ثقافة

"ثلاث ريشات"و "طريق" يختتمان عروض مهرجان المسرح المدرسي "11"

22 أبريل 2026
رسائل حول الأمانة العلمية والثقة بالنفس ومواجهة التناقضات
22 أبريل 2026

كتبت: خلود الفزاري

احتضن مهرجان المسرح المدرسي الحادي عشر اليوم عرضين مسرحيين بمسرح المديرية العامة للتعليم بمحافظة مسقط إلى جانب عرض الحكواتي ومسابقة العزف المصاحبة للمهرجان بحضور لفيف من التربويين والمهتمين بالمسرح.

وفي العرض الأول الذي قدمته المديرية العامة للتعليم بمحافظة ظفار «ثلاث ريشات» عالج قضية استخدام الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية؛ حيث سلط الضوء على التوازن بين التقنية والاجتهاد الشخصي.

وتدور أحداث المسرحية التي ألفها وأخرجها منذر السعيدي حول أربع طالبات يقمن بإعداد بحث علمي، فيلجأن إلى الذكاء الاصطناعي لإنجازه بسرعة قبل أن تكتشف المعلمة الأمر، وتوجههن إلى إعادة العمل بالاعتماد على مصادر حقيقية. وتتطور الأحداث حين تعثر الطالبات على كتاب قديم يظهر منه «مارد» يصطحبهن في رحلة داخل الكتاب؛ حيث يخضن تجارب عبر ثلاث ريشات تمثل مفاتيح التعلم بالاجتهاد والصبر وتحمل المسؤولية. وبين دفتي الكتاب تلتقي الطالبات بشخصية «ماما فاطمة» النموذج الرائد في مسيرة التعليم لتتغير نظرة الطالبات إلى العلم، وتعزز لديهن أهمية السعي للمعرفة. يمنح المارد الطالبات خيارا بين البقاء في عالم الخيال أو العودة إلى الواقع، واخترن مواجهة الحياة بوعي جديد مع التخطيط والطموح. وأكد العرض أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا يمكن أن تكون بديلا عن التفكير والاجتهاد، وأن طريق المعرفة يبدأ بالسؤال والبحث.

أدت انتصار السلومي دور «شيخة»، وقدمت شيماء سامح دور المعلمة والطالبة «أروى» فيما جسدت سجود عماد الدين شخصية «مريم»، وأصايل السلومي «سمر»، وبشرى الهدابي «نسمة». كما شاركت فاطمة الرواس بدور «ليلى» وريم المشيخي «ليا». وأدت نور العيدروس شخصية «ماما فاطمة» بينما قدم مالك الشحري دور «مارد الكتاب» فيما تولى أحمد الزعبي العزف الموسيقي المصاحب للعرض، وتخلل العمل فقرات إنشادية وموسيقية.

أبعاد تربوية وفنية

أعقب العرض المسرحي «ثلاث ريشات» حوار تفاعلي تناول أبعاد العرض الفنية والتربوية، وما يحمله من رسائل مرتبطة بالتعلم وأخلاقياته في ظل التحولات المعاصرة.

أدار الجلسة الفنان عبدالله الغافري، وقدم الناقد طاهر الحراصي ورقته التي انطلقت من قراءة النص بوصفه نصا تربويا معاصرا يناقش إشكالية أخلاقيات التعلم في زمن الذكاء الاصطناعي متسائلا حول طبيعة المعرفة بين الأدوات والتجربة. ورأى أن النص يعتمد على بناء تعليمي أكثر من اعتماده على حبكة درامية تقليدية قائمة على الصراع مع شخصيات نمطية تسهل التلقي، لكنها تحد من العمق النفسي.

وأشار الحراصي إلى أن البناء الدرامي منظم ومناسب للمسرح المدرسي، لكنه يميل إلى المباشرة التعليمية على حساب الذروة الدرامية، مع توظيف عنصر الخيال عبر شخصية «مارد الكتاب» لتعزيز التجربة. كما لفت إلى أن اللغة جاءت مباشرة وواضحة في إيصال الرسالة، وإن اقتربت أحيانا من الطابع التلقيني. وعلى مستوى العرض اعتبر أن الإخراج التزم بالنص، واشتغل ضمن إطاره، لكنه عانى من إيقاع رتيب نسبيا نتيجة الطابع الإرشادي إضافة إلى ثبات السينوغرافيا رغم التحولات المفترضة في الفضاء الدرامي، ما كان يتطلب تنويعا بصريا يعكس الانتقال بين الواقع والخيال.

كما أشار إلى بعض التعديلات الإخراجية، خاصة في نهاية الحلم معتبرا أنها أقل انسجاما مع منطق النص القائم على التعلم عبر الخطأ والتجربة. وأثنى الحراصي على أداء الممثلين في قدرتهم على الحفاظ على تماسكهم الانفعالي أثناء حادثة سقط فيها الديكور أثناء العرض معتبرا ذلك جزءا من روح المسرح القائم على التفاعل مع الطارئ. واختتم بالتأكيد على القيمة التربوية للعمل داعيا إلى تعزيز الإيقاع والعناصر الجمالية لرفع مستوى الدهشة المسرحية. من جانبه عبر منذر السعيدي المؤلف والمخرج عن شكره وامتنانه لجميع الجهات المنظمة والداعمة في المديرية العامة للتعليم بمحافظة ظفار، ولطاقم العمل والمشرفين مشيدا بالطلبة المشاركين الذين وصفهم بأبطال التجربة.

تجربة إنسانية

أما العرض الثاني «طريق» الذي قدمته المديرية العامة للتعليم بمحافظة الظاهرة حمل رؤية فكرية وإنسانية تتناول رحلة النمو الداخلي للإنسان منذ الطفولة حتى مرحلة النضج، وجاء في إطار درامي يتمحور حول شخصية الطالبة «راية» التي تعيش منذ سنواتها الأولى صراعا داخليا مستمرا بين أفكار متضاربة تتشكل داخل وعيها، وبين رغبتها في اختيار مسار حياة مستقر يعتمد على التعليم التقليدي والاتجاه نحو حياة عادية كما تتصورها.

غير أن هذا التوجه لم يكن ثابتا؛ إذ واجهت على امتداد سنواتها الدراسية حالة من التردد والقلق الذهني نتيجة صراع بين أفكار متناقضة تتأرجح بين الخوف من اتخاذ القرار والاندفاع أو التردد. وامتد البناء الدرامي للعمل الذي ألفه وأخرجه محمد محمد السيد، معلم اللغة العربية بمدرسة جبل السراة عبر مراحل دراسية مختلفة؛ حيث تتبع الأحداث مسيرة «راية» من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر مع التحولات النفسية والفكرية التي تمر بها خلال سنوات التكوين.

ومع تقدمها في العمر وتراكم خبراتها تبدأ الشخصية تدريجيا في تطوير وعيها الذاتي، والقدرة على فهم أفكارها والتعامل معها بصورة أكثر نضجا وصولا إلى مرحلة من الحسم الداخلي واتخاذ القرار. لتعلن «راية» في نهاية العرض اختيارها للجامعة التي ترغب في الالتحاق بها بعد تحولها إلى شخصية أكثر وعيا واستقلالية في اتخاذ القرار.

وشارك في العرض مجموعة من الطالبات يمثلن صفوفا دراسية متعددة من الصف الخامس حتى الصف العاشر.

وفي الجلسة النقدية التي أعقبت العرض المسرحي والتي أدارها الفنان نعيم فتح نور بحضور كاتب ومخرج العمل قدم الناقد بدر النبهاني قراءة نقدية وصف فيها النص المسرحي بأنه بنية مكتوبة ناهيك بالعرض وعناصره الإخراجية والأدائية. وأوضح النبهاني أن النص في جوهره الأدبي والفكري يحمل بنية تربوية نبيلة تتمثل في تحصين وعي الطالب وإرشاده في مسار الحياة، غير أن النقد يتوجه إلى «الأدوات» التي حملت بها هذه النية داخل البناء الدرامي المكتوب.

وفي قراءته توقف عند ما وصفه بالإسهاب المفرط في التوجيهات المسرحية والوصف الشعوري داخل النص معتبرا أن ذلك يحد من مساحة التأويل الإخراجي، ويقلص حرية المخرج والممثل والجمهور في حين أن طبيعة الكتابة المسرحية تقوم على الإيحاء لا التفسير، وعلى ترك فراغات جمالية تسمح بتعدد القراءات. وأشار إلى أن النص الذي يشرح نفسه بشكل زائد يضعف من طاقته الدرامية، ويكشف عن قلق من عدم وصول الفكرة عبر الإشارة الفنية وحدها.

كما تناول النبهاني البنية الدرامية للشخصيات معتبرا أن محاولة تشظية الشخصية تحولت إلى «ومضات حوارية» غير مكتملة، وأن بعض الشخصيات بدت أقرب إلى تصنيفات أو «ملصقات فكرية» منها إلى كائنات درامية حية تمتلك دوافع وصراعا داخليا متناميا. ولفت إلى أن الصراع في النص يميل إلى الخطابية المباشرة أكثر من كونه صراعا دراميا قائما على الفعل ورد الفعل، الأمر الذي يؤثر على عنصر الدهشة المسرحية مشيرا إلى أن معالجة النص لشريحة الطفل جاءت تقليدية إلى حد كبير معتمدا على ثنائيات واضحة ومباشرة دون استثمار كاف في «المناطق الرمادية» التي تعزز التفكير النقدي لدى المتلقي الصغير.

وختم الناقد قراءته بالتأكيد على أن النص رغم سلامة فكرته التربوية، يحتاج إلى مزيد من النضج الدرامي في الصياغة والبناء؛ لأن المسرح في جوهره ليس فضاء لتقديم الإجابات الجاهزة، بل مساحة لطرح الأسئلة وإثارة التفكير بما يسمح للمتلقي -خصوصا الطفل- بأن يكتشف طريقه بنفسه عبر التجربة لا عبر التلقين.

وأوضح النبهاني أن السينوغرافيا في عرض «الطريق» شكلت أحد أبرز مرتكزاته الجمالية والفكرية، حيث بدا واضحا حجم الاشتغال الواعي باكتمال العناصر، وتكاملها العضوي. هذا التوازن منح العرض صورة بصرية متماسكة تقوم على بناء دلالي يخدم جوهر التجربة المسرحية، خاصة في سياق مسرح الطفل الذي يتطلب خطابا بصريا مباشرا وعميقا في آن، مبينا أن المخرج حرص على صياغة مشهدية بصرية قوية، قائمة على تعدد المستويات داخل الفضاء المسرحي، مستثمرا العلاقة التفاعلية بين الديكور والإضاءة بوصفهما عنصرين متلازمين لا منفصلين.

ومن أبرز تجليات الوعي السينوغرافي قدرة العرض على تجسيد المعنى الخفي الكامن في النص، والمتمثل في «العقل» بوصفه فضاء مركبا يضم التفكير والقرار والمشاعر من خلال تشكيلات ضوئية دقيقة، أدت دورا محوريا في التعبير عن الحالات النفسية التي يمر بها الطالب، مما منح الإضاءة وظيفة درامية تتجاوز كونها أداة إنارة إلى كونها لغة تعبير قائمة بذاتها.

وعلى الرغم من أن المخرج هو ذاته مؤلف النص، إلا أنه لم يقع في فخ التكرار أو الانغلاق على رؤيته الأولى، بل نجح في تفكيك النص وإعادة بنائه بصريا على الخشبة، مشيرا إلى أن هذه العملية كشفت عن قراءة ثانية أكثر نضجا، استطاع من خلالها معالجة بعض مكامن القصور النصي، وتحويلها إلى لحظات مسرحية نابضة بالحياة.

كما يحسب للعرض احترامه العميق لعقل المتفرج الطفل، حيث لم يكتف بتقديم صور جاهزة، بل دفعه إلى المشاركة الذهنية عبر تفكيك العناصر البصرية والحركية، وإعادة تركيبها ضمن تجربة تفاعلية غير مباشرة. هذا النوع من الاشتغال يعزز من دور المسرح كوسيط تربوي وفني في آن واحد.

من جهة أخرى قدمت الطالبة رنيم بنت ماجد المعمري ممثلة المديرية العامة للتعليم بمحافظة شمال الباطنة أداء موسيقيا على آلة القانون في إطار فعاليات مسابقة العزف الفردي؛ حيث أبدعت في تقديم مجموعة من المعزوفات والمقطوعات المتنوعة. كما قدمت أزهار المعشني فقرة الحكواتي ضمن فعاليات العرض المسرحي، وجسدت بأسلوب سردي مشوق قصة مستوحاة من حكايات الأديب الراحل عبدالعزيز الفارسي.

وبدأ السرد بشخصية راشد الشاب الذي كان يسير في الحياة باحثا عن رزقه يرافقه التعب والجهد، ويشعر بثقل الطريق وصعوبته، لكنه كان متمسكا بالأمل رغم كل ما يمر به من مشقة. وأثناء رحلته عثر على قنديل قديم، ويظن أنه سيغير مجرى حياته، وأخذه أمل أن يحقق له ما يتمنى. لكن سرعان ما يظهر «حارس القنديل» الذي يخبره بأن تحقيق الأمنيات لا يكون بالسرعة التي يتوقعها، بل يحتاج إلى الصبر والعمل.

ويطلب منه المارد أن يتحلى بالصبر، وأن يفكر جيدا في رغباته قبل أن يطلبها. في تلك اللحظة يتذكر راشد وصية والدته التي «إن الصبر مفتاح الفرج»، فيقرر أن يتمسك بهذه الحكمة، ويصبر على طريقه، مؤمنا بأن لكل شيء وقتا مناسبا. لتتحقق أمنيته بالصبر وتبدأ ملامح التحول في حياته بالظهور، ليدرك أن الصبر والاجتهاد هما أساس النجاح.

تميز أداء أزهار المعشني بأسلوب سلس وجذاب، كما دعمت حديثها بأمثلة واستشهادات متنوعة، فانتقلت بين الآيات القرآنية التي تؤكد قيمة الصبر، والأحاديث النبوية التي تبين أثره إضافة إلى أبيات شعرية عززت الفكرة. كما أضفت الطفلة على الأداء حضورا لافتا من خلال إتقانها للغة العربية الفصحى، وارتدائها الزي الظفاري التقليدي.