احتمالات انتفاضة جديدة.. هل باتت واردة؟
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987، المعروفة بـ"انتفاضة الحجارة"، وما تبعها من انتفاضات وهبّات، وانتفاضة الأقصى 2000، جرت مياه كثيرة في النهر، ونهضت متغيرات عدة، تحول دون تكرار تجربة الانتفاضتين. وعلى الرغم من أن سياسات الاحتلال وممارساته القمعية شكلت على الدوام شرارة اندلاع الهبّات والانتفاضات الفلسطينية، وما زالت اعتداءاته قائمة، ورغم كل ما يمارسه المستوطنون من قتل وحرق وتدمير، وما يقوم به جيش الاحتلال من مداهمات واعتقالات وقمع، إلا أن كل ذلك لم يفلح في تحشيد الشارع الفلسطيني للانخراط في انتفاضة عارمة، ولم ترقَ ردود الفعل إلى مستوى الانتفاضة، فما الأسباب؟
ومنذ الحرب الإسرائيلية الدامية على قطاع غزة، وما تبعها وتفرع عنها، تشهد العديد من مدن وقرى الضفة الغربية مواجهات شبه يومية مع قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين، أسفرت عن سقوط العشرات من الشهداء والجرحى، لكن استناداً إلى قراءات المراقبين، فلا مؤشرات حقيقية على اندلاع انتفاضة ثالثة.
في المناطق الريفية الملتهبة، بات كل شيء يؤشر على دخول الفلسطينيين نفقاً مظلماً، لا يضيئه سوى وميض النار التي يشعلها المستوطنون، وعلى حافة قرص النار الذي يتطاير منه الشرر، تبدو الضفة الغربية على المسافة صفر من الانتفاضة. لكن ثمة من المراقبين والمحللين من يميلون في تقديراتهم نحو المواجهة المتدحرجة، بحيث تخرج كتلة اللهب من منطقة إلى أخرى، لترسم على خريطة المواجهة معالم "هبّة جماهيرية" تهيئ الطريق أمام الانتفاضة.
ملامح انتفاضة
أمام الإطارات المشتعلة والمتاريس الحجرية، وهي من أدوات الانتفاضتين الأولى والثانية، ثمة صدور عارية، وشبان منتفضون جاهزون لزجر العدوان الإسرائيلي، يرفعون شارات النصر، وتعلو هتافاتهم كلما اشتد زخم المواجهات مع الجنود والمستوطنين المدججين بالإجرام، والمفتوحة شهيتهم للقتل.. هؤلاء لا أمل لديهم إلا في المواجهة، لكنهم يفتقدون من يقودهم ويضبط اندفاعهم، فأين الفصائل الفلسطينية عنهم؟
في حديث لـ"عُمان" يقول الكاتب والمحلل السياسي عمر رحال، وهو من جيل الانتفاضة الأولى، إن تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، وممارسات جيش الاحتلال تدفع باتجاه الانتفاضة، وتجعل من اندلاعها أمراً وارداً، لكنه ليس حتمياً، بالنظر إلى الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، والواقع المعاش في عموم الأراضي الفلسطينية.
ويضيف: "الانتفاضة إحساس عفوي، ولا علاقة لها بالجغرافيا، فسمتها المشاركة الشعبية العامة، لكن هناك معيقات تحول دون اندلاعها على صورة الانتفاضتين الأولى والثانية، وتتوزع ما بين الانقسام الفصائلي الذي انعكس على انقسام الشارع، واختلال ثقة الشعب بالفصائل الفلسطينية، وغالبيتها فقدت بريقها بعد أن شكلت قيادة ومرجعية الانتفاضة الأولى، وكانت تتقاطع مع الجماهير في الميدان، ناهيك عن العائق الاقتصادي، فالكل أصبح يركض وراء لقمة العيش، بعد أزمة الرواتب للموظفين، وفقدان ما يزيد عن 250 ألف عامل لمصادر أرزاقهم، ولذا فالمرجح تصعيد تدريجي، وليس على شكل انفجار شامل".
ويستذكر رحال: "انسداد الأفق السياسي كذلك يمكن أن يكون شرارة لاندلاع انتفاضة، الشبان الفلسطينيون بعد جيل الانتفاضتين باتت المواجهة خيارهم الوحيد، وهم غير مرتبطين باتفاقيات، ولا مصالح لهم في السلطة، وهم يشكلون دوماً أداة التغيير، فضلاً عن كونهم العامل الأساس في أي هبّة وثورة، لكن تبقى الانتفاضة بحاجة إلى (لحظة انفجار) على غرار ما جرى في الانتفاضة الأولى بعد حادثة دهس العمال الفلسطينيين، وفي الثانية بعد اقتحام رئيس وزراء الاحتلال آنذاك أريئيل شارون للحرم القدسي الشريف.. حدث ما مهما كان بسيطاً ربما يشعل ثورة".
ولا يختلف "جميل"، الذي اكتفى بذكر اسمه الأول، وهو من نشطاء الانتفاضة الأولى وأسير محرر، مع رحال، مبيناً: "هناك أزمة ثقة بين الشارع من جهة، والفصائل الوطنية والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، فالفصائل الوطنية لم يعد لديها القرار باندلاع انتفاضة، والسلطة الفلسطينية روّضت الجمهور، واستوعبت غالبية كوادر حركة فتح تحت جناحها، كما أن السياسات الاقتصادية المحكومة بالاحتلال جعلت الخشية على لقمة العيش تتسيّد المشهد".
مسؤولية من؟
في خضم السؤال المشروع عن عدم اندلاع انتفاضة شعبية عارمة في الضفة الغربية، في الوقت الذي تستباح فيه المدن والقرى والبلدات والمخيمات الفلسطينية، وسقوط الشهداء والجرحى، يظل الجدل الفلسطيني مشتعلاً حول من يتحمل مسؤولية ما جرى، وما يمكن أن يجري.
ففي حين يعتقد فلسطينيون أن الانتفاضة الأولى انتهت بمسارعة منظمة التحرير الفلسطينية إلى قطف ثمارها قبل نضوجها، يرى آخرون أن الشعب الفلسطيني دفع ثمناً باهظاً للانتفاضة الثانية (بعد عسكرتها)، وعليه فإن تجارب الانتفاضتين وما تمخض عنهما ربما لا يشجعان على إطلاق الثالثة، كما يقول خبراء ومحللون.
ويقيناً أن ممارسات الاحتلال الرامية إلى فرض السيطرة بمنتهى الغطرسة والهمجية على سائر الأرض الفلسطينية ستدفع الفلسطينيين للرد بكل السبل المتاحة، لكن حتى الآن لم يرقَ الحراك الجماهيري إلى مستوى الانتفاضة، فغزة خرجت مثخنة بالجراح من حرب العامين، وفي الضفة الغربية تبدو المواجهات محدودة مع قوات الاحتلال، وترفض السلطة الفلسطينية خوض أي مواجهة مسلحة مع جيش الاحتلال، بحسبان كلفتها عالية.
ويدرك الكيان الإسرائيلي أن كل أساليبه من قتل وهدم وتهويد لن تدفع الفلسطينيين للاستكانة أو تفت في عضدهم، بل ستحضهم على تقديم مزيد من التضحيات للحفاظ على أرضهم خالية ونقية من سوائب الاحتلال.
لكن يبقى السبب المحوري افتقار الشارع الفلسطيني لقيادة ميدانية، بصورة الانتفاضتين الأولى والثانية، إذ بدونها لا يمكن أن تنجح الثالثة. فهل ولّى عهد الانتفاضة العارمة؟ أم يمكن أن تظهر الانتفاضة الأولى بعفويتها وشعبيتها بطبعة جديدة منها كي تكون الثالثة ثابتة؟ في سياق الرفض الفلسطيني المطلق للاحتلال وممارساته، ما يعزز في الأذهان أن بؤس الاحتلال وإجرامه، وإن بلغ الذروة في بشاعته، فإنه لن ينال من عزيمة الفلسطينيين، ولن يثنيهم عن المضي قدماً في مشروعهم النضالي التحرري، بل إن شعاراتهم الرافضة للاحتلال ستظل تتردد في الأرجاء، ليسمعها القاصي قبل الداني.
