«السقامات» من تراث الرواية الواقعية
(1)
بين حين وآخر؛ يلفت انتباهي غياب بعض الأعمال الروائية "التأسيسية" أو ذات القيمة الخاصة في تاريخ الرواية العربية على حداثة نشأتها! ويبدو أنه مع تعاظم الإنتاج الروائي ووفرة كتابة الروايات في العقدين الأخيرين؛ والتكالب على الجوائز والشهرة والمال؛ أصبح حجم الإنتاج المعروض والمنشور أكبر بكثير جدا من القدرة على المتابعة والفرز والتحليل والنقد!
تاريخ الآداب الإنسانية، وتراثات الأدب العالمي في كل الثقافات، تفيدنا بالكثير إزاء مثل هذه الظواهر (بالكثرة أو بالقلة). هنا تبرز على الفور قيمة البحث عن الأعمال التأسيسية أو ذات القيمة العالية المتجاوزة لزمانها والباقية والعابرة للأجيال بما حملته من قيم جمالية وإنسانية وثقافية يجعلها على الدوام محل اهتمام ومراجعة وقراءة واستمتاع.
أتصور أن رواية «السقا مات» ليوسف السباعي، التي صدرت للمرة الأولى في سنة 1952 واحدة من هذه الروايات التي لا تنسى، وتتجدد قيمتها ومتعة قراءتها على الدوام؛ فيما أتصور، لقيمتها العالية وروحها الشعبية الساخرة ولتميزها الفائق في تمثيلها لواحدة من أدق وأعقد الإشكاليات الفلسفية التي تواجه الإنسان في كل العصور والثقافات والأمم؛ إشكالية الحياة والموت، الفقد والاستعادة، الانقطاع والاستمرار..
وبالمناسبة فقد كان يوسف السباعي (1917-1978) واحدا من أشهر كتاب جيله في القرن العشرين، عبر في أدبه عن مجتمع الطبقة المتوسطة، الأكثر ثراء وتعليمًا. ودارت معظم رواياته حول قصة حب رومانسية، غالبًا الحب الأول، وحين ازدادت حدة الدعوة إلى الأدب الهادف في الخمسينيات وما بعدها، ضُمّ إلى قصة الحب حدث تاريخي؛ «رد قلبي» (قيام الثورة) «نادية» تأميم قناة السويس، ليل له آخر (الانفصال عن سوريا). وهكذا، وقد تميز أسلوبه بالمرح والسخرية، وحواره يستخدم الفصحي المبسطة، وإن لم يخل من الكليشيهات السائدة في ذلك الوقت.
(2)
فنلق أولا بقليل من الأضواء على الرواية التي مر على صدورها ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن، بحسب ما عرف بها قاموس الأدب العربي. هي أشهر روايات يوسف السباعي (الكاتب الرومانسي الأشهر تقريبا في زمنه وللمفارقة!) تتناول معضلة «الموت» وتدور حول سقاء في حي شعبي (الحسينية) يعرف الحب بعد لقائه خادمة جميلة، ما يلبث أن يتزوجها، لكنها تموت وهي تضع طفلها، وتتركه مع أمها العجوز، التي كُفّ بصرها، ومع ذلك تنهض بتربية الطفل ورعاية أبيه. وبينما يصحب الابن، الذي أصبح صبيا، أباه ليتعلم حرفة السقاية (السقاء)، يلتقيان بـ «شحاتة أفندي» الذي ما يلبث أن يصبح صديق السقا الوحيد، ويسكن معه في إحدى غرف البيت القديم المتهالك.
لكن التوتر ينشأ بينهما بعد أن علم السقا بمهنة شحاتة أفندي «المطيباتي» الذي يعمل «أفندي»، يمشي في جنائز الموسرين الأثرياء مقابل أجر زهيد. وبرغم نفور السقا من صديقه إلا أنه لا يقدر على فصم علاقته به، إذ وجد فيه صديقا حقيقيا، يمكنه أن يحادثه فيما لا يقدر على البوح به لأحد.
تتطور الأحداث حين يرى شحاتة أفندي المولع بالنساء «امرأة الحي الجميلة» عزيزة نوفل، وهي غانية شعبية يغرم بها شحاتة أفندي ويضحي بالغالي والنفيس ليصل إليها، لكنه يموت قبيل موعده المنعقد معها بلحظات، بسبب إفراطه في الاستعداد لذلك اللقاء.
وللمرة الثانية يواجه السقا الموت الذي اختطف حبيبته ثم صديقه، فيقرر أن يتحداه، ويرتدي بذلة صديقه، وينخرط في مهنته مودعًا للموتى. في أول الأمر ينهار لكنه ينجح، لكن المفارقة أنه يموت بعده بقليل، إذ سقط عليه جدار فأرداه. وهنا يأتي دور الصبي الذي يقبل تحدي الموت، ويرتدي بدلة الأفندي وهو يودع أباه. يموت السقا الجريح بموت حبيبته، ويموت صديقه، لكن الحياة تستقر، فالصبي يكبر ويصير شابا، يتزوج، ويصبح سقاء الحي الوحيد.
(3)
ناقشت الرواية قضية فلسفية معقدة من خلال شخصيات مصرية "شعبية" بسيطة، ونجحت في أن تقنعنا بذلك، وهذه معادلة صعبة جدًا حققتها أعمال عالمية قليلة للغاية؛ مثل «العجوز والبحر» لهيمنجواي مثلًا.. فالرواية لا تنتمي إلى عالم رومانسي، ولكنها رواية واقعية بامتياز يمكن اعتبارها نموذجا رفيعا لما يجب أن تكون عليه الرواية الواقعية، خصوصا أنها اتسمت بحبكة بالغة الإحكام، ومزج للجد بالهزل، وأصالة في تمثيل عالم الفقراء المهمشين.
لعل سر جمال هذه الرواية تلك البساطة الآسرة والقدرة الفذة على سحب قارئها بكل نعومة وجمال إلى عالمها الشعبي الأصيل، شخوصها حية من لحم ودم تنفعل معها وتتأثر بها وتشاركها لحظات السعادة المختلسة وتغرق حتى النخاع في الاستعبار والتأسي على حال الدنيا الذي لا يبقى على حال، والأماني التي لا تنال، والبشر يجرون في نهر الحياة منذ الميلاد إلى قدرهم المحتوم!
ورغم أجواء الرواية القاتمة في غير قليل من مواضعها، فإنها لم تخل من الحس الفكاهي الساخر، وما عُرف به السباعي من التعليق المرح على الأحداث، ومخاطبة القارئ الضمني الذي يبرز في معظم أعماله.
وقد قدم المخرج الراحل الكبير صلاح أبو سيف «السقا مات» في فيلمٍ متميز بالاسم نفسه، يعده كثيرون واحدًا من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية، وكتب عنه غير ناقد وباحث في تاريخ السينما الكثير من أعمق وأهم القراءات التي قدمت له منذ عرضه الأول وحتى وقتنا هذا.
على المستوى الشخصي، أعتبر هذه الرواية تحديدا رغم مرور ما يزيد على ربع القرن على قراءتي الأولى لها، من أحب الروايات التي قرأتها مبكرًا إلى قلبي.. وهي في ظني أفضل ما كتب يوسف السباعي على الإطلاق، ولو حافظ على الإيقاع الدرامي والحس الرهيف ذاته في باقي أعماله لكان استحق بجدارة أن يكون في الطبقة الأولى من روائيي زمانه..
(4)
وقد تأكدت من صدق هذا الحدس (إن جاز التعبير) عندما قرأت ما كتبه فيما بعد الناقد الكبير الدكتور محمد بدوي، والناقد القدير محمود عبد الشكور. ثمة إجماع بأن «السقا مات» هي أفضل ما كتب يوسف السباعي، على غزارة إنتاجه والإلحاح الكبير للدفع به إلى الصدارة في وجود أسماء بقيمة نجيب محفوظ، ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وفتحي غانم، وسعد مكاوي وعبد الرحمن الشرقاوي!!
فمحمود عبد الشكور على سبيل المثال يرى أنها نسيج مستقل تماما عن كل أعمال يوسف السباعي، ففي هذه الرواية يبتعد السباعي كثيرا عن الرومانسية الزاعقة، ليقدم عملا واقعيا فريدا موضوعه الموت، والقارئ للرواية بعمق سيكتشف فورا قدرة السباعي العظيمة على خلق البيئة الشعبية وشخوصها بصورة تكشف عن "عين" لاقطة دقيقة رائعة، والملاحظ أيضًا أنه لم يفلت أبدا فكرة "الموت" رغم اكتظاظ الرواية بالتفاصيل والشخصيات، ويتساءل عبد الشكور محقا: ولا أعرف بالضبط، لماذا لم يستكمل يوسف السباعي هذا المسار الواقعي المحكم المنضبط؟!
أما الدكتور محمد بدوي فيرى أن يوسف السباعي قد حقق في «السقا مات» ما لم يحققه في رواياته الرومانسية، أو في رواياته عموما التي أرّخ فيها للأحداث السياسية المفصلية منذ يوليو 1952.. ونحن في الرواية مع فضاء هامشي وشخصيات لم يكتبها من قبل سوى نجيب محفوظ ويحيى حقي، لأن هذه الشخصيات ليست صيغا تجريدية أو رموزًا، بل شخصيات واقعية، تجالد الحياة، وتتفاعل معها وتستطيع أن تمتلئ بمشاعر سامية، وهواجس اختص المؤلفون بها عادة أفراد الطبقة الوسطى.
ستظل «السقا مات» عندي، وعند كثيرين من محبي الأدب والرواية عموما والرواية الواقعية بالأخص، واحدة من أجمل الروايات العربية في القرن العشرين.
