الفشل الاستراتيجي والأخلاقي لأمريكا في إيران

11 أبريل 2026
11 أبريل 2026

 ترجمة: بدر بن خميس الظفري -

قبل سنوات قليلة، استولى رجل مضطرب على السلطة في بلاده، وصنع هالة تقديس حول شخصه. في قلب العاصمة، نصب تمثالا ذهبيا لنفسه يدور مع الشمس. خبّأ مليارات الدولارات في بنك أجنبي. أغلق أكاديمية العلوم، وفرقة الباليه، والأوركسترا الفيلهارمونية، والسيرك، وجميع المكتبات الإقليمية. أصبحت سيرته الذاتية مرشدا روحيا للأمة. منع الكلاب من دخول العاصمة بسبب «رائحتها الكريهة». أعاد تسمية الأشهر: يناير باسمه، وأبريل باسم والدته. كان مولعا بالبطيخ. أصبح الأحد الثاني من أغسطس اليوم الوطني للبطيخ. هكذا كان عالَم صفر مراد نيازوف، زعيم تركمانستان من عام 1985 حتى وفاته بسكتة قلبية عام 2006.

بالنسبة للشعب التركماني، لم يكن هناك ما يدعو للسخرية في الحياة تحت حكمه الديكتاتوري. فقد قمع المعارضة وملأ سجونه بسجناء الرأي. وكان عزاؤه الوحيد أنه لم يستطع فرض غطرسته على العالم.

على النقيض من ذلك، شكّل دونالد ترامب، منذ اليوم الأول لرئاسته، حالة طوارئ لبلاده وللعالم أجمع، حتى مع استخدامه المتواصل لمصطلح «الطوارئ» لتضخيم التهديدات، وتعليق الأعراف، وتوسيع سلطته. قبل عقد من الزمن، كان يُدلي بتصريحات تتنافى مع معايير السلوك اللائق بالبالغين.

يجسّدُ ترامب فكرة أن المرء مع تقدمه في السن يصبح ما كان عليه دائما، بل وأكثر. في الأيام الأخيرة من حملة انتخابات 2024، التقى بهيئة تحرير صحيفة وول ستريت جورنال. وعندما سُئل عما إذا كان سينشر الجيش الأمريكي إذا فرضت الصين، بقيادة شي جين بينغ، حصارا على تايوان، أجاب ترامب: «لن أضطر إلى ذلك، لأنه يحترمني، ويعرف أنني مجنون تماما».

لطالما تغاضى تحالف «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا» عن تعصب ترامب وقسوته. لكن الآن، ومع الانتهاكات المتكررة لسياسة «أمريكا أولا» الخارجية، تراجعت شعبيته بشكل حاد. منذ عودته إلى منصبه، أمر ترامب بشن ضربات عسكرية على العراق ونيجيريا والصومال وسوريا واليمن وفنزويلا وإيران، دون أن يبذل جهدا يُذكر لتبرير أي منها.

ووفقا لتقرير ماغي هابرمان وجوناثان سوان من صحيفة ذي تايمز، اجتمع ترامب ومستشاروه في الأمن القومي في غرفة العمليات في 11 فبراير للاستماع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وهو يدعو إلى شن هجوم منسق على إيران. ورغم أن وزير الخارجية، ماركو روبيو، ومدير وكالة المخابرات المركزية، جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كين، أبدوا تحفظاتهم بوضوح - إذ وصف روبيو حديث نتنياهو عن تغيير النظام بأنه «هراء» - إلا أن ترامب مضى قدما في خطته. وكما كان الحال في عهد الديكتاتور التركماني، انصاع الجميع لأوامره.

لكن عندما لم يستسلم النظام الإيراني ولم ينهر، وعندما لم تتحقق نبوءة نتنياهو بانتفاضة شعبية، لجأ ترامب إلى التهديد بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد الشعب نفسه الذي ادعى أنه يساعد في تحريره قائلا:

«ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبدا كما كانت. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث. ومع ذلك، الآن وقد تحقق تغيير النظام الكامل والشامل، حيث تسود عقول مختلفة وأكثر ذكاء وأقل تطرفا، ربما يحدث شيء رائع ثوري، من يدري؟»

لم تكن هذه كلمات رجل استراتيجي، بل كانت كلمات مجنون. وكان لها أثر محفز، وإن لم يكن بالطريقة التي أرادها ترامب. يبدو أن بعض أتباعه السابقين - مارجوري تايلور غرين، وتاكر كارلسون، وأليكس جونز - قد أدركوا مدى خطورته التي لطالما كان عليها. ومع ذلك، في أروقة مجلس الوزراء، وفي منتجع مارالاغو، وفي اجتماعات الحزب الجمهوري في الكابيتول، يُعتبر من المسلّم به أن تهديداته المتهورة أجبرت على وقف إطلاق النار وحققت نصرا كبيرا.

لكن يبدو أن حرب الرئيس لن تُحقق شيئا يُذكر لم يكن متاحا بالفعل عبر الدبلوماسية قبل الحرب، أو من خلال نسخة مُجددة من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو ما يُعرف بالاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما.

في الواقع، كانت الخطيئة الأصلية لهذه الكارثة هي تخلي ترامب عن الاتفاق النووي عام 2018. فرغم كل قيوده، فقد أوقف مسيرة إيران نحو امتلاك سلاح نووي. لكن نتنياهو، الذي طالما تاق إلى حرب شاملة ضد إيران - لا تستهدف برنامجها النووي فحسب، بل وكلاءها أيضا، مثل حزب الله - استغل بذكاء غرور ترامب وازدراءه لباراك أوباما. مزّق ترامب الاتفاق النووي دون أي بديل.

لذا، تُعدّ الحرب فشلا استراتيجيا وكارثة أخلاقية. وقف إطلاق النار هشّ أصلا. يقول كريم سجادبور، المتخصص في الشأن الإيراني والمقيم في واشنطن: «كان الهدف من هذه العملية ظاهريا هو تعزيز الحرية في إيران. الانتقال من (المساعدة قادمة) إلى (سنمحو حضارتكم) هو خطأ استراتيجي فادح». بحسب داني سيترينوفيتش، الخبير في الشأن الإيراني والذي عمل سابقا في المخابرات الإسرائيلية، فإنّ مبعوثي ترامب الرئيسيين إلى المنطقة، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، قد أخطأوا على الأرجح في تقدير قدرات إيران ونواياها. وقال سيترينوفيتش: «هذه كارثة عظيمة، وكان من المفترض ألا تحدث أبدا»، مشيرا إلى أنها «ستُلقي بظلالها على المنطقة والعالم لسنوات طويلة قادمة».

في الأيام الأولى للحرب، اغتالت الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الأعلى علي خامنئي، وقضتا على معظم قيادة الدفاع والاستخبارات الإيرانية، ظنا منهما على ما يبدو أن النظام سيستسلم بطريقة ما لصالح «معتدلين» و«واقعيين». لكن بدلا من ذلك، بقيت الثيوقراطية والحرس الثوري في السلطة، وأكثر تصميما من أي وقت مضى على امتلاك سلاح الردع النهائي وهو السلاح النووي، ولسان حالهم يتساءل: لماذا نتخلى عن هذا المسعى، كما فعلت ليبيا، ونترك البلاد معرضة للتهديد، بينما يمكننا تحقيق ذلك، كما فعلت كوريا الشمالية، ونردع أي هجوم؟

لقد قطع ترامب شوطا كبيرا نحو تقويض ما تبقى من مكانة أمريكا العالمية. فقد قوّضت تهديداته السخيفة بشأن جرينلاند وكوبا وحلف الناتو التحالف الذي بُني بعد الحرب. وأهان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وخانه. وفي الوقت نفسه، يراقب فلاديمير بوتين، الذي يسعى للضغط على أوكرانيا للحصول على المزيد من الأراضي، وشي جين بينغ، الذي يضع تايوان نصب عينيه، مشهد دونالد ترامب لما يكشفه من عدم استقراره وتراجع مصداقية القيادة الأمريكية.

وفي خضم الحرب، كشف ترامب عن خطط لتصميم مكتبته الرئاسية. وسيتوسط قاعة محاضرات تمثال ذهبي ضخم له. ولا يُعرف حتى الآن ما إذا كان سيدور مع الشمس.

ديفيد ريمنيك رئيس تحرير مجلة ذي نيويوركر. وهو مؤلف سبعة كتب، أحدثها كتاب «مواصلة العزف»، وهو عبارة عن مجموعة من ملفاته الشخصية عن الموسيقيين.