مسجد «الحيلين».. ما يُروى وما يُرى!

05 أبريل 2026
05 أبريل 2026

مضيتُ برفقة خيوط الشمس التي مدّت أوردتها البرتقالية الناعمة لتغزو العتمة بتمهلٍ خلاب. كنتُ على موعدٍ مع الطبيعة التي تربطني بها صلة حميمة، في مكان ترك في داخلي أثرًا طفوليًّا عميقًا يستيقظُ كلما ظننتُ أنّه طُمس بين طيّات روحي. 

في طفولتنا، كان الطريق إلى قرية «الحيلين» المُخبأة وراء طبقات من الانحناءات الجبلية -كفتنةٍ لا تُضاهى- شاقًّا جدا. تتقطعُ السُبل إليها عند اندحاق وديانها من رؤوس جبالها البعيدة. دواليب السيارة فوق الطريق غير المُعبّد، تدفعُ أحشاءنا الصغيرة لأن تستفرغ ما فيها أكثر من مرّة. 

لكن العناء ما يلبثُ أن يخفت حين نغدو أسفل سدْرتها المُعمرة التي تفرشُ ظلالها لتصبح مواقف للسيارات القادمة من كل حدب وصوب. نمضي وسط ابتهاج عارم، نمرُّ بدكاكينها وبيوتها المُتقاربة على نحو حميم، فلا تفصلها عن بعضها أحواش كالتي تُحيط ببيوتنا. وفي العودة الليلية المحمومة بالحكايات -حيث لا أعمدة كهرباء تُضيءُ الدرب- تنمو قصص السحر في مخيلاتنا الغضّة فيعلو خفقان قلوبنا. 

استعدتُ التفاصيل الناعمة عندما وصلنا باكرًا إلى «وادي الجهاور»؛ حيثُ ينبثقُ تاريخ سلالة أجدادي وسط جبال صلدة، فيبدو البشر والماء كأنّهما جُدل من تجلٍّ واحدٍ ومن تآزرٍ مُضنٍ لجعل الحياة مُمكنة. 

بعد أن عُبّدت الطرق غدا بلوغها أمرا يسيرا. فما إن تصل يُفاجئك اخضرار نخيلها كلوحةٍ فاتنة ويجذبك نشيد طيورها المهاجرة وجنادب الأرض جرادها وصفاردها ودبابيرها والنبق الذي أينعت أوراقه فأطلّ اصفرار ثمره مُشعًّا في ضوء النهار. 

تسنّى لنا في ذلك الوقت الباكر من الصباح، أن نحظى باستراحةٍ تُطلّ على الوادي الذي يسحر ناظِره بتدفّق الماء الحيويّ فيه وبصفائه الذي يكشفُ ألوان الحجارةِ التي ينسابُ فوقها بخفة.. ذلك الصوت الآسر المُنحدر من مكان بعيد، يخلبُ لُبَّك لا محالة. 

كُنّا قبالة المسجد الذي شهدنا قبل أيّامٍ قلائل مياهَ الوادي تغمرُه حتى مئذنتِه، تخترقُ نوافذه وتعبره في الجَرْفة التي سمّاها أجدادنا «بالتاريخيّة». وكان يمكن لحدثٍ كهذا أن يبدو عابرًا، يُنسى بمجرّد أن تُجفّفَ الشمس أثر الماء، غيرَ أنّ المقطع المُصوَّر الذي التُقط وذاع في أرجاء الخليج والوطن العربيّ والعالم، أضفى عليه رمزيّةً جاذبة. 

فرأينا الناس يحجّون إليه ما إن هدأت الأحوال، يفدون زُرافاتٍ من أماكن شتّى. والمفاجئُ حقًّا أنّ المسجد حظي بانتباهٍ يفوقُ الوادي نفسه. يعودُ ذلك -من وجهة نظري- إلى قوّة القصّة التي رواها مقطعُ فيديو قصير عن مسجدٍ صمد في وجهِ الطبيعة. لقد رأيتُهم بعينيّ يدخلون إليه ويلتقطون له الصور، على بساطة تصميمه وتواضعه، ممّا يعني أنّ المسجد قد تجاوز مادّتَه المُجرّدة وجغرافيته التي تُحيط به، مُكتسبًا دلالة أعمق، وذلك بلا ريب صنيعُ السَّرد. 

حتى أنا أخذني الفضول لأعرف قصّة المسجد، وعندما سألتُ الأهالي قيل لي: في البدء كان مطراح ماء ينسكبُ من علٍ، يتوضأ فيه الناس ويستحموا أسفل تدفقه. شُيّد بالحجارة من قبل، لكن موقعه المُتطرف فوق الوادي دمره أكثر من مرّة. ثمّ بناه أهالي القرية وسموه «المساقة» نسبة لاسم المكان الذي بُني فيه والذي يسقي نفسه بنفسه من الطبيعة دون كدّ يد بشرية. 

ما يحتاجُه الناسُ في الأصل «قصّة» تُروى على نحوٍ جيّدٍ لتغدو إنسانيّة. يدفعُني ذلك إلى استحضارِ عُمان في حيّزها الأوسع، ففي كلِّ شبرٍ منها حكاية: لأحجارها وقلاعها وبشرها، لبحارها ورمالها وحيواناتِها، لا سيّما تلك التي تلامسُ عاطفةً ما، فتُرسّخُ أُلفةً وتنسجُ وشائجَ مع البشر والأمكنة. ولعلّ ما يمكنه أن يصنع فارقًا حقيقيًّا في مشاريع السياحة اليوم يمكثُ حقا في «القصّة» الغائبة.. لكننا عوض أن نكتبها بأنفسنا، نبقى في انتظارِ ما تصنعُه المصادفات القدريّة! 

صمود مسجدٍ صغيرٍ ناءٍ، يُذكرُ فيه اسمُ الله أمام هدير الطبيعة الجامحة، لم يعد حبيسا في حيز الحادثة العابرة، فقد أعيد تشكيل عجينة سرده وتأويله امتدادًا للخبرة الجمعية. وقد أشار إدوارد سعيد إلى فكرة لافتة: الحكايات تقعُ في صميم ما يقوله المستكشفون والروائيون عن الأماكن، ممّا يعني أنّ القصص التي تُقال عنها تُحددُ ما يُروى وما يُرى. 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»