القيادة الحضارية في لحظة التحولات الكبرى
22 أبريل 2026
22 أبريل 2026
يخلد التاريخ ذكر القادة لأسباب كثيرة. يرسخ بعضهم حضوره عبر القوة، ويترك بعضهم الآخر وراءه موانئ وإصلاحات مالية، وينجح آخرون في تثبيت الدولة وسط الاضطراب فيحجز مكانه بفضل التعقل وضبط النفس. غير أن هناك نمطا آخر من القادة يمضي بالدولة في مسار التنمية، ثم يذهب أبعد من ذلك. فهو يدرك أن تماسك الدولة يحتاج إلى إدارة ناجحة وإنجاز مادي، كما يحتاج إلى ذاكرة تاريخية راسخة، وثقة أخلاقية، واستمرار ثقافي، وتنشئة هادئة لكل جيل جديد. ومن هذا المدخل يمكن فهم المعنى الأوسع الذي تكتسبه خطوة اليونسكو بإنشاء «جائزة اليونسكو ـ السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي».
تعكس هذه الخطوة اعترافا دوليا بنمط من القيادة حافظ على وضوحه واتزانه رغم سنوات الاضطراب الإقليمي والتحديات الداخلية. فمنذ تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، مقاليد الحكم، قادت عُمان مسارها وسط ضغوط اقتصادية وإصلاحات إدارية ومناخ إقليمي شديد الخطورة. وكثير من الدول، في ظروف مماثلة، كانت ستختزل فكرة الدولة في مقتضيات ضبط الاختلالات المالية واحتواء الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية وتأجيل كل ما عدا ذلك. أما عُمان فقد حافظت على توازن مختلف. مضت الإصلاحات الاقتصادية في طريقها، واحتفظت الحياة الثقافية بمكانتها، وبقي التعليم في قلب الرؤية. واستمرت القيم العامة في موقعها، كما ظل السلوك السياسي للدولة مستندا إلى مبادئها الراسخة من اعتدال وروية واحترام للقانون.
هذا هو المعنى الأوضح للقيادة الحضارية.. قيادة تتعامل مع الثقافة بوصفها قوة حية في بناء الدولة، وتمنح التراث مكانة السياسة العامة، وتضع القيم ضمن عناصر المناعة الوطنية. وهي تدرك أن قوة الدول تتصل أيضا بما ترسخه في وعي الناس، وبما تورثه للأجيال من معنى، بقدر اتصالها بما تملكه من موارد وأصول مادية.
ومن هنا تنبع الأهمية العميقة للتراث غير المادي. فالمعالم يمكن ترميمها، والأرشيف يمكن حفظه، غير أن الإرث الأكثر هشاشة في أي مجتمع يعيش في صور حية مثل التقاليد الشفهية، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والحرف، وأشكال التعبير المشتركة، وطرائق فهم الطبيعة، وسبل نقل الانتماء من جيل إلى جيل. وفي هذه العناصر تتعرف الشعوب نفسَها، وتقرأ ماضيها وهو يعبر إلى حاضرها. فإذا ضعفت، ضعف معها الشعور بالاستمرار، وإذا حظيت بالعناية، اكتسب المجتمع عمقا ثقافيا، وثقة اجتماعية، وقدرة أكبر على حفظ توازنه في عصر السرعة والتشظي.
وعليه، فإن الجائزة الجديدة التي أطلقتها اليونسكو تشير إلى ما هو أبعد من تكريم قائد. فهي تكشف عن أفق أوسع يقف وراء السياسة الثقافية العُمانية، وعن الصلة الممتدة بين صاحب الجلالة السلطان هيثم المعظم وهذا الأفق على مدى سنوات. فإدارته السابقة لملف التراث والثقافة أسهمت في ترسيخ انخراط عُمان في الاتفاقيات والمؤسسات الثقافية الدولية الكبرى. وكان هذا الأمر جزءا من بناء متدرج لبيئة وطنية تشكلت فيها المتاحف، والأرشيف، والأولويات التعليمية، وحماية التراث ضمن تصور حضاري واحد.
وتظهر هذه اللغة كذلك في السياسة. فقد حظي السلوك الإقليمي العُماني باحترام واسع لأنه يبتعد عن الاستعراض. وحافظت عُمان على أسلوب سياسي اتسم دائمًا بالصبر والتوازن والجدية، وهذه اختيارات استراتيجية، كما أنها اختيارات ثقافية. فالدولة الواثقة من ثقلها الحضاري لا تحتاج إلى الضجيج كي تؤكد حضورها وهي قادرة على العمل بهدوء لأنها تستند إلى فهم راسخ لذاتها.
تشتغل حكومات كثيرة اليوم بحسابات النمو، ومؤشرات الكفاءة، وإدارة المخاطر، وتسريع الابتكار. غير أن الامتحان الأعمق للدول يقع في موضع آخر: أي إنسان تخرّجه هذه السياسات؟ وأي ذاكرة تحمي؟ وأي قيم تبقيها حية في المجتمع؟ في هذه الأسئلة يتحدد ما إذا كان التقدم يرسخ البناء الوطني، أو يترك داخله فراغًا يتسع بصمت.
ومن هنا فإن «جائزة اليونسكو ـ السلطان هيثم» تتجاوز حدود التكريم إلى معنى أبعد. فهي تكشف عن تجربة قيادية حافظت على توازن الدولة في زمن الضغط، وعلى ذاكرتها في زمن السرعة، وعلى قيمها في زمن التحول. وفي ذلك يتجلى جوهر القيادة الحضارية: أن تعبر الدولة التحولات الكبرى من غير أن تفقد معناها، وأن يبقى الإنسان، بذاكرته وثقافته وأفقه الأخلاقي، حاضرا في صميم مشروعها الوطني.
