No Image
ثقافة

القارئ العربي والكتاب السياسي.. هل تقرب التحولات العالمية بينهما ؟

18 أبريل 2026
18 أبريل 2026

استطلاع ـ فيصل بن سعيد العلوي -

تتسارع الأحداث السياسية في المنطقة والعالم بوتيرة تجعل القارئ في مواجهة دائمة مع سيل من الأخبار والتحليلات، ومع هذا التتابع المستمر للأحداث، لا يبقى القارئ في موقع المتلقي فقط، بل يجد نفسه أمام مفترق بين الاكتفاء بمتابعة الخبر، أو الذهاب نحو قراءة أعمق عبر الكتب السياسية فهذا التحول في سلوك القراءة رغم ارتباطه بالاهتمام لكنه في الوقت نفسه يكشف عن طبيعة العلاقة بين المعرفة واللحظة الراهنة، بين القراءة بوصفها فعلا واعيا، وبين المتابعة كلحظة استجابة سريعة لما يحدث.. في هذا الاستطلاع، نحاول الاقتراب من هذه الفكرة، عبر آراء عدد من الكتاب والباحثين..

في سياق تصاعد الأحداث السياسية، وما تفرضه من تحولات على سلوك القارئ واتجاهاته نحو المعرفة، نتساءل بداية عن طبيعة الإقبال على الكتب السياسية، وحدود هذا الإقبال بين كونه استجابة عابرة للحدث أو تعبيرًا عن اشتغال أعمق على الفهم والتحليل.. وفي هذا الإطار، نسأل الباحث السعودي الأستاذ الدكتور معجب العدواني أستاذ النقد والنظرية بجامعة الملك سعود: ما الذي يكشفه الإقبال على الكتب السياسية (في أزمنة التصاعد السياسي) عن طبيعة العلاقة بين القارئ والمعرفة، وهل يعكس هذا التوجه اشتغالا نقديا يتجاوز لحظة الحدث، أم يظل في كثير من الأحيان ضمن استهلاك ثقافي مرتبط براهنية السياسة دون أن يعيد إنتاجها معرفيًا؟

يقول الأستاذ الدكتور معجب العدواني: يبدو أن للحروب وهجًا آخر غير ذلك الذي ينتج عن نيران أسلحتها، إنه وهج متابعتها والدخول إلى أجوائها، ذلك الذي يستهوي عامة الناس ونخبهم، وكأنه مشاركة غير معلنة، قد تمتد إلى امتداد غير محدود، يجتاز الأدبي إلى السياسي في موضوعه، ويراوح بين التقليدي كالصحافة أو التلفاز إلى الحديث في وسائل التواصل الجمعي في قنواته.. فأصوات الرصاص تستدعي في أذهان القراء فهمًا آخر للتلقي، وتؤكد نيران القنابل وشظاياها أنها لن تجعل القارئ ملزمًا بتلقيها بالطريقة نفسها، وهنا تكون تحولات القراءة خلال الحروب استجابة غير هامشية؛ تتحول به لتكون المختبر الحقيقي، الذي يكشف أن المعنى لم يعدْ في النص، لكنه يكمن في تلك المسافة الحية الواقعة بين النص والإنسان الذي يعيش معاناتها قرُب أم بعُد، وذلك مستوحى من القول: إن الحرب التي تدمر المدن وتبتهج بذلك، تسعى إلى تدمير الأفق الذي يقرأ به الإنسان العالم؛ لذا تتباين الأطروحات، وتتسع هوة الخلافات، فما كان قابلًا للاختلاف، أضحى منبعًا للخلاف، تتسع حدقات العيون، باحثة عن آفاق غير معتادة، تتناسب مع ما هو سائد، ومن ثم تتسع إمكانية قبولها لمن حولها، حتى تصبح العيون بعد الحرب غير العيون قبلها، ويتخذ التأويل الذي يُرسم عبره أفق التلقي انعطافة هائلة تنجح في إعادة رسمه، وتفلح في مزج تفاصيله، وكلما زادت حدة الحدث ازدادت حدة التوقف أمام فرضية الموت اليومي، فهل يجد القارئ نفسه أمام سؤال لم يطرحه النقد من قبل: هل للجمال حق الوجود حين يحترق العالم؟ كما يقترح أدورنو. أما الكتب السياسية فمستودع انطلاق تلك الإمكانات وموقع تدريبها، ومناط دعم الحجج في الكتابة في الوسائل الحديثة، وكلما كانت الكتب أكثر إثارة كان استعطافها لعدد المشاهدات أكبر، وكانت التعليقات الدارجة في اللعبة نفسها أغنى، ولو قاد ذلك إلى نسيان المهمة الرئيسة، ومع ذلك فقد يختار أحدهم أن يمارس موقفه السياسي بطريقته، في نشاط يتأبّى على الرد المباشر، على شظايا المشروع السياسي للحرب، ليُعيد فيه بناء ما انكسر من الذاكرة والهوية.

وصول إلى فهم أعمق

وفي امتداد هذا النقاش نحو المقاربة التاريخية يقربنا الباحث الدكتور علي بن سعيد الريامي رئيس قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس، من هذا التحول عبر رصد علاقة القارئ بالكتب التاريخية والسياسية في السياق العماني، وما يحدد توجهه نحوها في لحظات التصاعد السياسي بين الرغبة في الفهم أو الاكتفاء بمتابعة الحدث يقول الريامي: مع تصاعد الأحداث والأزمات الإقليمية والدولية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم طبيعية أو إنسانية ينتابنا الفضول لمعرفة جذور تلك الأزمات والمحركات التي تقف وراءها وذلك بهدف الوصول إلى فهم أعمق يمكن من خلاله استشراف النتائج التي يمكن أن تؤول إليها تلك الأحداث، ومدى أثرها علينا على المدى القريب والبعيد...وحتى لا نقع في شراك ما يقدم من أخبار آنية رغم أهميتها، وما يثار عبر منصات وشبكات التواصل المعلوماتي التي غدت تمتاز بشكل واضح بما يعرف بالإغراق المعلوماتي ـ وهو من التحديات المعاصرة مع ما يتم توليده عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي ـ تصبح الحاجة ماسة بل وضرورية وبالأخص للنخبة المثقفة الرجوع إلى الكتب المرجعية المهمة التي يمكن من خلالها فهم جذور تلك الأحداث والأزمات في سياقها التاريخي، فما نراه من تفاعلات ما هي إلا نتائج طفت على السطح. وللأسف الكثير منا يستعجل الحكم على ظاهر الأحداث دون الغوص في أعمقها وأبعادها الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية عند الاكتفاء بما يقدم عبر الأوعية المعلوماتية التي غالبا لا تتسم بالموضوعية ولا الحيادية، ولا تقدم معلومات موثوقة، بل وكثيرًا ما تقدم تضليلا ممنهجا للرأي العام، وتمرير سرديات مؤدلجة لخدمة أجندات وأهداف خاصة.

ويضيف الريامي: في تقديري تكشف الأزمات الحالية عن حاجة حقيقية إلى القراءة الجادة؛ لفهم الجذور البعيدة، واستيعاب السياقات التاريخية والفكرية التي أنتجتها، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب التاريخي والسياسي، إذ أعتقد أنه يفتح نافذة أوسع لفهم تشكل الصراعات، ومساراتها، ومآلاتها المحتملة.. ولا شك أن دوافع القراءة والبحث تزداد مع الأحداث السياسية ـ كما هو حاصل اليوم ـ وبالأخص لدى النخبة المثقفة على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم، والمهتمين بما يدور في العالم من أحداث، وبطبيعة الحال من المهم كذلك تقييم الكتاب، وإلى أي درجة يمكن الوثوق بما يقدمه الكاتب من معلومات، فمثلاً على الصعيد الشخصي عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية وانحياز دول حلف الناتو إلى جانب أوكرانيا خطر على بالي البحث عن كتاب ألكسندر دوغين: أسس الجيوبولتيكا ـ وبالمناسبة هذا الكتاب ليس وليد هذه الأزمة لكنه يجمع بين الرؤية المعاصرة والمعطيات التاريخية البعيدة ويستعرض نظريات كبار المفكرين في الجيوبوليتكا، وبالتالي يمكن من خلال قراءة متأنية فيه أن نستنبط جذور المشكلة والصراعات القائمة على أسس جيوسياسية وجيواقتصادية، وفي المقابل لفهم عقل الولايات المتحدة الأمريكية وتحركاتها على مستوى العالم وفرض هيمنتها كقوة أحادية القطب من المهم الرجوع إلى مذكرات الراحل هنري كسينجر وزير الخارجية الأسبق، وكتابه الآخر المهم: النظام العالمي: أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ، وكذلك كتاب وليم كار: أحجار على رقعة الشطرنج.

وفي مثال آخر لكي نفهم جذور الوجود اليهودي في فلسطين، والأطماع الصهيونية في عموم الوطن لقيت كتب المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري اهتمامًا واسعًا وطلبًا متزايدًا عليها مثل كتابه: من هم اليهود؟ وما هي اليهودية، وكتابه الآخر: تاريخ الفكر الصهيوني، بالإضافة إلى كتب لمفكرين يهود مثل إيلان بابيه، والمؤرخ موشي شارونو، نورمان فرانكشتاين.

وفي الحرب الأخيرة الصهيو-أمريكية مع إيران أجد أنها دفعت بالكثيرين منا للتعرف على بنية النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل الثورة وبعدها، وأصبحت كتب مثل: من بلاط الشاه إلى سجون الثورة لعالم الاجتماع والمؤرخ الإيراني إحسان نراغي أو كتاب نزعة التغريب لجلال آل أحمد حضورًا واسعًا في محركات البحث الإلكترونية.

ويختتم الدكتور علي الريامي حديثه بالتأكيد أنه من الطبيعي أن نتفاعل مع ما يدور من حولنا من أحداث وأزمات، وأن لا نسلم سريعًا بما نسمعه ونتلقاه، وإذا ما أردنا فهمًا تأصيليا للقضايا المعقدة، وجب البحث عن الأصول باعتبارها الأقرب من حيث الموثوقية والحيادية بعيدًا عن ساحات السجال السطحية.

أدوات لفهم الكيفية

وإذا كان هذا السؤال يفتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين القارئ والمعرفة في لحظات التوتر السياسي، فإن زاوية أخرى من هذا التحول تتصل بسلوك القارئ ذاته، وحدود انتقاله من متابعة الخبر إلى البحث عن معنى يتجاوزه، وفي هذا السياق تتحدث الكاتبة والصحفية الدكتورة إيمان الحمود، الإعلامية السعودية المقيمة في فرنسا، والتي تعمل في إذاعة مونت كارلو الدولية، عن هذا التحول في سلوك القارئ في لحظات التصاعد السياسي، وما الذي يدفعه ـ في بعض الحالات ـ إلى مغادرة متابعة الأخبار نحو الكتاب، تقول إيمان الحمود: في حالات التصاعد أو دعنا نسميها الاضطرابات السياسية، يبرز بشكل لا إرادي سلوك مختلف عند القارئ، مدفوع بعدة عوامل لعل أبرزها حالة التشبع الإخباري التي تتسبب بها كل تلك النشرات والبرامج السياسية التي تبث على مدار الساعة، والتي قد تكون مفيدة بطبيعة الحال، كونها تعمل على سد فراغ «الحاجة إلى المعلومة» لكنها معلومة ناقصة تاريخيًّا وفكريًّا وفلسفيًّا، لذا يعمد القارئ الجاد إلى البحث عن ضالته في كتب التاريخ، وكتب الفلسفة السياسية، وحتى الروايات العالمية التي تحاكي الواقع السياسي والاجتماعي الحالي وإن كانت تنتمي إلى مجتمع آخر وحضارة مغايرة وسياق زمني مختلف.

وتضيف الحمود: التنوع في مثل هذا المجال من السلوك المعرفي، يخلق مستوى مختلف من الإدراك لدى القارئ، فهو يسمح له بتنويع أدواته لفهم الكيفية التي تدار بها الأزمات، فضلا عن تكوين رأي مستقل قد يبتعد إلى حد كبير عن الآراء أو الأفكار التي تتكرر بشكل شبه يومي عبر القنوات الإخبارية، كما يتيح له توفير مساحة أكبر لتحليل كل تلك المعلومات التي تصل إليه والبناء عليها بشكل دقيق، مما سيساعده حتمًا في تطوير مهارات الاتصال والتواصل عند طرح مواضيع الساحة السياسية خلال الحياة اليومية.

القراءة في كل وقت

وفي مقاربة تنطلق من رصد المشهد الثقافي المحلي، يتناول الكاتب هلال البادي هذا التحول من خلال تتبع اهتمام القارئ في سلطنة عمان بالكتب السياسية في ظل تسارع الأحداث، وما يتداخل في تشكيل هذا الاهتمام من عوامل تتصل بالوعي وتوفر المحتوى وطبيعة العلاقة بين الخبر اليومي والكتاب، ويقول: بطبيعة الحال فإن القراءة أمر ضروري في كل الأحوال لفهم الواقع والحياة بشكل عام، القراءة ليست عملا ترفيهيا أو عارضا يمكن التغاضي عنه، بل عمل مهم في سياق الحياة مجملا، ولا أتخيل شخصيا أن الإنسان الذي يسعى لتشكيل وعي تغاضيه عن القراءة، فالوعي لا يتشكل بالخبرات الحياتية اليومية والأحداث العابرة، لكن يتشكل من خلال الرصد والتحليل والقراءة المتعمقة للتاريخ وللجغرافيا، وللفلسفة وللسياسة وللاقتصاد، وحتى للتقنية... وحتى أولئك الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة عليهم القراءة، إذ كيف تتشكل نظريتهم بشكل صحيح بلا قراءة؟ في كل الأحوال تنهار نظريات المؤامرة مع أول نقاش معمق مع هؤلاء الذين يستقون مقولاتهم من السماع أو وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يمكن لها تقديم أشكال حقيقية من الوعي والفهم لما يحدث، إلا في إطار كونها أدوات سلبية تسعى إلى خلخلة الذات من خلال إحداث الشروخ أو تعميق الهوة بين الناس.. وبالطبع ونحن نشاهد ما يحدث اليوم ولنفهم ما يحدث بشكل أكثر عمقا فإنّ العودة إلى التاريخ تحديدا وإلى المدونات الاقتصادية أمر ضروري جدا، والأمر المهم في نظري ليس القراءة وحدها، فهناك من يقرأون لكن دون فهم، لكن المهم القراءة والقدرة التحليلية والربط وطرح الأسئلة المناسبة في كل حالة... فطرح الأسئلة بحد ذاته يجعلنا نبحث عن الإجابات، والإجابات لا يمتلكها محللو القنوات الفضائية، بل تكمن في الطيات الخافية العميقة من القراءات المتعددة، ساعتها يمكن الحصول على نظريات مناسبة للوضع الحالي.

اتجاهات القارئ

وفي سياق التأكيد على المسار من زاوية تاريخية موازية تتناول الباحثة نجلاء بنت خلفان المانعي هذا التحول من خلال علاقتها برصد توجهات القارئ نحو الكتب ذات الطابع التاريخي والسياسي، وما يعكسه ذلك من حضور لفكرة الجذور والسياقات في مقابل الاكتفاء بتفسير اللحظة الراهنة حيث تقول المانعية: من وجهة نظري كباحثة في التاريخ فإنني أرى أن الرجوع إلى الكتب التاريخية والسياسية أمر مُهم؛ بحثًا عن مفاتيح تُعين القارئ على فهم ما يحدث في الحاضر من خلال استحضار الماضي.. وإن الرجوع إلى هذا النوع من الكُتب لم يأت من فراغ وإنما جاء بعد الإدراك الضمني أن الأحداث السياسية الراهنة لم تُكن وليدة اللحظة أو بمعزلٍ عن الأحداث التاريخية السابقة، بل إنها نتاج تاريخي مُـتراكم متأثرة بالعوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وعليه فإن القراءة في التاريخ سواء كان في الجانب التاريخي البحت أم الجانب السياسي قد أصبح ضرورة لربط ما يقع من أحداث في الوقت الحاضر بالسياقات الأعمق، وتتبع جذور هذه القضايا عِوضًا عن الاكتفاء بالنظرة السطحية لهذه الأحداث.. وبالرغم مما تقدم إلا أنني أتسائل بشكل خاص عمّا إذا كان هذا السلوك القرائي قد أتى من رغبة مُلحة في فهم الأحداث بشكل أعمق، أم أنّه مُجرد رغبة لحظية في التحليل السريع للأحداث الجارية؟ .. من وجهة نظري أستطيع القول إن السلوك القرائي يتفرّع إلى اتجاهين الأول قائم على فهم التاريخ باعتباره أداة تحليلية تُساعد القارئ على التأني في فهم ما يدور من أحداث راهنة تستدعي الرجوع إلى المقارنات والتركيز على الأسباب والنتائج، ويُسهم هذا الاتجاه في بناء وعي نقدي متماسك، في حين أن الاتجاه الثاني قد يتعامل مع الكتب التاريخية والسياسية باعتبارها أداة سهلة يرجع القارئ إليها ليفهم بشكل أسرع دون التعمق في التفاصيل.

وتختتم الباحثة نجلاء المانعي حديثها بالتأكيد على أن الوعي القرائي والرجوع إلى هذا النوع من الكتب أمر مهم ولكن ينبغي أن يكون متكامل مع المنهجية الصحيحة المُتبعة في التحليل والتفسير؛ فالتاريخ باعتباره علمًا لا يعتمد فقط على سرد الأحداث التاريخية وإنما يتعدى ذلك فهو قائم على التحليل والنقد والموازنة من مصادر مختلفة؛ إذ لا ينبغي على القارئ الاستناد إلى مرجع واحد وإنما يجب عليه الاستناد على أكثر من مصدر وبطريقة واعية؛ للحصول على الفائدة المرجوة، فالمُجتمع الذي يمتلك رصيد تاريخي وتجربة متوازنة لا بُد له من تعزيز القراءة الواعية في جوانبه التاريخية والسياسية بالتزامن من الكم المعلوماتي الهائل في ظل الانفتاح الإعلامي، وأن العودة إلى هذا النوع من الكُتب يُمثل فرصة حقيقية لفهم أعمق لمثل هذه الأحداث.

من الصمت إلى دائرة الاهتمام

وفي مقاربة تتصل ببنية الوعي الثقافي وعلاقة القارئ بالكتاب في لحظات التحول، يطرح الدكتور فيصل الأحمر، الكاتب والإعلامي والأكاديمي الجزائري، هذه المسألة من زاوية حضور الكتاب في وعي القارئ عند تسارع الأحداث السياسية، وما يحدّد هذا الحضور بين البحث عن أفق أوسع للفهم أو البقاء ضمن حدود التفاعل مع الحدث، ويقول «الأحمر»: إن كل مؤشرات دور النشر والمصالح المهتمة بالإحصاء وما ماثل ذلك تدل على أن الأحداث السياسية (والتاريخية عموما) مُسيّر مهم لفعل القراءة وموجه أساسي للكتاب تأليفا وقراءة. فكلما طفا على الساحة حدث أو ظاهرة أو جماعة تخرج من هامش الصمت إلى دائرة الاهتمام بسبب مستجد سياسي أو مجتمعي ما، كان الاهتمام به مباشرا على لوائح طلبيات المكتبات ومواقع المكتبيين والمؤثّرين، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تروج للكتب.. يبقى أنّه علينا البتّ في مسألة مهمّة هي ظهور أطياف متنوعة «للمواطن العالمي» في العصر الرقمي. وأهمها وأكثرها عددا هو المواطن الذي يعوّل على الإنترنت لكي يصنع موقفا، أو لكي يتعرّف على الجديد أو لكي يرتاح لوجهة نظر داخل تلك الأنهار والسيول الكثيرة من الرؤى المتضاربة، ومن وجهات النظر المغلوطة، ومن الأكاذيب التي أصبح أصحابها يسمونها بتسمية هي وليدة زمننا «الحقيقة البديلة the alternative truth» .. إنها الوجه المناقض للحقيقة التي تعودنا على كونها واحدة ظاهرة ساطعة تتحدى العقل والمراجعة، وتقاوم التاريخ والبشر.

ويضيف «الأحمر»: الأمر في رأيي يدعو للتفاؤل أكثر مما يدعو للهلع؛ فأنا شخصيا أرى أن العودة القوية للكتب في هذه المراحل الحرجة المتأزمة هي مؤشر حسن جدا، وأن الذين يطلبون حقائقهم داخل الكتب هم مسيرو الرأي، هم أصحاب الرأي الغالب. هم المسؤولون وصانعو القرار والإعلاميون المحترمون والمؤثرون الجادون ممن يقيمون وزنا لأنفسهم ولكلامهم ويشعرون بمسؤولية «الحقيقة» كهدف أسمى لعمل الإعلام والتأثير المجتمعي. هم المتكلمون الفحول، كما تقول العرب... لكن لو سألنا لماذا يطلب هؤلاء المعوّل عليهم حقائقهم داخل الكتب؟ في الحقيقة لأنها أقوى، وأعمق وأكثر تؤدة وهدوءا وترتيبا، ولكونها أوسع حجة وأشمل استقصاء، وبسبب تشكّلها بمعزل عن «الحقائق البديلة» التي لا تتماشى مع الكتاب؛ بسبب طابعها الطارئ الذي يتناسب جيدا مع «بلاطوهات» الجدل الإعلامي الصاخب الذي لا يتسع كثيرا للتمحيص، وكذا مع الفيديوهات القصيرة الصاخبة الساطعة وقصيرة الأمد في التجربة العقلية للبشر.

تورط لا إرادي

وفي مقاربة تنفتح على علاقة القارئ بالنص في لحظات التوتر، يتناول الدكتور إيهاب النجدي، الكاتب والأكاديمي المصري، هذا التحول من زاوية تفاعل القارئ مع الكتاب السياسي عند تصاعد الأحداث، وما يحدّد هذا التفاعل بين السعي إلى الفهم أو البقاء في حدود التلقي المرتبط باللحظة، ويقول: على الرغم من تلاحق الوقائع، والتحامها بتوجهات شديدة العنصرية والتطرف، وفي ظل تصاعد المواجهات العنيفة، والقصف العابر للحدود والمنطق والجغرافيا، فإن القارئ المعاصر ـ وأقصد المتمرس منه في فعل القراءة ـ يجد نفسه متورطا في السياسة بالفعل، أو بالقوة بحسب تعبير المناطقة، وبحسب الأثر الذي يجتاح وقته وشؤون حياته، وعلاقاته بالآخرين... فينتج عن ذلك كله، تحولات ـ تبدو اضطرارية ـ في السلوك القرائي، ربما تتمثل في: استنزاف الصورة، من خلال متابعة حثيثة للأحداث، والتنقل بين مصادر الأخبار وقنواتها، ويستهلك ذلك وقتا وجهدا غير محسوب أحيانا، بل يضحى قارئا بصريا بامتياز، يقع أسيرا في قفص النشرات والموجز، والبثوث المباشرة، والمقاطع المصورة، تهيمن الصورة وخطابها، وتتحقق بأعلى درجة ملاحظة «أبل جانس» قبل مائة عام وتحديدا في 1926م، حين قال: «لقد أقبل عصر الصورة»، وكأنه إنذار وتبشير في آن، وعلى أثر ذلك أيضا، تتراجع القراءة المتأنية المتعمقة، وينفر القراء من التحليلات المطولة، والسرديات المفصلة، ولا تثريب عليهم، فهم في أتون الأحداث، والواقع الضاغط لا يستطيع المرء مهما كان الفكاك منه، والتحليل والفهم المتأني يتطلب مسافة زمانية، بعد تعذر المسافة المكانية، والمسافة شرط من شروط الرؤية الصحيحة لدى الباحثين المدققين، في حين أن حضور التاريخ، والقراءات التاريخية، بحثا عن مرجعيات الحدث، وجذور الصراع، إضافة إلى بروز العاطفة، والعاطفة الوطنية بالتحديد، كونها صورة من صور الدفاع الذاتي، فهذه الحرب، على الرغم من وضوح آثارها المادية على الإنسان والعمران، فإنها في البدء صدام إرادات ونزعات، وصراع أفكار وثقافات تجسد على الأرض عمرانا يُدمر وأرواحا تزهق، ويذهب مفكر معاصر هو توماس باترسون إلى أن الغرب اختلق فكرة «الحضارة» عنده، بهدف تأكيد التمييز بينه (جنس أبيض متحضر) وبين بقية أجناس العالم، وليبرر حملاته الاستعمارية العدوانية ضد الشعوب الأخرى. والقارئ المتعمق يرى أن الحرب الحديثة صناعة غربية بامتياز، وقبل أكثر من قرن نعى الشاعر حافظ إبراهيم حضارة الغرب في نصه «لا هُمَّ! إن الغرب أصبح شُعلةً.. الخ».

الفهم في السياقات الأوسع

ومن زاوية تربط القراءة بالتجربة الثقافية والإعلامية، يقدّم الكاتب ومقدم البرامج الفلسطيني عارف حجاوي رؤيته حول علاقة القارئ بالتاريخ ودوره في إضاءة الحاضر، مشيرًا إلى أن العودة إلى الكتب، إلى جانب الوسائط الحديثة، تظل جزءًا من محاولة فهم ما يجري في سياقاته الأوسع، ويقول: أعتقد أن هذا يساعد من يعرف التاريخ جيدًا، وأتصور أنه يمنحه قدرة على فهم الحاضر إلى حد ما، وهناك كتاب أنصح به دائمًا، وهو «العالم العربي منذ الفتوحات العثمانية» من عام 1516 إلى القرن العشرين، للباحث يوجين روغان، وقد تُرجم إلى العربية، وهو عمل مهم يتناول تاريخ المنطقة خلال نحو خمسمائة عام، من الجزائر إلى عمان، وهو ما يمنح القارئ صورة واسعة تساعده على قراءة ما يحدث اليوم، نعم، فهم الخليج مثلًا منذ الاستعمار البرتغالي لمناطق عديدة فيه، مرورًا بالمحميات، وصولًا إلى الاستقلال، كل هذا التاريخ ينير الحاضر ويمنحه قدرًا من الوضوح، ويتيح أيضًا استشراف بعض ملامح المستقبل وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال ما تقدمه الوسائط الحديثة، فهناك وثائقيات مهمة تُنتج اليوم وتقدم معرفة مفيدة، وقد شاهدت مؤخرًا فيلمًا عن «دنغ شياو بينغ» ودوره في التحول الذي شهدته الصين، وهو مثال على كيف يمكن للمواد البصرية أن تسهم في الفهم، إلى جانب الكتاب الذي يبقى مساحة أوسع للتأمل والتعمق.