بحثا عن الشعر الصافي الفلسطيني
22 أبريل 2026
زياد خداش
22 أبريل 2026
حملت أربعة دواوين شعرية لشعراء فلسطينيين من أجيال مختلفة، ولقاصين اثنين من جيل التسعينيات، ورواية حديثة، في حقيبتي الجلدية السوداء، ركضت إلى مطار الملكة علياء بعمان مسافرا إلى الصين حيث ندوة أدب، حملته دون أن أنظر متعمدا إلى مؤلفه، كانت هذه الخطوة محاولة تجريب متعمدة لإخفاء الاسم الفلسطيني عن الكتاب، قلت لنفسي أريد أن اقرأ أدبا فلسطينيا بعيدا عن اسم مؤلفه، استبعادا لهواجس معينة أو ربطا محددا لعالم النص بحياة صاحبه وجنسيته، وكونه ضحية احتلال أو ضحية فلسطينيته. منذ زمن بعيد وأنا أرغب في قراءة شعر فلسطين بعيدا عن الصراع القومي، بحثا عن الشعر الصافي البعيد، أو استكشافا للبعد الإنساني الخالص في الأدب.
ظل الأدب الفلسطيني مربوطا برمزيته وشخوصه وأحداثه بالاحتلال، والضغوطات التي يتسبب بها، ليس غريبا أو مرفوضا أو عيبا أبدا أن يتم قراءة النصوص الشعرية وفقا أو على ضوء حياة الشاعر وآلمه الواعية وغير الواعية، بالعكس هناك مناهج نقدية تتبنى دراسة حياة وذكريات وعلاقات الكاتب لتفسير أسلوبه أو فك شفرات نصوصه، دراسة النص الأدبي من منظور حياة المؤلف وواقعه ركيزة أساسية في المناهج السياقية؛ حيث يبرز المنهج السيري (مع سانت بيف) كأول من ربط النص بترجمة حياة الكاتب الشخصية، يليه المنهج التاريخي (مع هيبوليت تين) الذي يفسر الأدب كناتج للبيئة والزمن، بينما يغوص النقد النفسي (مع فرويد) في أعماق ذكريات الكاتب ولاوعيه بوصف النص تنفيسا عن عقد دفينة، وتأتي الظاهراتية (مدرسة جنيف) لتركز على وعي الكاتب وكيفية إدراكه للعالم، وصولا إلى الواقعية الاجتماعية التي ترى النص انعكاسا للصراعات الطبقية والواقع المعيش الذي يحيط بالأديب.
هل ظهر في الشعر الفلسطيني اتجاها صافيا لا يرغب في نقل فكرة؟ بل هدفه توتير شعور وإحراق سفن عودة، والاندفاع إلى متاهات، بل وصنعها، ورفع توهج حالة نفسية، وتفجير دهشة لغوية؟.
لشاعرنا العظيم محمود درويش رأي في الشعر الصافي الذي سماه بالمستحيل، يقول: الشعر (الصافي هو «وهم جميل» وطموح مستحيل يسعى من خلاله الشاعر لتحرير القصيدة من ثقل التاريخ وضغط الواقع الزائل).
بدأ هذا التوجه يحاول الظهور في دواوين درويش المتأخرة كبحث عن الجوهر الإنساني الخالد واللغة النقية التي تقفز عن الشروط الزمنية والمباشرة السياسية، معتبرا أن قيمة الشعر الحقيقية تكمن في هذا السعي الدائم نحو «المستحيل» الذي يمنح النص قدرة على البقاء خارج حدود مناسبته، لكن محمودا اعترف فيما بعد أن الرغبة والحلم بهذا النوع من الشعر يبقى في حدود التمنيات، ولا يكمن تحقيقه، حتى شعراء أوروبا الذين لا حروب حولهم ولا أزمات فقر أو قضايا واقعية كبرى، حاولوا أن يصنعوا أدبا صافيا فلم يفلحوا، فالأسئلة الوجودية ومغزى الإنسان ولغز ومفارقات وجوده هي من نوع الشروط التي تحكم عالمه وتوجه أسلوبه.
يُعرف الشعر الصافي بأنه الاتجاه الذي يسعى لتجريد القصيدة من الوظائف النفعية كالوعظ والتعليم والسياسة للتركيز على الجوهر الجمالي وحده؛ حيث يعتمد على الموسيقى اللغوية الصرفة والرمزية الموحية بدلا من السرد، وقد أسس لهذا المفهوم الشاعر الفرنسي بول فاليري الذي اعتبر الشعر حالة شعورية «مصفّاة» من العناصر النثرية، تهدف إلى إثارة الدهشة الفنية.
يلتقي مغزى الشعر الصافي مع نظرية الناقدة والروائية الأمريكية الشهيرة سوزان ستانغ، التي كتبت في عقد الستينيات كاتبا شهيرا طبقت شهرته الآفاق (ضد التأويل) لخصت فيه نظرية ضد التأويل، بأسلوب جذاب. تتلخص نظرية سوزان سونتاج في كتابها الشهير بنفي الأفكار المسبقة واستخدام الرموز ورفض استدعاء الذكريات، ووصف الأشياء بداعي التنظير لها أو وصلها برسالة ما، وأضافت: إن الناقد الذي يؤول النص (بتحويله إلى رموز سياسية أو نفسية) يقلل من قيمة العمل الفني ويجعله مجرد وسيلة نقل أفكار وإبلاغ معاني.
قرأت في الطائرة الكتب كلها تقريبا بدافع البحث عن نقاط صفاء شعري هنا وهناك، الشاعر أو الناثر قاصا أم روائيا كانوا يحاولون أن يتجردوا من ثياب الشرط السياسي والنفسي والاجتماعي والعاطفي، لكنهم كانوا سرعان ما يلبسوه، متوترين من شدة غرابة مفردة وحبكة الأدب الصافي، هل تخيفهم المتاهات؟ أم يخيفهم أن يضيع لغتهم جمال الحياة غير المرئي؟ أو أن تعرقل طريقهم أصوات المخلوقات المجهولة؟ ما زالت كلمة محمود درويش تدوي: هو القبض على المستحيل، لكن لا تتوقفوا عن المحاولة، فمتعة الشعور في استحالة الهدف.
