أطفال عُمانيون.. عمالة في منصات رقمية !

19 أبريل 2026
19 أبريل 2026

لفتني في الفترة الأخيرة، ظهور بعض الأطفال العُمانيين كجزء من المحتوى الترويجي. يبدأ الأمر بمقطع صغير أو هفوة عفوية، ثمّ يرتفع عدّاد المشاهدات على نحوٍ خيالي. ولستُ على يقينٍ من أنّ ابتهاج الطفل ورضاه ودأبه على أن يكون جزءا من هذه القصّة، كفيلٌ بزحزحة العبء الذي يتحتم على الوالدين أن يشعرا به!

في الماضي كُنا نقفُ ضد عمالة الأطفال في المناجم والمصانع والحقول؛ حيث يُستنزف الجسد الغض تحت وطأة العمل الشاق. أمّا اليوم فلا يُقدَّم الطفل كعامل تقليدي وإنّما ككائن مُنتج لقيمة اقتصادية ضمن محتوى يومياته المألوفة!

يملكُ الوجه الطفولي قبولا عاطفيا لا يُنكر، لكنه سرعان ما يتحول من قيمةٍ عاطفيةٍ مُجردة إلى قيمةٍ تسويقية، لا سيما في ظل غياب وعي الطفل بحدود هذا العالم الذي يجعله كائنا مُتاحا. إذ يشعرُ بعض الناس بالغبطة عند لقاء هؤلاء الأطفال «المشاهير»، فيخففون الحدود معهم تحت وطأة الإعجاب أو الفضول، يقتربون منهم بإفراط بحجة التصوير أو الإلحاح في التفاعل. يبدو الأمر لطيفا ودافئا ظاهريا، لكنه في الوقت نفسه قد يُهدد إحساس الطفل بحدوده الجسدية والنفسية. وفي الحقيقة فاجأتني بعض السلوكيّات ممّن توهّموا لأنفسهم حقّ احتضان الطفل أو تقبيله وكأنّه -على نحو ما- كائنٌ مُشاع!

في دراسة بعنوان: «عمالة الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي»، يُجادل الكاتبان دانيال ر. كلارك وأليسا ب. جونو-تشارلز حول فكرة الإرادة المستقلة عند الطفل غائمة الحدود، فوعي الطفل يتشكّل داخل سلطةٍ أبوية تُنظّم الفعل، وعليه فإنّ ما يُسمّى «موافقة» قد لا يعدو كونه تكيّفا مع توقّعات الكبار أكثر من كونه قرارا واعيا. فالعلاقة العاطفية مع الوالدين تجعلُ الرفض نفسه عسيرا وربما غير مُتخيَّل!

يشيرُ مقال الكاتبين إلى أنّ الاقتصاد الرقمي لا يكتفي بعرض الطفل، بل يُحوّله إلى «أصل إنتاجي»، فكلّ لحظة قابلة للتوثيق تغدو قيمة مالية مُحتملة والعفوية البريئة تتحوّل إلى مادّة قابلة للتسويق. وهنا يتبدّى موضع الخشية: أن تُعاد صياغة حياة الطفل بوصفها «مُنتجا» لا أكثر!

السؤال الذي تطرحه العديد من الدراسات: كيف يتشكّل ما يُعتقد أنّه اختيار الطفل داخل مساحةٍ رماديةٍ ومُلتبسة كهذه؟ فزجّه في دائرة الشهرة المبكرة يعيد تعريف مفهوم «الذات» لديه، ويجعل القبول الاجتماعي مرتبطا بسؤال: كيف أكون مرئيا وممتعا ومحبوبا ومُكافَأ بالالتفات! الأمر الذي يدفعنا لأن نربي الخشية من تآكل المسافة بين ذات الطفل داخل هذا النظام الخوارزمي المُحكم وبين العالم الشاسع.

كلنا نشجعُ الأطفال على امتلاك مشاريع يكسبون منها، ولكننا الآن دخلنا إلى ما يُعرف بـ«اقتصاد اللقطة»؛ حيث لا يعود المنتج هو موطن القيمة، إذ تنزاحُ القيمة إلى «الصورة» التي تولدت عن الفعل، فلا يُقصد الطفل لعمله الأصلي، وإنّما للصورة التي صُنعت عنه.. فتُختزل هويته على نحو مُبتسر!

من المفزع حقا أن يبدو الأمر وكأنّ الطفل يُستدرج إلى فخ أو إلى دور تمثيلي. تُعرى طبقات حياته ويومياته دون إدراكٍ أنّها ستكون يوما ما امتدادا لتصوراته المستقبلية عن نفسه، دون أن يملك أدوات كافية لفهم شروط هذه اللعبة أو مكابح للانسحاب منها وقتما يشاء؟

لا يمكننا إنكار أنّ في هذا التفاعل جانبا نابعا من الصدق الإنساني أو الفضول البريء أو الرغبة في الدعم.. لكن الإشكال يبدأ حين تفقد هذه العفوية بوصلتها، فيغدو الطفل في فضاء المنصات كائنا «تُشكَّل إرادته تدريجيا داخل اقتصاد يرى الطفل كقيمة قابلة للربح لا أكثر»! يرى البعض هذا الظهور طبيعي ضمن سيرورة تغير الحياة والنمط الاقتصادي المُتدفق في أشكال جديدة، ولذا وإن كان ولابد منه فينبغي أن يُحمى الطفل دون أن تُسلب حدوده النفسية والجسدية التي تأتي قبل أي منفعة مادية أو شهرة، ضمن إطار أسري واعٍ.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»