الإعلام والنخبة والحرب
11 أبريل 2026
11 أبريل 2026
لعل من بين أكثر الأسئلة التي حملها المجتمع في المنطقة خلال أحداث الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران (2026) هو سؤال النخبة: أين هي النخبة من الطرح والتنوير وتتبع المسارات؟ ولعل مفهوم ودور النخب في مثل هذا النوع من الأزمات يختلف عن دورها في الأوقات الطبيعية؛ ذلك أن المهمة الوظيفية لهذه النخبة في مثل هذه الأوقات هو «تقليل عدم اليقين» من خلال توضيح سبب الملابسات، وتفكيك المشهد المعقد، والتتبع المنهجي والفكري لمسارات الأزمة وسيناريوهاتها، ومحاولة فهم أبعادها المتداخلة، وكيف يؤثر كل بعد في الآخر.
ولأننا في زمن «الاختصاص الدقيق» فإن مثل هذا القدر من المعرفة الشمولية يصعب الإحاطة به، ويندر أولئك الذين يستطيعون تقديم الصورة الكاملة الميسرة للفهم، والقادرة على تبسيط التعقيدات والتداخلات يصبح دور الإعلام ــ أيما كان وسيطه ونوعه ــ محل هذا الدور الشمولي والتكاملي.
وكما يدرك الجميع أن حرب إيران تحمل من الأبعاد والمآرب السياسية والعسكرية والاقتصادية بقدر ما تحمل كذلك من أبعادها الثقافية والرمزية والوجودية؛ وعليه فإن كل ذلك يضع وسائط الإعلام (المهنية) أمام اختبار الكفاءة بما في ذلك اختبار كفاءة استقطاب النخب، والتقديم الجيد لها، وكفاءة سقف وحدود الطرح، وكفاءة القدرة على التنوير (القدرة على تقديم تحليلات ومعطيات غير مستهلكة).
ورغم أن العالم يعيش منذ بروز وسائل التواصل الاجتماعي تحولًا جذريًا في طبيعة استهلاك المحتوى الإعلامي بالميل إلى الأخبار والعناوين المقتضبة، والتحديثات السريعة، والتحليلات ذات الأبعاد الواحدة؛ إلا أن مثل هذه الأزمات تعيد إلى حد ما «رغبة العمق» لدى المجتمعات خاصة تلك التي تقع في دائرة الصراع أو على حدودها؛ لأن المسألة مرتبطة بالبقاء والوجود، ودائرة التأثير المباشرة، واليومي من أحوال العيش وتدابيره.
في هذا السياق تثبت الوقائع التاريخية والعلمية أن دور النخب كان ولا يزال وسيبقى مؤثرًا في الأزمات مهما اختلفت الوسائط التي توجد عليها تلك النخب. في دراسة تقصت تأثير النخب الأكاديمية والإعلامية على الثقة خلال أزمات متعددة (الأزمة المالية 2008، حرب أفغانستان، جائحة كوفيد-19) توصلت نتائجها إلى أنه «عندما تتبنى النخب خطابًا متماسكًا ومتقاربًا فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الثقة العامة بالمؤسسات بمعدل +18 إلى +25 نقطة مئوية»، وهو ما يدل أن حالة التوافق والفهم العميق داخل أوساط النخب نفسها، ووجود وسائط فاعلة لنقل رؤيتها يعنيان عدم انتشار الفوضى المعرفية والشائعات والتضليل داخل المجتمع المتلقي (مجتمع الأزمة).
وفي دراسة أخرى حللت ملايين المنشورات على منصات التواصل خلال الصراع الروسي - الأوكراني وجدت أن النخب الرقمية أثرت في تضخيم بعض السرديات بمعدل 3 إلى 5 أضعاف مقارنة بحقيقة الواقع، وأن الحسابات ذات الصفة الأكاديمية والثقافية كانت تحوز على مصداقية أعلى لدى المتتبعين بنسبة +22%، حتى عندما كانت الحقائق التي تقدمها غير دقيقة.
ويمكن للمتتبع في سياق الصراع الراهن رؤية بروز بعض الأسماء التي تنتمي ــ أو تقدم نفسها كذلك ــ إلى سياقات أكاديمية ومعرفية وشروعها في تقديم رؤى وتوقعات توصف بـ«الدقيقة» و«الصائبة» و«العميقة» إزاء تفسيرات الأحداث ومساراتها.
بالنسبة للدولة، وتحديدًا في خطابها العام، بما في ذلك الخطاب الإعلامي»؛ يصبح دور الخطاب في مثل هذه الأزمات هو «القبض على السردية» ــ مثلما أوضحنا ضرورة ذلك في مقالات سابقة -، وجزء من عملية القبض على هذه السردية إنما يكون من خلال إدارة عملية تقديم النخب، وانتقائها، ووضعها في سياق الحاجات المعرفية والفكرية الملحة للمجتمع أثناء فترة الأزمة.
في هذا الجانب يسعنا أن نشير إلى تجربة تعاطي الإعلام العُماني «الرسمي» مع الصراع الراهن؛ فهو لم يكتف بتقديم «الموقف السياسي الرسمي» للدولة، أو يترجم موقف المؤسسات السياسية الرسمية في رسالة إعلامية، بل قدم مادة معرفية تحليلية وتخصصية تتسم بـ«المهنية» ومحاولة شمول أبعاد الصراع من خلال تقديم نخب محلية وعربية سواء عبر البرامج الإخبارية في تلفزيون سلطنة عُمان، أو عبر المواد الصحفية المنتجة من الصحافة الرسمية.
وأدعي كمتابع أن جزءا كبيرا من هذه المواد قدمت لنا اكتفاء في الفهم والرؤية، خاصة في الأبعاد المتخصصة كالمسائل النووية وأوضاع الأسواق المالية وتقلباتها نظير أمرين مهمين: الاختيار الحصيف للنخب المستضافة والمتحدثة، وعمق محاور الطرح وميلها إلى تقديم صورة متوازنة بين الحدث اللحظي وبين الصورة الكلية التي تعين المتلقي على الفهم الواسع والمعمق.
في مثل هذه الأوضاع قد لا تكون الأولوية هي المنافسة والاستقطاب وسط ماكينات وآلات إعلامية هائلة تحاول ليس فقط نقل السرديات القائمة وتحليلها، وإنما الانخراط المباشر في صنعها وتوجيهها، وبالتالي التحكم في مسارات الرأي العام إزاءها، ولكن الأهم هو الأبعاد الثلاثة (المهنية - الاتزان - احترام التخصصية). ونعتقد أن الإعلام في عُمان استطاع إلى حد بعيد الإمساك بهذه الثلاثية خلال فترة الأزمة، وهو ما شكل مكتسبًا مهمًا من مكتسبات حفظ الأمن والعقيدة الوطنية، وحافظ في الآن ذاته على سردية واضحة متسقة مع سردية الدولة.
الأهم أن تشق هذه التجربة بابًا لتوسيع النظر في إثراء المادة التحليلية والمعرفية، واستقطاب النخب المتعددة، والتركيز على توسيع نطاق الاختصاصات للحديث في المسائل المعقدة والشاملة، ليس فقط في أوقات الأزمات والصراعات، وإنما حتى في الأوقات الطبيعية.
وربما تكون الشراكة (المعرفية) قبل (المؤسسية) مع مؤسسات الدولة في الإمداد بالخبرات والنخب خارج إطار نقل مواقف المؤسسات أو الإخبار بأحداثها أو تفصيل فعالياتها قد يشكل ذلك جسرًا معرفيًا لتطوير المادة الإعلامية، وزيادة جاذبيتها.
فكما أظهرت الأزمة الحالية نخبًا في شق التحليل السياسي والاقتصادي والمالي نحتاج في الاختصاصات والقضايا الأخرى لتوسيع قواعد المعرفة والنخب هذه بوصفها صمام أمان معرفي للدولة والمجتمع.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
