No Image
عُمان الاقتصادي

أمن الطاقة بين تحديات الإمداد ومتطلبات المرونة

15 أبريل 2026
15 أبريل 2026

د. يوسف بن حمد البلوشي -

لم يعد أمن الطاقة يُفهم بوصفه مجرد قدرة على توفير النفط والغاز بل أصبح يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدول على حماية استقرارها وصون مصالحها وتوجيه مساراتها التنموية في بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين والتقلب، ولا يواجه العالم اليوم تقلبات في الأسعار فقط بل يواجه تحولات أعمق تمس الجغرافيا وسلاسل الإمداد والبنية الأساسية وأنماط التنافس الدولي، ومن هنا يمكننا القول إن أمن الطاقة لم يعد مجرد ملف اقتصادي أو قطاعي فحسب بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بالاستقرار والقدرة على التعامل مع المتغيرات الدولية.

ظل العالم لعقود طويلة يتعامل مع الطاقة من زاوية الكفاءة الاقتصادية (من ينتج أكثر؟ ومن يصدّر أسرع؟ ومن يحقق أقل كلفة؟) لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذا المنطق رغم أهميته لم يعد كافيا وحده؛ فالكفاءة من دون مرونة قد تتحول إلى هشاشة والتركيز على أقل التكاليف من دون بناء بدائل قد يرفع المخاطر بدلا من أن يخففها، ومن هنا بدأ التحول في التفكير العالمي من سؤال كيف نضمن التدفق؟ إلى سؤال أكثر عمقا وهو كيف نبني منظومة طاقة قادرة على الصمود إذا تعطلت الممرات أو ارتفعت المخاطر أو تبدلت أنماط الطلب أو أصبحت البنية الرقمية نفسها ساحة جديدة للصراع؟ وهذا هو التحول الحقيقي في معادلة الطاقة (الانتقال من منطق الوفرة وحدها إلى منطق الاعتمادية والمرونة والتكيف).

وتتضح حساسية هذه المسألة أكثر عندما ننظر إلى الجغرافيا التي تعبر منها الطاقة فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق للنقل بل أصبحت جزءا من الأمن الاقتصادي العالمي؛ لأن أي اضطراب فيها ينعكس فورا على الأسعار والتأمين والشحن وثقة الأسواق.

ومن هنا لم تعد كميات الإنتاج فقط هي من يحكم أمن الطاقة العالمي، بل أصبحت تحكمه أيضا سلامة الممرات وموثوقية المسارات وقدرة العالم على منع نقاط الاختناق من التحول إلى نقاط شلل.

وفي هذا الإطار يبرز الخليج العربي بوصفه أكثر من مجرد إقليم منتج للطاقة فهو في جوهره عقدة مركزية في معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي؛ ولهذا فإن أي توتر في هذه المنطقة لا يبقى محصورا في الجغرافيا السياسية فقط بل يمتد سريعا إلى الأسواق وأسعار الشحن والتأمين وتوقعات التضخم وثقة المستثمرين.

كما أن المنطقة تواجه في الوقت نفسه مفارقة استراتيجية شديدة الأهمية؛ فهي مطالبة بالمحافظة على دورها كمصدر موثوق للطاقة التقليدية، وفي الوقت ذاته مطالبة بالاستعداد الجاد لعالم يتغير فيه الطلب، وتتوسع فيه الطاقات المتجددة، وتزداد فيه حساسية الأسواق تجاه الكربون والاستدامة والقدرة على تنويع المخاطر.

وهذا ما يبرز سؤالا جوهريا: هل سيبقى أمن الطاقة في العقود المقبلة مرهونا بالنفط والغاز فقط؟ الواقع يشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدا؛ فالتحول في قطاع الطاقة يتقدم لكنه لا يتقدم بالسرعة التي تلغي أهمية الهيدروكربونات بين ليلة وضحاها.

فالعالم ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري في النقل والصناعة وتوليد الكهرباء لكن الاتجاه العام يشير في الوقت نفسه إلى توسع متسارع في الطاقة النظيفة، وهذا يعني أن المرحلة الحالية ليست مرحلة استبدال كامل بل هي مرحلة إدارة واقعين في وقت واحد (واقع الحاضر الذي ما زالت فيه الهيدروكربونات ركيزة رئيسية، وواقع المستقبل الذي تتقدم فيه الطاقة النظيفة باعتبارها جزءا من معادلة الأمن والاستدامة والتنافسية).

وفي الخليج يتجاوز أمن الطاقة حدود الحقول والموانئ والأسواق ليلامس واحدة من أكثر القضايا اتصالا بالحياة اليومية وهي أمن المياه؛ فهذه المنطقة التي أصبحت مسؤولة عما يقارب نصف إنتاج العالم من المياه المحلّاة تعتمد على التحلية لتوفير معظم مياه الشرب، فيما تبلغ هذه النسبة في سلطنة عُمان نحو 86%، لكن جوهر المسألة لا يكمن في هذه الأرقام وحدها بل في ما تعكسه من ترابط بين الماء والطاقة؛ فالمياه هنا لا تصل إلى المجتمع بمعزل عن الكهرباء والتحلية لا تعمل خارج معادلة الطاقة. ولهذا فإن الحديث عن أمن الطاقة في الخليج هو حديث عن أمن الحياة اليومية نفسها.

ومن هذا المنطلق فإن دول الخليج مطالبة اليوم بأكثر من مجرد حماية الإنتاج أو زيادة الصادرات، بل هي مطالبة بإعادة تعريف أمن الطاقة ليصبح إطارا أشمل يضم أمن الإمدادات وأمن البنية الأساسية وأمن الممرات البحرية، والأمن السيبراني، وتنويع مصادر الطاقة وبناء القدرات المحلية، وتعزيز الموقع التنافسي في الاقتصاد العالمي الجديد؛ فالدول التي ستحتفظ بمكانتها ليست فقط تلك التي تملك الموارد بل تلك التي تحسن إدارتها وتبني حولها منظومة مرنة وتستثمر عوائد الحاضر في تأمين مكانة المستقبل.

وفي سلطنة عُمان يكتسب أمن الطاقة معنى أشمل وأعمق؛ فسلطنة عمان لا تُقرأ فقط من زاوية ما تمتلكه من موارد بل من زاوية موقعها الجغرافي وطبيعة نهجها السياسي وقدرتها على توظيف هذه العناصر ضمن رؤية طويلة الأجل.

وتشير الأرقام إلى أن متوسط إنتاج النفط في سلطنة عمان يبلغ نحو 1.1 مليون برميل مكافئ يوميا، فيما تبلغ صادرات الغاز الطبيعي المسال نحو 12 مليون طن، كما يساهم قطاع الطاقة بنحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو 70% من إيرادات الحكومة، وهذه المؤشرات تكشف بوضوح أن أمن الطاقة في سلطنة عُمان ليس مسألة تخص قطاعا بعينه بل يرتبط مباشرة بالاستقرار المالي للدولة، وقدرتها على تمويل الخدمات العامة والحفاظ على وتيرة التنمية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن الأهمية الحقيقية لعُمان لا تقتصر على هذه الأرقام فحسب بل تمتد إلى ما هو أبعد منها؛ فسلطنة عمان تمتلك ميزة جيوستراتيجية بالغة الأهمية تتمثل في اتصالها المباشر ببحر العرب والمحيط الهندي؛ بما يتيح لها هامشا استراتيجيا مهما في عالم أصبحت فيه موثوقية المسارات جزءا من قيمة الدولة نفسها.

وفي لحظة تتجه فيها الشركات والدول إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على المسارات الأكثر هشاشة، يمكن لسلطنة عُمان أن تعزز تموضعها بوصفها منصة موثوقة للطاقة والخدمات اللوجستية والتخزين والمعالجة لا بوصفها مجرد مُنتج أو معبر، وهذا ينسجم مع منطق عالمي جديد ينتقل من الأرخص فقط إلى الأكثر موثوقية ومن التركز إلى التنويع ومن الكفاءة إلى المرونة الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، فإن بناء أمن الطاقة في سلطنة عُمان لا يمكن أن يظل معتمدا على مصدر واحد أو نموذج واحد؛ فالتوجه نحو تنويع مزيج الطاقة لم يعد خيارا بيئيا فحسب بل أصبح ضرورة اقتصادية.

وتستهدف سلطنة عمان رفع حصة الطاقة المتجددة في توليفة الكهرباء من نحو 4.3% في عام 2024 إلى 30% بحلول عام 2030، مع توسع في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح والتخزين الكهربائي، كما أن التوجه نحو الهيدروجين الأخضر يحمل بعدا استراتيجيا بالغ الأهمية؛ لأنه يفتح المجال أمام إعادة تموضع سلطنة عُمان في الخريطة العالمية للطاقة من خلال الانتقال التدريجي من تصدير الوقود التقليدي فقط إلى لعب دور متقدم في أسواق الطاقة النظيفة المستقبلية.

لكن أي حديث جاد عن أمن الطاقة يبقى ناقصا إذا لم يشمل الجاهزية للأزمات؛ فالعالم لم يعد يواجه خطر نقص الإمدادات فقط، بل أصبح يواجه مخاطر الاختراق السيبراني وتعطل الأنظمة التشغيلية واستهداف البنية الأساسية واضطراب الشحن والتأمين أيضا.

ولهذا فإن حماية الطاقة لم تعد تبدأ من الحقول أو الموانئ بل من غرف التحكم وأنظمة التشغيل والتنسيق المؤسسي وقدرة الدولة على الاستجابة السريعة والتعافي في حال وقوع الصدمة، وفي هذا كله يصبح أمن الطاقة جزءا من منظومة الأمن الوطني الشامل وليس مجرد ملف فني تديره جهة واحدة.

خلاصة الأمر أن أمن الطاقة في عالم اليوم لم يعد يعني أن نمتلك الموارد فقط، بل أن نمتلك معها الرؤية، الإدارة، البدائل، الجاهزية والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى ميزة، الضغوط إلى فرصة والموارد إلى قيمة مستدامة.

وفي هذا السياق فإن سلطنة عُمان تمتلك فرصة حقيقية لأن تبني نموذجا أكثر نضجا واتزانا في هذا المجال؛ نموذجا لا ينحصر في حماية الإمدادات بل يتجه نحو بناء سيادة طاقية متكاملة لتقوم على تنويع المصادر وتعزيز المرونة وتوسيع البنية اللوجستية والاستثمار في الطاقة النظيفة وتحصين المنظومة من المخاطر السيبرانية والجيوسياسية.

د. يوسف بن حمد البلوشي مؤسس البوابة الذكية للاستثمار والاستشارات