No Image
ثقافة

البحث عن "مولانا" مجددًا

18 أبريل 2026
18 أبريل 2026

إيهاب الملاح -

(1)

«إذا أردت أن تنظر إلى مركز العالم..

فعليك أن تنظر إلى ذاتك»

(مولانا جلال الدين الرومي)

يبدو أن جاذبية نصوص مولانا جلال الدين الرومي وحضوره التاريخي والصوفي والإبداعي، ما زالت مستمرة ومتجددة، وقادرة على اجتذاب القراء والمتابعين في جميع أنحاء العالم وفي القلب منه عالمنا العربي.

ما يزيد على العقد ونصف العقد واسم جلال الدين الرومي (604-672هـ) -تلك الشخصية الصوفية الأسطورية، صاحب «المثنوي» و«الغزليات» و«المختارات»، وغيرها من روائع الشعر الإنساني على مر العصور-يتردد في جنبات عالمنا العربي من مشرقه إلى مغربه ومن محيطه إلى خليجه.

لا أقصد طبعا أنه كان غائبا عن الحضور أو متواريا في تاريخ الثقافة والفكر الصوفي ودوائر البحث في حقول معرفية متعددة ومتباينة، إنما أقصد تحديدا ما أسميه "الانجذاب الرومي" أو "غواية مولانا" التي يمكن التأريخ لها والإشارة إليها مع صدور رواية «قواعد العشق الأربعون» للتركية إليف شافاك، عام 2010، ثم ترجماتها إلى أغلب لغات الدنيا خلال السنوات التالية (2010-2015)، ومن ضمنها العربية..

(2)

بسبب الرواج الكبير وغير المسبوق والمدهش أيضا لرواية «قواعد العشق الأربعون» للتركية أليف شافاق، وفي غضون ثلاث سنوات أصبح اسم مولانا جلال الدين الرومي من الأسماء التي حققت أرقاما خيالية في طلب البحث عنها على محرك البحث الشهير "جوجل"، راح الناس يسألون ويبحثون عن الرجل وعن منهجه في التصوف وأقواله ومراتب النظر وسلوك الطريق في تجربته، كتبه ومؤلفاته.. إلخ.

وليت الأمر اقتصر على محركات البحث عن الشخصية التاريخية ومكانتها إنما تجاوز ذلك إلى انفجار سردي على مستوى العالم العربي (على الأقل فيما رصدته خلال تلك السنوات) لعشرات الأعمال (ربما المئات) التي استلهمت إبداعا أو احتذاء أو تقليدا سيرة الرومي أو تفصيلة عابرة أو شخصية هامشية في سيرته.. إلخ ما صدر من أعمال روائية وتخييلية عن مولانا جلال الدين الرومي.

ولم تكن مصادفة خلال هذا الدوي الصاخب حول شخصية المتصوف الرومي، أن تكون كتب جلال الدين الرومي المترجمة إلى العربية سابقا (أي قبل صدور رواية إليف شافاك) من أكثر الكتاب رواجا ومبيعا، وهو ما رصدته بنفسي في تلك السنوات، إذ أعاد المركز القومي للترجمة (بالقاهرة)، طبع موسوعته الصوفية الكبرى «المثنوي» في ستة مجلدات، كما أصدر المركز أيضا طبعة جديدة من ديوانه «مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي» بعد نفاد الطبعات السابقة..

ورغم مرور ما يزيد على عشر سنوات كاملة ربما على صدور آخر طبعات «المثنوي» عن المركز القومي للترجمة، وازدياد الطلب عليها خلال تلك السنوات، نجحت دار آفاق للنشر والتوزيع في الحصول على حقوق الترجمة العربية بتوقيع المرحوم إبراهيم الدسوقي شتا للنص الأهم والأكبر والأشهر لجلال الدين الرومي، وأعادت إصدار «المثنوي» في طبعة فخمة أنيقة تقع في ستة أجزاء (هكذا اعتمدت التقسيم بدلا من المجلدات) بعد تحريرها وتنقيحها ومراجعتها وتصويب ما وقع في الطبعات السابقة من الأخطاء، أو كما تشير كلمة الغلاف التي كتبها محرر الدار "طبعة «المثنوي» الشرعية الوحيدة، التامة، الخالية من الأخطاء، في 6 مجلدات كاملة. عمل لا غنى عنه لقراء ومريدي ومحبي مولانا جلال الدين الرومي".

(3)

كان ميدان التصوف الإسلامي من أرحب الميادين وأثراها وأكثرها أصالة وعمقا التي تجلت فيها إسهامات التبادل الثقافي الفذ بين العرب وغير العرب تحت مظلة الإسلام في أروع صورها، فقد ظل التأثير والتأثر بين العرب وغيرهم من الأجناس والأمم التي دخلت الإسلام (التصوف الإسلامي العربي والتصوف الإسلامي الفارسي على سبيل المثال) ظل سائدا منذ القرن الأول الهجري وحتى القرون المتأخرة في صورة تبادل مستمر. وقامت العوامل السياسية والثقافات المحلية بدورها على أكمل وجه في ظل هذا التبادل الحضاري المشرق.

وفي ظني، فقد كان مولانا جلال الدين الرومي نموذجًا مشرقًا ومثالًا فذًّا على هذا الامتزاج والتلاقح والتثاقف؛ ما جعله على رأس تيار عريض في التصوف، وعدّ قطبًا من أقطاب التّصوف الإسلامي، وإليه تُنسب الطريقة المولوية الشهيرة، وإن كان لا يخصّ طريقة دون أخرى بخطابه وتعاليمه، باعتباره خطابا إنسانا كونيا يتجاوز كل الطرق والبناءات المذهبية والدينية، وكذلك الأعراق؛ فقد تنازعه أهل إيران والأفغان باعتبار أصله "البلخي"، ولسان ديوانه ومثنويه الفارسية، والأتراك باعتبار مقامه في قونية، والعرب باعتباره إرثًا إسلاميًّا!

إلى هذا الحد جسدت تجربة الرومي الروحية وأفكاره وتصوراته النابذة للكراهية والتنازع ورفض العنف تحت أي ذريعة، والدعوة إلى الحب وقبول الآخر.. ربما وبسبب إنسانية نزعته، وعالمية دعوته أصبح ثمة إجماع على أنه بالفعل أصبح أحد أهم وأكبر شخصيات التصوف الإسلامي في تاريخه على الإطلاق، وأعظم صوفية المشرق بلا منازع.

ومن الطريف أن نشير هنا إلى أنه وبسبب مساعي إيران وتركيا لتسجيل ديوان «المثنوي» للرومي ضمن تراثهما الثقافي المشترك في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، فإن أفغانستان قد أعلنت غضبها ورفضها هذه المساعي، واحتجت أفغانستان أمام اليونسكو قائلة إن الرومي ولد في أفغانستان منذ أكثر من ثمانية قرون!!

(4)

كان الرومي أهم من تحدثوا عن "وحدة الوجود" في جميع الأزمنة والعصور، بدأ فقيها جلس على بساط الفتوى في قونية إحدى مدن آسيا الصغرى (تركيا الآن)، ولكن لقاءه مع شيخه شمس الدين التبريزي غيّر مجرى حياته (تتلمذ عليه ثلاث سنوات متتالية) وإلى الأبد.

كانت نقطة التحول الحاسمة في حياته تلك التي تجسدت في لقائه بذلك المتصوف الغامض الذي ظهر كالبرق الخاطف، وومض برهة في حياة جلال الدين الرومي، ثم اختفى فجأة وبسرعة خاطفة أيضًا، ولكن بعد أن ترك جلال الدين على حالٍ غير التي كان عليها وبعد أن فتح له الباب أمام عالم آخر من المعرفة والذوق وفجر فيه كل هذه الينابيع المتدفقة من المحبة الصادقة والحماسة الجارفة والشوق العارم والتحرق للقاء المحبوب ويعبر عن كل ذلك في إبداعات رائقة خالدة.

وإذا كان الأصل في الفن الإمتاع، فإنه إذا تجاوز الإمتاع إلى الإفادة والحض على النظر والبحث عن إجابات للأسئلة التي طرحها فإنه يكون قد علا إلى آفاق رائعة، وهذا ما تجسد كاملا غير منقوص في كل ما كتب جلال الدين الرومي، ووصلنا من إبداعاته الرائعة، وباتت مختاراته وعباراته القصار وترجمات أبياته الغزلية من الرواج والانتشار على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بما يغري بدراسة مثيرة وشائقة عن العلاقة بين آليات التواصل والتقدم المذهل في تكنولوجيا الاتصالات وبين إعادة استدعاء التراث الأدب وانتشاره بين قطاعات واسعة من الجمهور.

وعلى أية حال، بدا من الواضح أن تأثير شمس الدين في الرومي لم يكن "علميا" بقدر ما كان "روحيا"، وأن عبقرية جلال الدين لم تتحقق لأنه أتى بالجديد الذي لم يُطرق في ميدان التصوف، بل لأنه عبّر عن تجاربه ومواجده ومطارحاته بوجد رهيف وذوبان في العشق ولغة شعرية يندر مثيلها، ستتجسد جلية للعيان في عمليه الكبيرين «المثنوي» (صدرت ترجمته العربية التي قام بها المرحوم إبراهيم الدسوقي شتا في ستة مجلدات)، وديوان غزلياته الفذ الذي سماه باسم أستاذه «ديوان شمس الدين التبريزي»، وصدرت ترجمته العربية في مجلدين قيمين عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة بعنوان «مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي لمولانا جلال الدين الرومي»، واضطلع بالترجمة أيضا المرحوم إبراهيم الدسوقي شتا، أحد رواد الدراسات الشرقية..