن الجغرافيا، وربما تبالغ بافتراض أن ذلك الاغتراب قد يكون ملحوظًا – كأنه أثر مادي - حتى في أعين الآخرين، سواء كانوا غرباء حقًا أو من أبناء الوطن، إنه اغتراب راسخ لدرجة أن يُلاحظ على نحو ما حتى بالعين المجردة، حتى مِن قِبل مَن لا يقابلهم المرء إلا مرة واحدة.
-تقول: "لديَّ أمل عجيب، أمل خاطئ، لأنه عن الماضي، لا المستقبل. أن يفتح الغدُ عينيه، مجددًا، في سرير الأمس. أن يفسد الزمن، وتجلس الأوقات كلها، كأصدقاء، على الرصيف نفسه، بلا مسافات بينها، ولا أحقاد"، ماذا يمكن أن تحققه فكرة التصالح بين الأزمان؟
إن مضيَّ الماضي بلا رجعة داء لا علاج له لأنه أهم تجسيد لحقيقة أننا نحيا مرة واحدة، فلا سبيل لإصلاح هذه الحياة لأنها تمضي إلى الخلف بلا هوادة، وهي تمضي لكنها تترك فينا آلامها وهنا المعضلة، فنحن مهما مددنا أيادينا نحوها فإننا لن ندركها وهي تسبح مع تيار الأمس، فلا يبقى لنا سوى ما تتركه فينا من ندم ومن رغبة مستحيلة في "إصلاح الماضي". في هذا النص، وهو مفتتح الديوان وقد تركته بلا عنوان، ثمة حلم بأن تنتفي المسافات بين الماضي والحاضر والمستقبل، أن نقيم التصالح بينها، أن تجلس على رصيف أو سرير واحد، فيستطيع أي منها أن يضمد جراح الأخرى.
-لديك ولع برسم العلاقات بين الناس والأماكن سواء الحميمة كالبيت أو الغريبة كالفنادق كيف ترى أنك قدَّمت تلك العلاقة في قصائد الديوان؟
لم أفكر فيه كولع، وإنما الأماكن هي البعد الذي يبرهن على أننا موجودون، جزء من الديوان كُتِب خلال السفر خارج البلاد وهو نتاج تلك التجربة شعوريًا وجغرافيًا، وهو تعبير عن أن الاغتراب الذي تعيشه في مدينتك ستجده في كل مدينة أخرى.. إذا أردنا أن نقتبس كفافيس ببعض التصرف، وكذلك فإن اغتراب المدن الأخرى هو الاغتراب نفسه في الوطن.
-"جثة تخفي رائحة موتها بالعطور".. هل هي مبالغة في رسم صورة للإنسان المعاصر الذي يعيش شبه ميت؟
لا أقول إنه الإنسان المعاصر بصفة عامة، بل هو المرء الذي يحاول مواصلة العيش في زمن لم يعد له، أو في حب لم يكن مقدرًا له، حتى إذا خدعت ذلك الزمن، ذلك الحب/ الحبيب. فإن شيئًا غامضًا ومزعجًا سيتبقى في شعور المخدوع تجاهك دون أن يدرك بدقة ماهيته.
-تميل إلى التشبيهات البسيطة المدهشة، مثل تشبيه بطن ذاك المشرد بصفيحة قمامة يسمع قرقعتها، ورنين المعلبات وخشخشة الأكياس وكِسَر الزجاج فيها، لدرجة أنه يمشي بحذر حتى لا يتسرب الماء منها.. ماذا تمنح تلك التشبيهات قصيدتك؟
حين أكتبها لا أفكر فيها صدقًا كتشبيهات، إني أحسها وأدركها، ومن منا لم يعش أصعب التجارب ولو على سبيل المجاز، هذا ما شعرت به بنفسي في بعض الأحيان وفي بعض الليالي الصعبة حين يبلغ الاغتراب في المدينة أقصاه إلى درجة أن تشعر أنك مشرد وأن ما جوفك ليس سوى قمامة.
-هل الطبيعي أن يحلم المغتربون بالسفر في القطارات كما في قصيدة "تداخل"؟
لا يمكنني هنا الحديث نيابة عن المغتربين جميعًا، لكني شعرت دائمًا وأعتقد أنني لست وحدي في ذلك أن ثمة علاقة بين القطارات والأحلام، في بيتي أحلم بالقطارات كثيرًا وحين أغفو في القطارات أحلم أيضًا، غالبا بالبحر، ربما القطارات هي الوسيلة الأقرب والأحنُّ – لأن الخوف منها أقل من الخوف من الطائرات - لكسر صرامة الجغرافيا.
-لنغادر الديوان قليلًا.. لقد أصدرته وأنت تجني نجاح روايتك "مرحلة النوم" وترجمتها إلى عدة لغات.. لماذا لم يغرك ذلك النجاح بالاستمرار قليلًا مع الرواية؟
عادة أكتب على التوازي لا التوالي، فلم أكتب قصائد الديوان تتاليًا في مدة زمنية معينة، وبعضها يعود إلى ما يقرب من عشر سنوات، وبعضها كُتب منذ شهور أو أسابيع. يمكن القول إنني أذهب إلى الرواية كما يذهب المرء إلى العمل، بينما يأتيني الشعر كزخات مطر نادرة، فأجمع القطرات إلى أن تملأ كوبًا صالحًا للشرب.
-هل تفضِّل لقب الشاعر والروائي أم الروائي والشاعر؟
الشاعر قبل الروائي؛ لأن هذا ما أصدقه.
-إذا طرح الشاعرُ سؤالًا على الروائي داخلك فما هو هذا السؤال؟ وكيف يجيب عليه الروائي؟
الشاعر سيسأل الروائي:
هل تظن أنني سأبقى دائما في انتظارك إلى أن تكمل رواياتك؟
وسيجيب الروائي:
إنني أطمع في لطفك وفي قِدم صداقتنا.
-الآن وصل جيلك إلى الخمسين أي أنكم لم تعودوا كما عشتم سنين طويلة كتَّابًا شبابًا.. ماذا غيَّر فيك التقدم في العمر؟ هل تقول لنفسك وأنت تنظر إلى شعرك الأبيض في المرآة: يا إلهي لقد أصبحت كهلًا؟!
حسنًا، أولًا لا يزال لدي عامين وأكثر قليلًا قبل الخمسين، فلِمَ العجلة؟ (أفترض ابتسامة متوترة هنا). أما بعد، ليس لبياض شعري علاقة بالأمر، لأنني ممن شاب شعرهم مبكرًا جدًا منذ مرحلة عشرينياتهم، فقد تعودت الأمر منذ كان يثير غضبي إلى أن صار طبيعيًا وأحيانًا – كما يجاملني البعض – جذابًا. ومع ذلك ما زلت أفاجأ بأنني لم أعد شابًا، فأنا – كمعظم الناس، لا الكتَّاب فقط- لا زلت أشعر أنني شاب، وأنتظر لطف العالم كما لو كنت صغيرًا. لكن ماذا غيَّر فيَّ رقم العمر الذي يتقدم في الأوراق الرسمية: صرت أقل صبرًا أو استعدادًا لتضييع الوقت. صرت أشعر أنني كما وصف الفنان الكوميدي الجميل سامي مغاوري نفسه مرة "معروف إلى حد ما". أنظر إلى الكتب التي أصدرتها في الشعر والقصة والرواية وأدب الأطفال والأغنيات، وأقول لنفسي: متى حدث كل ذلك؟ إذ أن أكثر ما يعبر عن شعوري الخاطئ بالشباب، هو أنني ما زلت أعتقد أنني في بداية المشوار.
-هل أنتم جيل مُرهَق.. كثير من العمل لتلبية احتياجات الحياة ووقت قليل للأدب؟ ما تصورك لمشروعك الأدبي لو أنك غني أو متفرغ؟
أؤمن بأن الكفاح والمعاناة الإنسانية لها الفضل على مشروع الفنان الكاتب، أكثر من أي نوع من أنواع الفن أو الفنانين.
لا أعلم إلى أي مدى يمكن وصفنا بأننا جيل مُرهَق، لكن بلا شك نحن أكثر من تعرض إلى تغيُّر طبيعة الحياة في مرحلة فاصلة من حياته، فقد ولدنا ونشأنا في عالم ما قبل الإنترنت والهاتف المحمول، فكم أرسلنا من رسائل بالبريد العادي وقطعنا مسافات إلى بيوت أصدقاء لنكتشف أنهم ليسوا هناك، وما إن بدأنا الكتابة وأصدرنا أعمالنا الأولى حتى انقلب العالم تمامًا، وحين شرعنا في ترسيخ أسمائنا انفجر الشارع والميدان وتغير عالمنا الساكن مرة أخرى، وحين وصلنا سن الكهولة وعرفنا الالتزامات انهارت العملة وعدنا معها إلى كفاح مادي كنا ظننا أننا انتهينا منه مع أيام الشباب، والخلاصة؛ أنني وددت بالطبع في أحيان كثيرة أن أحظى ببعض التفرغ بدلًا من هدر السنوات في ملاحقة الخبز، ولكني أعرف أيضا أنه لولا السوط الذي تجلدنا به الحياة لما أنجزنا الكثير مما أنجزنا.
-أخيرًا.. لو وجَّهت رسالة إلى قارئ مجهول مغترب لديوانك ماذا ستقول له؟
أقول له: إن لديك في هذا العالم الكثير من "الزملاء السريين"، وإن الكثير منهم لم يغادر الوطن من الأساس.
