عماد أبو صالح يستدعي لوركا في ملابس خليفة عربي
حين أصدر الشاعر المصري عماد أبو صالح كتابه "مهندس العالم" كان في ذهنه أنه كتاب نصوص مفتوحة، لكن الجميع تقريباً قرأه كديوان شعر، فمشكلة عماد، أو قل تميُّزه، أنه لا يغادر الشعر حتى لو تصدى لكتابة مقال عادي حول ظاهرة واقعية.
كل كلمة، كل جملة، وكل فقرة. كل علامة ترقيم، أو حتى تكرار، أو إطناب، تبدو كأنها نغمة في سلم موسيقي. لهذا السبب فإن الكتابة عن عماد صعبة للغاية، فثمة مسافة بين لغة الصحافة ولغته، بإمكانك ترجمة ما يكتبه إلى فقرات بلغتك لكنك ستضيِّع على القراء إمكانية تذوق الحلوى معك.
لماذا أكتب هذه الكلمات وأنا أتصدى لقراءة كتابه الأخير "أخي لوركا"؟ ببساطة لأنه عملٌ مكتوب كذلك بلغة الشعر. لو كنت قريباً من عماد ستجده يردد دوماً عدة أسماء لشعراء، يعتبرهم أساتذته، أو أخوته، منهم آرثر رامبو، قسطنطين كفافيس، وأمل دنقل، وطبعاً فيدريكو جارسيا لوركا. ألهمته حكاية الشاعر الإسباني، الذي غدر به انقلاب فرانكو، لكن كتابتها احتاجت منه التفكير والبحث وجمع القصاصة إلى جوار القصاصة والاقتباس إلى جوار الاقتباس لسنوات طويلة، حتى شعر بأن في يده مادة جديدة، عن شاعر كُتِبت عنه عشرات الكتب، وألهمت سيرته مخرجي السينما والفنانين التشكيليين. صار بإمكانه أن يرد إلى الشاعر ديناً ألزم نفسه به باعتباره شريكه في الإنسانية والشعر، كأنه يقول له: "تألمت لألمك يا أخي لوركا".
يكتب عماد في أول الكتاب: "حين أطلقت كتائب فرانكو الرصاص على لوركا، كان شقيقه فرانسيسكو يعمل في سفارة إسبانيا بالقاهرة. لو أنني حيٌّ في ذلك الزمن، لو أنني عرفت وقتها، لزُرتُه وقدمت إليه العزاء. لا بد أنني كنت سأبكي على كتفه حتى يختلط الأمر على مَن يرانا: أنا أم هو شقيقُ الشاعر القتيل".
يدخلُ عماد ويُدخِلنا معه إلى حلبة الفجيعة مباشرة، حيث طُلِب من لوركا السير وهو يعلم أن الموت يتربص به من فوهات بنادق القتلة. ماذا يمكن أن يكون أقسى من لحظة إهدار دم شاعر، لم يقترف ذنباً إلا الجهر بمحبته لجميع البشر بغض النظر عن ألوانهم ومعتقداتهم: "أنا أخو الجميع، وأنفر من الشخص الذي يضحي بنفسه لأجل فكرة قومية مجردة، لا لشيء إلا لأنه متعصب أعمى لوطنه. الصيني الجيد أقرب إليَّ من الإسباني السيِّئ. أنا أغني لإسبانيا وأشعر بها حتى النخاع، ولكنني قبل هذا إنسان من العالم وأخو الجميع، ولا أؤمن بالحدود السياسية".
يروي عماد واقعة الإعدام: "منتصف ليل 18 أغسطس 1936، اقتاده القتلة إلى إحدى الخرائب، وأمروه بأن يركض إلى الأمام في خط مستقيم. أطاع، دائماً كان مطيعاً. ركض عشرين متراً تقريباً بصورة تثير الشفقة. يقول قائد عملية العار هذه: استأنف الركض وذراعاه تهتزان ورأسه يتداعى كأنه تمثال لا حياة فيه، وأصدرتُ أمري: نار. أطلق الرجال في الظهر، فسقط هامداً مثل أرنب".
يمهِّد عماد للسيرة من ذروتها، ولا أقول نهايتها، فقد صار لوركا حياً في ضمير الناس. "يطلع من الموت مع كل طلعة شمس". حكايته نفسها تبدو أقرب إلى سيرة ولي عربي. لقد نبشوا عشرات القبور في المنطقة القريبة من غرناطة والواقعة بين فيثنار وألفاكار، حيث أُعدِم لكنهم لم يجدوا رفاته.
وربما اختار عماد أن يبدأ من تلك الذروة ليتخلص من حصار ذلك المشهد الوحشي لروحه، خاصة وهو يفكر كلما قفز لوركا إلى ذهنه: كان بالإمكان عدم إهدار دمه. هل مثَّل هذا الشاب المبتسم والمحب للحياة خطراً على جنرالات فرانكو؟ لم يكن حتى محباً للسياسة، ولم يتورط حزبياً، ولذلك فإن أسوأ ما في قصته إهدار دمه مجاناً.
يورد عماد ما كتبه صديقه سلفادور دالي، في "يوميات عبقري"، حيث يوجِّه شتائمه لمن لا يرون أن مصرع لوركا مجرد قتل مجاني: "هذه حقارة، لأنهم يعرفون تماماً، مثلما أعرف أنا، أن لوركا كان في جوهره أكثر شخص ابتعاداً عن السياسة على وجه الأرض. لوركا لم يمت كرمز لأيديولوجيا سياسية مختلقة، مات كضحية استرضائية للجموع بسبب الفوضى الثورية".
كان لوركا يعرف أن الموت يربض أسفل سريره. يورد عماد مقطعاً آخر لدالي: "كان يتكلم عن موته خمس مرات في اليوم على الأقل. كان لا يستطيع الذهاب إلى النوم ليلاً إلا إذا وضعته مجموعة منا في السرير، وحتى في السرير كان يطيل الحديث عن الشعر الذي ينتهي غالباً بمناقشة الموت، خاصة موته. كان يغنِّي ويمثِّل بحركاته كل ما يتحدث عنه، وبشكل خاص حديثه عن موته. كان يقول: انظر، هكذا سأبدو حين أموت، ثم يرقص رقصة أفقية يعرض فيها حركة جسده أثناء الدفن، وانزلاق تابوته إلى القبر".
ليس هذا فحسب. لقد تنبأ بموته بل وباختفاء رفاته إلى الأبد. يقول:
"بحثوا في المقاهي والمقابر والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
حطموا ثلاثة هياكل عظمية لينتزعوا أسنانها الذهبية
ولم يعثروا عليَّ.
عثروا عليَّ؟
لا، لم يعثروا عليَّ".
كتب عماد إذن أصعب مشهد في السيرة. صحيح أنه آلمنا من أول صفحة، إلا أنه جذب انتباهنا فصرنا على استعداد لتقبل أي حكاية أخرى، فلن تكون بتلك القسوة. انتقل بنا من محبته للعرب، إلى صداقاته، إلى نظرية الدويندي التي ابتكرها للتعبير عن ذروة الفن، أي فن، تلك الذروة التي لا تتكرر في حياة فنان عظيم سوى مرة أو مرتين، لكنني أريد فقط أن أتوقف أمام حبه للعرب، فكل فكرة أخرى في الكتاب تحتاج إلى مقال بمفردها.
يسأل عماد: "لماذا نحب لوركا؟ أو، على الأصح، لماذا يجدر بالعرب تحديداً - أن يحبوا لوركا؟"
ويجيب: "لأنه أحبهم ودافع عن ثقافتهم التي تتعرض لرجم متواصل بأيدي أعدائها ونخبة معتبرة من أبنائها. كان يفتش عن الثقافة العربية منذ صغره، رغم التاريخ الإسباني الطويل في محوها فور سقوط غرناطة. في كتابها "ذكرياتي"، تقول شقيقته إيزابيل: "كان فيدريكو يرتدي ملابس عربية ويتنقل بين السطوح مما يتسبب في ذهول الجارات وخوفهن.
إن ارتداء الملابس العربية كان يثير عدم الارتياح بين الجيران، وكان العبور بين البيوت في إقليم الأندلس سهلاً، كما هو الحال أيضاً بين البيوت العربية، وكان فيدريكو يرتدي العمامة ويضع شارباً، ويتظاهر بأنه يتكلم العربية، ويقفز بين سطوح الجيران، فيتسبب في خوف جاراتنا، إلا أنه سرعان ما يخلع الزي العربي.
في إحدى المرات أغمي على إحداهن ونُقلت إلى المستشفى، ولا أزال أتذكر الانتقادات التي تلقاها فيدريكو جراء هذه المزحة، وكانت أمي وخالتي إيزابيل تضحكان حتى الموت عندما تتذكران ما حدث".
يقول عماد إن ما ترويه إيزابيل لم يكن مجرد "شقاوة صبيان". كان إحساساً باكراً بتأثير الثقافة العربية الإسلامية في الوجدان الإسباني، ما بين القبول والنبذ، والإعجاب والرعب. يقول نيرودا في مذكراته، إن لوركا "كان نتاجاً عربياً - أندلسياً ينير ويفوح مثل أيكة ياسمين على مسرح إسبانيا". ويذكر أنه تعلم منه حين زار بوينس أيرس سنة 1933 لعبة "أل أليمون" التي كان يمارسها أيام طفولته في الأندلس، وهي نفسها "على الليمون" في اللغة العربية.
وبحسب أبو صالح يستمر هذا الانجذاب للحضارة الأندلسية منذ طفولة لوركا وحتى آخر حياته، ويلفت إلى صورة نادرة يرتدي فيها جلبابًا أبيض وعمامة عربية بيضاء أثناء إقامته في "بيت الطلبة" في مدريد سنتي 1924- 1925، وأهدى نسخًا منها إلى عائلته وأصدقائه. يقول في إهداء إحداها: "أبدو كبدوي أو حادي إبِل في الحكايات العربية".
يدلل عماد في مواضع كثيرة على محبة لوركا الكبيرة للعرب. يصوِّره المستعرب رودولفو خيل بن أمية في حوار أجراه مع لوركا ونشرته "الجريدة الأدبية" منتصف يناير 1931، بأنه كان يلبس الملابس نفسها، ويتجول كأنه "خليفة".
وحسب ليزلي ستينتون في كتابها "لوركا- حلم الحياة"؛ انتابه الغضب حين رأى المهندسين المعماريين و"تجار النفايات" يغيِّرون غرناطة من الطابع الريفي إلى مركز حضري صاخب ممتلئ بالسيارات والبنوك والمباني السكنية والطرق. حاول مع أصدقائه الحفاظ على تراث المدينة عبر بناء نصب تذكاري للعباقرة العرب في الماضي، الذين وصفهم بأنهم "المخزون الغرناطي الخام"، لكن المشروع لم يتحقق أبداً.
ويقول إيان جيبسون في كتابه "غرناطة لوركا"، إن لوركا زار منطقة "البشرات" جنوب غرناطة سنة 1926، ووجد هناك مجموعة من العرب، استطاعت الصمود في مواجهة الإبادة، واحتفظت بعاداتها ونقائها العرقي. كتب رسالة لشقيقه فرانسيسكو يقول له بفرح: "رأيت امرأة تشبه ملكة سبأ تغربل الحنطة عن الذرة، وطفلاً ملكياً يتنكر في زي ابن حلاق".
وبحسب عماد يحصي محمود صبح، في كتابه "المواضيع والألفاظ العربية في أعمال لوركا الأدبية"، كلمات كثيرة من أصل عربي وردت في أشعاره ونثره ومسرحياته، منها "الحبق" و"الخزامى" و"الريحان" و"المسك" و"الكافور" و"الزهر" و"السوسن" و"الزعفران" و"العنبر" و"الزيت" و"القاضي" و"القصر"، إضافة إلى أسماء مدن وبلدان عربية، مثل "الإسكندرية" و"دمشق" و"القدس" و"بيت لحم".
كما ترد في أعماله أسماء أعلام عرب، منها "عامر"، و"غالية"، والسلطان المغربي "مولاي حفيظ"، و"زناتي" فارس السيرة الهلالية، ويبدي إعجابه بملوك غرناطة في حوار مع خيمينيث كابييرو عام 1928، قائلاً: "أبو عبد الله الصغير هو أحبهم إليَّ".
"أخي لوركا" ليس مجرد كتاب سيرة، أو مرثية، أو أوراق أرشيفية، إنما عمل فني مختلف وشديد الإمتاع، حكايةً ولغةً، ومزجاً بين المعلومة والسرد والتضمينات. يحمل بصمة عماد أبو صالح وروحه القلقة، وحبه اللامحدود للوركا، أحد أبرز شعراء الإنسانية، إنه تحفة أدبية قصيرة مقطرة عن الموت والخيانة والصداقة وبلوغ الكمال.
