عمان اليوم

ندوة علمية تستعرض جهود أبي محمد الحسن العماني في علوم القرآن

14 أبريل 2026
تعزيز اهتمام الباحثين بالإسهامات العمانية في التجويد والقراءات
14 أبريل 2026

نُظِّم مركز القراءات بكلية العلوم الشرعية ندوة علمية متخصصة بعنوان «جهود الإمام أبي محمد الحسن العماني في التجويد والقراءات والوقف والابتداء وعلوم القرآن - دراسة وتحليل»، وذلك تحت رعاية الشيخ فهد بن محمد الخليلي، وبمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين المتخصصين في علوم القرآن.

وسعت الندوة التي أدارها الدكتور طالب بن عيسى الكيومي إلى تسليط الضوء على شخصية الإمام أبي محمد الحسن العماني، بوصفه أحد أبرز أعلام المدرسة القرآنية العُمانية، من خلال قراءة تحليلية لإسهاماته العلمية في مجالات التجويد والقراءات والوقف والابتداء، إلى جانب حضوره في مباحث علوم القرآن.

وقدّم الكلمة الرئيسة الدكتور عبدالله بن سالم الهنائي، حيث تناول البعد التاريخي لنشأة وتطور علم القراءات في عُمان، مشيرًا إلى أن هذه المدرسة العلمية ليست وليدة العصور المتأخرة، بل تمتد جذورها إلى القرون الأولى، حيث أسهم العلماء العُمانيون في بناء هذا العلم وتطويره في بيئات علمية متعددة.

وأوضح الهنائي أن البحث في كتب التراجم يكشف عن حضور لافت للقراء العُمانيين في التاريخ الإسلامي، حيث أشار إلى توثيق عدد كبير من الشخصيات التي اشتغلت بعلم القراءات، ما يعكس عمق هذا التخصص في البيئة العُمانية.

وأضاف: إن هذا الامتداد التاريخي لا يقتصر على الكم، بل يشمل أيضًا تنوعًا في مجالات الاشتغال بين القراءات والتفسير وعلوم القرآن.

وتوقف المتحدث عند الخصائص المنهجية للمؤلفات العُمانية، مبينًا أنها تميل إلى الطابع التعليمي المنظم، مع اعتماد واضح على التحليل اللغوي، مقارنة ببعض المدارس التي غلب عليها النقل والرواية. واعتبر أن الإمام العماني يمثل أنموذجًا متقدمًا في هذا الاتجاه، حيث جمع بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي في معالجة قضايا القراءات.

كما أشار إلى أن جهود العلماء العُمانيين لم تقتصر على القراءات، بل امتدت إلى التفسير وعلوم القرآن، مبينًا أن هذا التداخل المعرفي يعكس شمولية في التعامل مع النص القرآني.

واستعرض نماذج من أعلام المدرسة العُمانية، مؤكدًا أن كثيرًا من إنتاجهم العلمي لا يزال بحاجة إلى تحقيق ودراسة معمقة.

وفي الورقة الأولى، تناول الدكتور مهدي لوناس دهيـم منهج الإمام العماني في الرموز القرائية، موضحًا أن هذا الجانب يعد من الأدوات الأساسية في تدوين القراءات وضبطها.

وأشار إلى أن استخدام الرموز جاء استجابة لحاجة علمية تتعلق بالاختصار والدقة، خاصة مع تعدد الروايات وتنوع طرق الأداء.

وبيّن أن الإمام العماني لم يكن مجرد ناقل لهذا النظام، بل أسهم في تطويره، حيث اعتمد مزيجًا من الرموز الحرفية والكلمية، ما أتاح له التعبير عن اختلافات دقيقة بين القراءات.

كما أشار إلى أن هذا المنهج يعكس تأثره بمن سبقه من العلماء، وفي الوقت ذاته يبرز استقلاليته في اختيار ما يناسب رؤيته العلمية.

وتطرق الباحث إلى كتاب «الأوسط في القراءات»، معتبرًا إياه من أهم مصادر دراسة منهج الإمام، رغم ما يعانيه من نقص في التحقيق العلمي، داعيًا إلى إعادة دراسته بصورة منهجية تكشف عن أبعاده المعرفية.

من جانبها، ركزت الدكتورة صبية بنت عبد الرشيد البلوشية في ورقتها على منهج الإمام في تأصيل قواعد التجويد، مشيرة إلى أنه قدّم تصورًا متكاملًا لهذا العلم يجمع بين الجوانب الصوتية والأدائية والجمالية.

وأوضحت أن الإمام نظر إلى التجويد باعتباره نظامًا دقيقًا يقوم على ضبط المخارج والصفات، مع مراعاة سلامة الأداء وخلوّه من اللحن، سواء الجلي أو الخفي. كما أكدت أنه لم يكتفِ بالتنظير، بل ربط ذلك بالتطبيق العملي من خلال التأكيد على تدريب اللسان وتكرار الأداء حتى تتحقق الملكة.

وأضافت: إن منهجه يكشف عن وعي مبكر بما يمكن تسميته اليوم بالدراسات الصوتية، حيث تناول قضايا تتعلق بزمن الحركات ودقة النطق والتفريق بين الأصوات المتقاربة، وهو ما يعزز من قيمة هذا التراث في الدراسات المعاصرة.

وفي الورقة الثالثة، قدّم الدكتور إسحاق بن سيف الزهيمي قراءة في منهج الإمام في الوقف والابتداء من خلال كتابه «المرشد»، الذي وصفه بأنه من المصادر المهمة في هذا الفن.

وأشار إلى أن الإمام اعتمد على المعنى في تحديد مواضع الوقف، حيث ربط بين الدلالة اللغوية والسياق التفسيري، ما يمنح القارئ فهمًا أعمق للنص. كما بيّن أن منهجه يتسم بالمرونة، إذ يراعي اختلاف القراءات وتأثيرها في تحديد الوقف، معتبرا أن الوقف فرع عن القراءة.

وتناول الزهيمي مصطلحات الإمام في هذا المجال، مثل الوقف التام والكافي والحسن، موضحًا أوجه الاتفاق والاختلاف بينها وبين ما قرره علماء آخرون. كما أشار إلى أن الإمام لم يكتفِ بالنقل، بل مارس دورًا نقديًا في الترجيح بين الآراء، مستندًا إلى قواعد لغوية وتفسيرية.

أما الدكتور سعيد بن سليمان الوائلي، فقد ناقش في ورقته حضور علوم القرآن في كتاب «الأوسط»، مبينًا أن الإمام أظهر اهتمامًا واضحًا بعدد من مباحث هذا العلم، رغم أن الكتاب لم يُصنَّف بوصفه كتابًا في علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي.

وأوضح أن الإمام تناول قضايا مثل المكي والمدني، وعدد الآيات، وأسباب النزول، كما أورد إشارات تفسيرية متعددة تعكس فهمه العميق للنص القرآني. وأضاف أن هذه المعالجة تكشف عن تداخل بين علوم القراءات والتفسير، وهو ما يميز المدرسة العُمانية.

وبيّن أن الإمام اعتمد في تفسيره على بيان المعاني اللغوية، مع الاستعانة بأقوال المفسرين، دون أن يغفل عن تقديم اجتهاداته الخاصة في بعض المواضع، مشيرًا إلى أن هذا التنوع في الطرح يعكس سعة اطلاعه وتعدد مصادره العلمية.