لبنان: ميدان مشتعل.. وأرقام صادمة عن الضحايا والنزوح
بيروت - وفاء عواد
لليوم الـ26 على التوالي، واصلت إسرائيل عدوانها الواسع على لبنان، بشنّها غاراتٍ عنيفة على عدّة بلدات وقرى في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، "متوغلةً" أكثر فأكثر في دماء أبنائه، ناهيك عن الدمار الهائل في المباني السكنية والممتلكات والبنى التحتية. وذلك في سياق حرب بلا "خطوط حمراء"، حيث الساحات مشرّعة على كلّ الاحتمالات، والمجازر متنقّلة من مكان إلى آخر، فيما الأرقام تعكس جانباً من فصول المأساة.
وفي سياق حرب تجاوزت يومها الـ26 بلا "خطوط حمراء"، وسط الإنذارات والغارات الإسرائيلية التي تتزايد عدديّاً، وتتوسّع وتتمدّد جغرافياً، بحيث لم يعد هناك منطقة "آمنة" على امتداد مساحة لبنان، فإن لا صوت يعلو على صوت الميدان العسكري والمواجهات على طول الحدود الجنوبية. ذلك أن إسرائيل أدخلت قوى عسكرية جديدة إلى الأراضي اللبنانية، بهدف تدعيم القوى الموجودة وعزل جنوب الليطاني عن شماله، مستخدمةً سيناريو الأرض المحروقة والتدمير الكبير في البنى التحتية، في محاولة منها لتقسيم جنوب الليطاني إلى 3 مناطق عسكرية.. و"المنطقة العازلة" أو "الحزام الأمني" أو "الخط الأصفر" هي أسماءٌ مختلفة لمشروعٍ إسرائيلي واحد، عنوانه اقتطاع جنوب لبنان من دورته الطبيعية، وإخضاعه لسيطرة بالنار والمراقبة والإخلاء، ثمّ جرّ الجميع إلى التعامل مع ذلك بوصفه أمراً واقعاً، كما يتردّد نظرياً.. أما "حزب الله"، ووفق تأكيد أوساطه لـ"عُمان"، فيستعدّ لتوسيع نطاق استهدافاته وتكثيف إطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات الإسرائيلية والمدن الكبرى، مثل عكّا وحيفا وتلّ أبيب، مع ما يعنيه الأمر من كونه سيعمل على خطين: التصدّي للتوغلات البرية، وتكثيف عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه الداخل الإسرائيلي.
وما بين المشهدين، فإن الكلمة الأولى والفاصلة ما زالت للميدان، في بُعده اللبناني الخاص، وتحديداً عند الحافة الأمامية للقرى الجنوبية المدمّرة، حيث المواجهة مع إسرائيل دخلت، بحسب قول مصادر مراقبة لـ"عُمان"، مرحلة مختلفة كلياً، تتجاوز منطق الاشتباكات المحدودة إلى منطق "الحرب المفتوحة".
وعلى وقع الميدان المشتعل، والدمار الكبير، والغبار الكثيف الذي يغطّي المشهد ويحجب الرؤية عما هو آتٍ، لا تزال التساؤلات تُطرح عن "ماذا بعد".. ذلك أن لبنان يقف على قارعة الانتظار، مترقّباً مصير المفاوضات الأميركية-الإيرانية في سيرها على سكّة التواصل الباكستانية، حيث تتأرجح من السقوف المرتفعة إلى التصريحات المتفاوتة، وصولاً إلى نقاط تُعتبر "خطوطاً حمراء" إيرانية في ورقة الشروط الأميركية، كالأذرع والباليستي. أما القراءات المتعدّدة والمتناقضة، فتتقاطع على أن أفق هذه الحرب "مفتوح" لأجل غير مسمّى، على إيقاع الرسائل الميدانية المضبوطة حيناً، والمتفجرة أحياناً.
ومن ساحات المعارك إلى خطوط التواصل، تتسابق المواعيد بين تصعيد مستمرّ أو "تسويات" تُطبخ على نار حامية. أما على أرض المعركة المثقلة بالغارات، التحذيرية منها والواقعية، فدخلت الحرب أسبوعها الرابع، ومعها دخل لبنان في حلقة مفرغة من تصعيد مفتوح على كلّ الاحتمالات، وصولاً إلى مبادرات تقف على باب أولياء الربط والحلّ ولم تلقَ جواباً حتى تاريخه.
همّ النزوح
وفي خضمّ الفرضيات الثقيلة، تتبدّى صورة داخلية مربكة بالكامل، حيث النزوح الكثيف يضغط بثقل غير محمول على كلّ مفاصل الدولة والمؤسسات الاجتماعية، والصعوبة الكبرى في توفير المتطلبات الإغاثية لما يزيد على مليون نازح منتشرين في كلّ الأرجاء اللبنانية، مع ما يعنيه الأمر من ازدياد التعقيدات وتعمّق المخاوف من المجهول الأخطر. أما على المقلب الآخر من استمرار الميدان على حدّته، ومن تواصل الجهود الدبلوماسية من دون جواب حتى الساعة، فيكاد لا يمرّ يوم في مجريات الحرب المتدحرجة على لبنان إلا وتطبعه مجزرة بشعة جديدة، الأمر الذي أشاع رعباً شاملاً، إذ بدت إسرائيل وقد جعلت من تجمّعات النازحين المنتشرين في سائر المناطق اللبنانية، من دون استثناء، أهدافاً عسكرية، في ما يشكّل خطر ارتكاب مذابح جماعية متدحرجة، ويحوّل كلّ المناطق وكل المنازل والأماكن التي تضمّ نازحين أهدافاً محتملة للهجمات الدموية.
أرقام صادمة
إلى ذلك، كشفت تقارير صادرة عن منظمات دولية عدّة تُعنى بشؤون الأطفال في مناطق النزاعات أن "الكلفة الإنسانية للحرب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل بما تتركه من ندوب عميقة في حياة الأطفال ومستقبلهم". وقد عكست الأرقام جانباً من هذه المأساة. فبحسب وزارة الصحة العامة، قُتل ما لا يقلّ عن 1116 شخصاً وأصيب أكثر من 3229 آخرين، من بينهم أكثر من 121 طفلاً قُتلوا وأكثر من 399 طفلاً أُصيبوا بجروح، في مؤشر خطير على حجم الاستهداف غير المباشر للفئات الأكثر هشاشة.
وفي واحدة من أكثر الإشارات دلالةً على اتساع رقعة الخطر، أعلنت "اليونيسف" أن أكثر من 370 ألف طفل أُجبروا على مغادرة منازلهم في لبنان منذ تصاعد الحرب في 2 مارس الجاري، وذلك في واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي التي تطال الأطفال في البلاد منذ عقود. كما "قُتل ما لا يقلّ عن 121 طفلاً، وأصيب 399 جرّاء الحرب"، في حين أفاد مسؤول في هيئة الأمم المتحدة للمرأة بأن "ربع النساء والفتيات في لبنان أُجبرن على الفرار من منازلهنّ". أما التقديرات الأممية فتشير إلى أن نحو 20% من سكان لبنان باتوا في حالة نزوح، ما يعكس اتساع رقعة الاستهداف، وتحوّل مناطق واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت إلى بيئات غير صالحة للحياة اليومية. علماً أنه، وفي ظلّ تصاعد وتيرة النزوح، فُتحت مئات مراكز الإيواء في مختلف المناطق، معظمها داخل المدارس الرسمية، وقد بلغ عدد النازحين قرابة 1,200,000 نازح، فيما أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 150 ألف شخص معزولون في جنوب لبنان بعد تدمير الجسور.
وفي السياق، قال ممثل "اليونيسف" في لبنان ماركولوّيجي كورسي إنه "لا يوجد مكان آمن يذهب إليه الناس"، فـ"الشعور بانعدام الأمان لم يعد محصوراً بالمناطق الحدودية أو القرى الجنوبية، بل بات يطال حتى بيروت نفسها، حيث لجأ آلاف النازحين ظناً منهم أنّ العاصمة تشكّل ملاذاً مؤقتاً، قبل أن تتحوّل بدورها إلى مساحة ضغط إنساني وخدماتي هائل".
