جلسة حوارية تكشف مسارات الهوية والذاكرة في السرد العُماني المعاصر
شهد النادي الثقافي مساء أمس جلسة حوارية بعنوان "تخيل تاريخ الآخر في الرواية العُمانية المعاصرة"، أدارها الدكتور خالد المعمري بمشاركة الدكتور حسني مليطات والدكتور محروس القللي، وسط حضور من الأكاديميين والمهتمين بالشأن السردي. وافتتح الدكتور خالد المعمري الجلسة بمدخل تناول فيه فكرة "الآخر" في الكتابات الأدبية الحديثة، متوقفًا عند اتساع هذا المفهوم في الدراسات الثقافية والنقدية وعلاقته المباشرة بمسألة الهوية والاختلاف، كما تطرق إلى تعدد صور الآخر في السرد المعاصر سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو الإنساني، مشيرًا إلى أن الرواية العُمانية دخلت هذا المسار من خلال نماذج اشتغلت على هذه الثيمات واستحضرت أسئلة الأنا والهوية والتباين الثقافي داخل بنيات سردية تتقاطع مع تحولات الكتابة الحديثة.
الآخر داخل السرد
بعدها قدم الدكتور حسني مليطات ورقته التي تناولت رواية "سر المورسكي" لمحمد العجمي، مستهلًا حديثه بتحديد مفهوم "الآخر" بوصفه مفهومًا لا يتوقف عند الاختلاف في الثقافة أو الدين أو اللغة أو الجنس، وإنما يرتبط بوجود الذات نفسها، حيث لا يتشكل إلا في علاقتها به وما تفرضه هذه العلاقة من تحولات معرفية وثقافية، مبينًا أن الآخر يحضر في النص السردي كامتداد لما يدور داخل الذات وكوسيط يكشف رؤاها وأفكارها في مواجهة العالم.
وتوقف "الباحث" عند مقطع سردي في الرواية يرد على لسان السارد "روبرت"، يكشف طبيعة هذه العلاقة التي لا تقوم على القبول أو الرفض بقدر ما تنشأ من الاحتكاك والتجربة، حيث يتحول الآخر إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي، ويغدو حضوره ضروريًا لفهم الذات نفسها، مشيرًا إلى أن الشخصية المورسكية في الرواية لا تقف عند حدود الظهور المباشر، وإنما تمتد آثارها داخل مجمل الأحداث لتغدو محركًا خفيًا يعيد تشكيل المسار السردي من الداخل.
وانتقل "مليطات" إلى اشتغال الرواية على التاريخ، متوقفًا عند كيفية استعادة تاريخ المورسكيين وإعادة تخييله داخل النص في مسار يفتح المجال أمام الكشف عن طبقات مهملة من الذاكرة، حيث يتحول التاريخ هنا إلى مادة سردية قابلة لإعادة البناء تتخذ شكل علامات وإشارات تتيح للقارئ إعادة تأويلها وربطها برؤية الكاتب وأسئلته، مشيرًا إلى أن هذا الاشتغال يكشف عن رغبة في مساءلة التاريخ أكثر من استعادته واستنطاق ما ظل خارج السرديات الكبرى. وتوسع في الحديث عن المعاني التي ينتجها هذا النوع من الكتابة متوقفًا عند فكرة التواصل الثقافي، وقال: تتيح الرواية تمثيل ثقافة الآخر وإعادة بنائها داخل النص، بما يفتح المجال أمام القارئ للدخول في تجربة تاريخية ومعرفية مختلفة والتعرف على تفاصيلها من الداخل، إلى جانب الكشف عن التاريخ المسكوت عنه واستعادة الوقائع التي لم تحظ بالاهتمام الكافي في المدونات الرسمية وربطها بالواقع المعاصر في سياق سردي يوسع أفق القراءة.
كما أشار "الباحث" إلى أن الرواية لا تعيد بناء التاريخ وإنما تذهب إلى تمثيله عبر تقنيات سردية متعددة، من بينها فضاء السجن الذي يتقاطع فيه مصير الشخصيات ويتحول إلى نقطة توليد للأحداث والمعاني، إلى جانب حضور المطبعة التي ترتبط بمحاولات حفظ المعرفة واستعادتها في سياق يعكس سعي الشخصيات إلى تثبيت هويتها في مواجهة التلاشي، لافتًا إلى أن هذه العناصر لا تحضر كخلفية، وإنما تتداخل في بناء النص وتؤثر في مساره.
وتوقف "مليطات" أيضًا عند استدعاء شخصيات تاريخية ومعرفية داخل الرواية وما تتيحه من إمكانات لخلق فضاء سردي يتقاطع فيه التاريخي بالمتخيل، حيث تتشكل شبكة من العلاقات التي تعكس حركة المعرفة وتطورها وتفتح المجال أمام قراءة أوسع للسياق الثقافي الذي تنتمي إليه الأحداث. كما أشار إلى تمثيل التاريخ المهمش، وأن تجربة المورسكيين تقدم مثالًا على تاريخ ظل خارج السرديات الرسمية، حيث تكشف الرواية عن تفاصيل تتصل بالشتات وبمحاولات الحفاظ على الهوية في ظل الضغوط الدينية والثقافية، لافتًا إلى أن بعض الوثائق المرتبطة بهذه المرحلة لم يُفرج عنها إلا في وقت متأخر، وهو ما يضاعف من أهمية استعادتها داخل النص السردي.
وفي سياق حديثه عن "التقنيات" أشار إلى أن فضاء السجن يُعد نقطة تقاطع بين الشخصيات ومجالًا تتولد فيه الأحداث، حيث تتشكل العلاقات وتبدأ مسارات جديدة داخل الرواية، إلى جانب المطبعة التي تتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى من خلال ارتباطها بمحاولات توثيق المعرفة ونقلها بما يعكس وعيًا بأهمية الكتابة في مواجهة النسيان.
واختتم الدكتور حسني مليطات مداخلته بالإشارة إلى أن تخييل تاريخ الآخر لا ينفصل عن الواقع المعاصر، حيث يمكن قراءة تجربة المورسكيين في ضوء تجارب إنسانية أخرى تعيش أوضاعًا مشابهة، بما يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز حدود النص وتمتد إلى أسئلة الهوية والذاكرة والوجود.
أفق إنساني أوسع
من جانبه، طرح الدكتور محروس القللي في مداخلته مجموعة من الأسئلة التي تتصل بموقع الأدب العربي عامة والأدب العُماني على وجه الخصوص داخل سياق الأدب العالمي، منطلقًا من تساؤل ظل يرافق قراءاته حول سبب غياب النصوص العربية عن قاعات الدرس في الجامعات الأجنبية، رغم حضور نصوص عالمية تُدرّس باستمرار في بيئاتنا التعليمية، متوقفًا عند هذه المفارقة التي دفعته إلى إعادة النظر في طبيعة النصوص التي يمكن أن تعبر إلى هذا الفضاء الأوسع وفي الشروط التي تجعلها قابلة للحضور خارج سياقها المحلي.
وانتقل "القللي" في حديثه إلى تجربته مع الرواية العُمانية، حيث بدأ بقراءات متتابعة لنصوص تتناول موضوعات تتجاوز الإطار المحلي نحو قضايا ذات بعد إنساني، مستعرضًا عددًا من الأعمال التي اشتغلت على تمثيل الآخر داخل السرد، سواء كان هذا الآخر أوروبيًا أو آسيويًا أو حتى داخل المجتمع نفسه، قبل أن يتوقف عند رواية "فومبي" لبدرية البدري، معتبرًا أنها نص يتيح الاشتغال على هذه الأسئلة ضمن إطار سردي يتقاطع فيه التاريخي بالإنساني.
وأشار إلى أن هذا النوع من الكتابة يتطلب جهدًا معرفيًا يتجاوز حدود الكتابة الأدبية، حيث يحتاج الكاتب إلى الإلمام بالسياقات التاريخية والثقافية التي يشتغل عليها، إلى جانب القدرة على بناء عالم سردي يستند إلى تصور واضح للزمن والمكان، لافتًا إلى أن التعامل مع موضوعات من خارج البيئة المباشرة يفرض على الكاتب نوعًا مختلفًا من الاشتغال يقوم على المعرفة المسبقة والبحث الموازي للنص.
وتوقف "الباحث" عند عدد من المعايير التي يمكن من خلالها قراءة هذا النوع من النصوص، من بينها المنظور الذاتي الذي ينطلق منه الكاتب، والمنظور الزمني الذي تُبنى عليه الأحداث، إلى جانب المنظور المكاني المرتبط بالبيئة التي تدور فيها الوقائع، مشيرًا إلى أن تداخل هذه العناصر يسهم في تشكيل صورة الآخر داخل الرواية ويؤثر في طبيعة التلقي.
كما أشار إلى حضور ما يمكن تسميته بالبعد النفسي الجمعي داخل النص، حيث تنعكس صورة الآخر من خلال تصورات تشكلت على مستوى جماعي وتتحول إلى عنصر فاعل في بناء السرد، لافتًا إلى أن تعدد الأصوات داخل الرواية يسهم في تقديم هذه الصورة من زوايا مختلفة ويخلق حالة من التوتر بين وجهات النظر المتقابلة.
وتناول أيضًا اللغة التي اعتمدتها الرواية، متوقفًا عند ميلها إلى تكثيف المشاهد المرتبطة بالعنف والألم، وما يرافق ذلك من حضور معجم لغوي يعكس طبيعة التجربة التي تتناولها، إلى جانب بناء مشاهد تقوم على الإقناع التدريجي حيث تُقدَّم الأحداث ضمن سياق يقترب من الواقع ويجعل القارئ يتعامل معها بوصفها جزءًا من تاريخ ممكن.
كما عرج الدكتور محروس القللي في حديثه إلى عدد من الشخصيات التي تحضر داخل الرواية، من بينها شخصية "ستانلي" التي تتشكل كنموذج يعكس طبيعة العلاقة بين القوة والهيمنة، حيث تتحرك داخل النص باعتبارها أداة لإعادة إنتاج هذه العلاقات في سياق يكشف عن آليات السيطرة التي مورست على المجتمعات المستعمَرة وكيفية تبريرها داخل الخطاب السائد. وتوقف عند بنية السرد في الرواية، مشيرًا إلى أنها تقوم على تعدد الأصوات وتداخلها مع غياب خط سردي واحد، وهو ما يجعل القارئ في حالة متابعة مستمرة لتحولات النص، حيث تنتقل الأحداث بين وجهات نظر مختلفة وتُعاد صياغتها داخل بنية أقرب إلى التشكيل المسرحي.
وفي سياق حديثه عن نهاية الرواية أشار "القللي" إلى أنها تميل إلى تقديم الواقع كما هو دون الدفع نحو حلول أو نهايات مغلقة، حيث تظل الأسئلة مفتوحة ويستمر الصراع دون حسم، في إشارة إلى أن ما جرى في التاريخ لا يزال ممتدًا في صور مختلفة، وهو ما يمنح النص بعدًا يتجاوز حدوده الزمنية.
واختتم الدكتور محروس القللي مداخلته بالإشارة إلى أن هذا النوع من الكتابة يفتح المجال أمام قراءة الأدب العُماني ضمن أفق أوسع يرتبط بقضايا إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، ويتيح إمكانية حضوره داخل النقاشات العالمية إذا ما توفرت له شروط التقديم والمعالجة النقدية المناسبة.
مداخلات مثرية
وفي ختام الجلسة دار نقاش بين الحضور والمتحدثين حول علاقة الرواية بالتاريخ وحدود التخييل في التعامل معه، حيث طُرح مدى حضور "الآخر" في الرواية العُمانية وما إذا كان يمثل اتجاهًا عامًا أم تجارب محدودة، كما جرى التوقف عند العلاقة بين التخييل والتمثيل في قراءة المادة التاريخية، وإمكانية النظر إلى النص السردي كإعادة تشكيل للماضي أكثر من كونه استعادة له. كما تناولت المداخلات فكرة تداخل الأزمنة بين الماضي والحاضر، حيث يتحول التاريخ إلى مساحة ينعكس فيها الواقع المعاصر، مع التأكيد على أن الكتابة تنشغل بالإنسان وتجربته قبل انشغالها بتوثيق الوقائع، إلى جانب مناقشة حدود نقل ثقافة الآخر داخل الرواية، وما إذا كانت تُقرأ كمعرفة مباشرة أم كبناء سردي يحمل دلالات أعمق، كما طُرحت تساؤلات حول أثر معرفة خلفيات الكاتب ومصادره على القراءة بين من يرى استقلال النص عن سياقه ومن يذهب إلى أن هذه الخلفيات تفتح مسارات إضافية للفهم.
