غزة بين مهلة السلاح ونيران الإقليم.. هدنة هشة على حافة حرب جديدة
د. حكمت المصري
مع اقتراب انتهاء المهلة المطروحة على حركة حماس، تتزايد المخاوف من عودة الحرب في قطاع غزة، وسط تصعيد متسارع بين إيران وإسرائيل، ما يعقّد المشهد ويضع القطاع في قلب معادلة إقليمية مفتوحة. لا تبدو التهدئة في قطاع غزة أكثر من فاصلة قصيرة في مشهدٍ طويل من القلق. ومع اقتراب انتهاء المهلة المرتبطة بملف السلاح، تتصاعد التساؤلات حول مصير هذه الهدنة: هل هي بداية لنهاية الحرب، أم مجرد استراحة مؤقتة تسبق جولة جديدة؟ لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا هذه المرة، هو تزامن هذه المهلة مع تصعيد إقليمي لافت، حيث تتسارع وتيرة التوتر بين إيران وإسرائيل، في مشهدٍ يعيد رسم حدود المواجهة، ويجعل غزة جزءًا من حسابات أوسع تتجاوز جغرافيتها الضيقة.
حياة معلّقة بين هدنتين
في أحد مخيمات النزوح جنوب القطاع، تجلس أم مصعب (55 عامًا) أمام خيمتها، تراقب حركة أطفالٍ لا يعرفون معنى الاستقرار، وتقول: "لم نعد نخاف من الحرب فقط بل من انتظارها. كل ليلة ننام ونحن نتوقع أن نُفاجأ من جديد، الاستهدافات لم تتوقف منذ بداية الهدنة، الموت يلاحقنا في كل مكان". وتضيف بصوتٍ مثقل: "حتى الهدوء صار مخيفًا لأنه لا يبدو حقيقيًّا في ظل التهديد بإمكانية عودة الحرب مرة أخرى".
أما الحاج ممدوح شعبان (65 عامًا) فكان أمام ما تبقى من منزله: "حاولنا أن نبدأ من جديد، قمنا بشراء بعض الحاجيات، أصلحنا ما يمكن إصلاحه، لكن الحقيقة أننا نعيش وكأن كل شيء مؤقت، نسمع صوت الدبابات ليلًا وهي تقترب من المنطقة، إطلاق الرصاص العشوائي لا يتوقف مطلقًا، يوميًّا يستشهد أشخاص من جراء الرصاص العشوائي". ويتابع: "نحن لا نبني حياة نحن نؤجلها من ثلاث سنوات، لا استقرار بل حياتنا تحولت ما بين كر وفر من نزوح إلى آخر دون حل جذري لوقف هذه الحرب".
أما سلوى (32 عامًا)، أم لثلاثة أطفال، فتختصر المشهد بعبارة موجعة: "حين توقفت الحرب، لم نشعر بالأمان بل بدأنا نخاف من عودتها، خصوصًا بعد أن فشل العالم أجمع في الضغط على إسرائيل من أجل تسليم غزة للجنة التي تم تشكيلها من أجل إدارة غزة".
الواقع الإنساني هدنة بلا تعافٍ
رغم توقف العمليات العسكرية الواسعة، لا يزال الواقع الإنساني في غزة شديد القسوة حيث آلاف العائلات تعيش في خيام النزوح بالتزامن مع نقص حاد في الغذاء والمياه وتدهور كبير في الخدمات الصحية إضافة إلى ظهور آثار نفسية عميقة، خاصة لدى الأطفال، في غزة الهدنة لم تُنهِ الأزمة، بل حوّلتها إلى حالة انتظار مرهقة، يعيش فيها السكان بين الأمل الحذر والخوف المستمر.
مهلة السلاح بين الضغط والتعقيد
ترتبط التهدئة الحالية بملف نزع السلاح، وهو أحد أكثر الملفات حساسية حيث ترى حركة حماس في سلاحها عنصر بقاء وضمانة سياسية بينما تعتبره إسرائيل شرطًا أساسيًّا لإنهاء الحرب، هذا التباين يجعل من المهلة المطروحة أداة ضغط أكثر من كونها حلًا نهائيًّا، ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة.
البعد الإقليمي حين تتداخل الجبهات
التصعيد بين إيران وإسرائيل يضيف بُعدًا أكثر تعقيدًا فهناك احتمال توسّع رقعة المواجهة وتزايد استخدام الساحات المختلفة كورقة ضغط، لتتراجع فرص التهدئة المستقرة في هذا السياق، ولم يعد قرار الحرب في غزة محليًّا فقط، بل بات مرتبطًا بتوازنات إقليمية متشابكة.
السيناريوهات المحتملة ما بعد المهلة
مع اقتراب نهاية المهلة، تبرز عدة سيناريوهات منها عودة التصعيد العسكري في حال فشل المفاوضات أو تمديد التهدئة تحت ضغط دولي، بالإضافة إلى احتمال حدوث تسوية مرحلية تربط الإعمار بترتيبات أمنية غير أن جميع هذه السيناريوهات تبقى مؤقتة، في ظل غياب حل جذري.
مصر تدعو لنشر قوة استقرار في غزة
حسب ما ورد عن وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) دعت مصر، يوم الاثنين الماضي، إلى ضرورة نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، مع السماح للجنة إدارة غزة بالدخول إلى القطاع لمباشرة مهامها، معتبرة أن هذه الخطوة تمهّد لعودة السلطة الفلسطينية لتولي مسؤولياتها الكاملة في إدارة القطاع. وجاء هذا الموقف خلال اتصال هاتفي جرى بين وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، حيث تناول الجانبان التطورات المتسارعة في الأراضي الفلسطينية، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية واستمرار التدهور الإنساني والأمني في قطاع غزة.
وأكد الوزير المصري إدانة بلاده الشديدة لتصاعد هجمات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، واصفًا هذه الاعتداءات بأنها انتهاك جسيم للقانون الدولي وتقوّض فرص تحقيق السلام العادل. كما جدّد موقف القاهرة الرافض لمخططات التهجير القسري، مشددًا على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية والترابط بين قطاع غزة والضفة الغربية باعتبارهما أساسًا لحل الدولتين.
وفي السياق السياسي، شدد عبدالعاطي على أهمية التحرك العاجل لتنفيذ جميع بنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بكامل استحقاقاتها. كما اتفق الطرفان على ضرورة تنبّه المجتمع الدولي لعدم الانشغال بالتوترات الإقليمية، خاصة التصعيد مع إيران، على حساب الانتهاكات المتواصلة في غزة والضفة الغربية.
كما أكدا أهمية تكثيف الجهود الدولية لوقف نزيف الدماء، وتوفير الحماية للمدنيين، والعمل على تغليب الحلول الدبلوماسية بما يهيئ لاستئناف عملية سياسية شاملة تفضي إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية. من جهته، عبّر حسين الشيخ عن تقديره للدور المصري الداعم للحقوق الفلسطينية، مؤكدًا حرص القيادة الفلسطينية على استمرار التنسيق والتشاور مع القاهرة في هذه المرحلة الحساسة.
غزة.. انتظار لا ينتهي
في غزة، لا يُقاس الهدوء بغياب القصف، بل بغياب الخوف وهو ما لم يتحقق بعد. فبين مهلةٍ تقترب من نهايتها، وتصعيدٍ إقليمي يتسع، يبقى القطاع معلقًا بين احتمالين: هدنة قابلة للانهيار، أو حرب قابلة للعودة. أما السكان فلا يملكون ترف الانتظار بطمأنينة، بل يعيشون كل يوم على حافة ما قد يأتي.
