إغلاق المسجد الأقصى وقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
19 أبريل 2026
19 أبريل 2026
بينما كان العالم منشغلًا بمتابعة الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، تحرّك الكيان الإسرائيلي لفرض واقع جديد في فلسطين بعيدًا عن الأضواء.
ففي الثلاثين من مارس 2026، (الذي هو يوم الأرض الفلسطيني) صادق الكنيست نهائيًا على قانون يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة وُصفت بأنها تاريخية من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وسط تصفيق واحتفال داخل القاعة.
وفي الوقت ذاته، أغلقت سلطات الاحتلال المسجد الأقصى منذ نهاية فبراير الماضي، ليصبح أطول إغلاق منذ احتلاله عام 1967، بذريعة الأوضاع الأمنية، فيما استغلت «جماعات الهيكل» هذا الإغلاق للتحريض على إدخال القرابين خلال عيد الفصح العبري.
كان اعتماد الكنيست قانون الإعدام بحقِّ الأسرى الفلسطينيين إعلانًا بأنّ إسرائيل لم تعد تكتفي بسياسة السجن المؤبد أو الإبعاد، بل انتقلت إلى سياسة الإبادة «القانونية»؛ وهي بهذا القانون وجّهت رسالة إلى جمهور اليمين المتطرف في الداخل بأنّ الحكومة الإسرائيلية ماضية في تحقيق وعودها، وأخرى للخارج بأنّ إسرائيل لن تتسامح مع أيّ شكل من أشكال المقاومة، حتى لو كان ضمن حق الشعوب في تقرير المصير؛ فالقانون يحوّل الأسير من مناضل ومقاوم سياسي إلى مجرم يستحق الموت.
أما إغلاق المسجد الأقصى، فهو محاولة لتغيير الوضع القائم الذي يضمن للمسلمين حق العبادة فيه، ويعكس ذلك الإغلاق الطويل رغبة إسرائيلية في ترسيخ السيادة على الأقصى.
يقودنا ذلك الإغلاق إلى سؤال: هل يمكن تدمير المسجد الأقصى؟ يبدو السؤال صادمًا، لكنه ليس بعيدًا عن الواقع؛ فالتاريخ يقول إنّ الفكرة طُرحت بالفعل عام 1967، حين اقترح الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي آنذاك شلومو غورين وضع متفجرات في المسجد لبناء الهيكل مكانه، لكنها رُفضت خوفًا من ردود الفعل العالمية.
واليوم، في ظلّ انشغال العالم بالحرب على إيران، وفي ظلّ إغلاق المسجد الأقصى لأول مرة منذ عقود لتلك المدة الطويلة، يظلّ الاحتمال قائمًا أن يرتكب متطرفون مثل هذا العمل ثم يوجهون أصابع الاتهام إلى إيران أو غيرها، لتبرير خطوة كارثية مثل هذه.
والتاريخ يذكّرنا أيضًا أنّ الأقصى استُهدف من قبل؛ ففي 21 أغسطس 1969 أشعل المتطرف الأسترالي مايكل دينس روهان النار في المصلى القبلي، فأحرق منبر صلاح الدين التاريخي، وأثار موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي أدت إلى انعقاد مؤتمر إسلامي طارئ في الرباط. ثم جاء اقتحام أرئيل شارون للمسجد عام 2000 ليشعل الانتفاضة الثانية.
اليوم، ومع ذلك الإغلاق غير المسبوق للمسجد الأقصى، رأينا إدانات عربية وإسلامية خجولة، لكن رغم هذه الإدانات، يبقى أنّ إسرائيل تمضي في خطواتها بثقة، مدركة أنّ المجتمع الدولي سيكتفي بالتصريحات، وأنّ الأنظمة العربية لن تتجاوز حدود الكلام.
إنّ السؤال: «هل يمكن أن يُدمّر المسجد الأقصى؟» هو اختبار لمدى قدرة العالم الإسلامي والمجتمع الدولي على حماية مقدساتهم. وربما ما يمنع التفجير المباشر للمسجد ليس قوة القانون الدولي ولا صلابة الموقف العربي، بل الخوف من انفجار شعبي عالمي لا يمكن السيطرة عليه، لكن إذا تكرر الإغلاق واستمر طويلًا، يصبح الأمر طبيعيًّا، وقد تكون الخطوة التالية ليست بعيدة كما نتصور.
والصمت والتهاون يفتحان الباب أمام الكارثة، لذا فإنّ حماية الأقصى مسؤولية جماعية تتطلب فعلًا، قبل أن نجد أنفسنا أمام لحظة تاريخية لا رجعة فيها. وما يجب أن يكون هو أنّ المسجد الأقصى قضية إسلامية وإنسانية، قبل أن تكون فلسطينية، وأيُّ مساس به هو مساس بكرامة أمة بأكملها.
قد يبدو أنّ قانون الإعدام وإغلاق الأقصى قراران منفصلان، لكنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة؛ القانون يستهدف الإنسان المقاوم، بينما الإغلاق يستهدف الرمز الديني والسياسي. ولقد استغلت إسرائيل انشغال العالم بالحرب مع إيران لتغيير قواعد اللعبة في فلسطين، بعيدًا عن الضغوط الدولية أو الاهتمام الإعلامي. إنها سياسة تقوم على استغلال اللحظة، لتمرير ما لا يمكن تمريره في الظروف العادية.
المؤلم هو الغياب العربي شبه الكامل عن المشهد، وكأنّ المسجد الأقصى لا يعني العرب في شيء، وكأنّ القضية الفلسطينية أصبحت عبئًا ثقيلًا يريدون التخلص منه بأيِّ ثمن، إذ لم يقتصر الغياب على الموقف السياسي الرسمي، بل امتد إلى حالة من الصمت الشعبي والإعلامي، عكس ما كان يحصل في الماضي، عندما كان مجرد المساس بالأقصى كافيًا لإشعال الشارع العربي من «صلالة إلى طنجة»، وكانت صور الأسرى الفلسطينيين تملأ الميادين وتثير حملات تضامن واسعة؛ أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا، صمت رسمي، وانشغال داخلي، وتراجع الاهتمام الشعبي، مما جعل الفلسطينيين يواجهون وحدهم معركة وجودية على الأرض والرمز.
والمؤكد أنّ انعكاسات الغياب العربي الرسمي والشعبي على الداخل الفلسطيني خطيرة للغاية؛ فالشعور بالعزلة يتعمّق ويترسخ يومًا بعد يوم لدى الفلسطينيين، وأنّ عليهم الاعتماد على أنفسهم فقط في مواجهة الاحتلال، وهذا يزيد من الإحساس بالخذلان؛ فالفلسطيني الذي يرى الأقصى قد أغلق ولا يسمع صوتًا عربيًا واحدًا يصرخ، يدرك أنّ معركته لم تعد فقط مع الاحتلال، ولكن مع صمت محيطه العربي والإسلامي أيضًا، وهذا الشعور - وإن كان مؤلمًا - قد يدفع إلى مزيد من الصمود، لكنه يترك جرحًا عميقًا في العلاقة بين فلسطين وعمقها العربي والإسلامي.
اعتماد قانون الإعدام للأسرى وإغلاق المسجد الأقصى في آن واحد يعكس رغبة إسرائيل في إعادة صياغة المشهد الفلسطيني وفق رؤيتها الخاصة، دون اعتبار للقانون الدولي أو لحقوق الإنسان أو لقدسية المكان. وما تفعله إسرائيل الآن هو جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى السيطرة على الأرض والإنسان والرمز معًا، بفرضها واقعًا جديدًا بالقوة، مستغلة انشغال العالم بالحروب الإقليمية، ومتسلحة بغياب عربي يثير الأسى أكثر مما يثير الغضب.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.
