سياسة عمان الخارجية: الحفاظ على التوازنات والدور الإيجابي في الأزمات

25 مارس 2026
25 مارس 2026

عبر تاريخ عميق من التفاعل والتكيف مع محيطها الإقليمي والعالمي استطاعت سلطنة عمان التعامل مع المتغيرات الجيوسياسية من خلال سياسة خارجية اتسمت بالهدوء والتأني والحياد الإيجابي والحكمة النابعة من نظرة عميقة لصناع القرار تجاه ما يدور في محيطها، الأمر الذي عزز من مكانتها الاقليمية، وساعد على ديمومتها كدولة مستقلة، وساهم في استقرار نظامها السياسي؛ وهو كذلك الأمر الذي منحها تفردا في التعاطي مع التطورات والأحداث التي طالت منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط في سياقٍ أوسع، دون الانخراط في استقطابات وتكتلات، مع المحافظة على دور الوساطة والذي تستمده من جذورها التاريخية، ومن ثقة الفاعلين الدوليين في قدرتها على تقريب وجهات النظر، والوصول إلى حلول للأزمات من خلال الحوار الإيجابي، والسبل الدبلوماسية لتجنب المواجهات التي تضر بالمنطقة ككل، الأمر الذي جعل بعض المحللين السياسيين يصفونها بـ«سويسرا الشرق الأوسط».

ويتصدر المشهد الإيراني الصورة حاليا بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بعيد جولة من المفاوضات غير المباشرة التي لخصت دور الوساطة الذي تلعبه عمان لخفض التصعيد من خلال تحرك نشط، وفتح قنوات للحوار، واستضافة وتسهيل بعض جولات المفاوضات، وتقديم ضمانات من جميع الأطراف بعدم الإنجرار إلى الحرب، ومحاولة احتواء الأزمة لمنع تأجج المواجهة بين الأطراف المختلفة؛ حيث صرح معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية بأن المفاوضات التي عقدت في مسقط وبعدها في جنيف كانت تسير باتجاه خفض التصعيد، وأنها على مقربة من الوصول إلى اتفاق بين الطرفين الأمريكي والإيراني للحفاظ على الهدوء اللازم للمنطقة التي تعتبر شريان الطاقة العالمي، والتي لا تحتمل المواجهة العسكرية وتداعياتها، كما أكد معاليه في مقاله بصحيفة «الإيكونوميست» البريطانية على أن الحرب الدائرة حاليا على إيران غير شرعية ولا تخدم مصالح المنطقة، ولها تداعيات خطيرة على أمن واقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى التداعيات الأوسع على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، داعيا واشنطن وحلفاءها إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

لقد تمتعت منطقة الخليج العربي عبر عقودٍ بخصوصيةٍ تامة في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، وعليه فإنها كانت على الدوام ساحة صراع وتنافس للقوى العظمى منذ وصول البرتغاليين إلى المنطقة في أواخر القرن الخامس عشر، وحتى اكتشاف النفط في بدايات القرن العشرين.

ولا شك أن ما شهدته المنطقة من أحداث في العقود الأخيرة ألقت بظلالها على منطقة الخليج العربي وعلى المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وأثرت كذلك على العلاقة بين دول الخليج العربي الست، وطرحت تساؤلات حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي بعد أكثر من أربعة عقودٍ على تأسيسه، ورغم ذلك بقيت السياسة الخارجية العمانية تجاه المنطقة ثابتة، ولعبت مسقط دور الوسيط في مناسبات عدة، وفتحت أبوابها لتسهيل المحادثات بين مختلف الأطراف، وهو نهج متجذر في العقود الأخيرة؛ فرغم العزلة النسبية التي شهدتها عمان عن محيطها الإقليمي منذ تفكك الامبراطورية العمانية عام 1856 إلا أن المتتبع لسياسة عمان الخارجية تجاه منطقة الخليج العربي يدرك أنه منذ تولي السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الحكم عام 1970 حرصت عمان على وحدة الصف، وتوحيد الكلمة، والعمل الجماعي للتركيز على بناء الإنسان، الأمر الذي أكسبها ثقة الأطراف المختلفة، من خلال سياستها المتزنة، وثباتها على المبادئ، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وعدم الانخراط في صراعات غير محسوبة قد تكلفها الكثير، والدفع بالجهود الدبلوماسية بالتعاون مع الشركاء الإقليميين وفي مقدمتهم الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، واستمر هذا النهج المستقل والمتفرد مع تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أعزه الله- مقاليد الحكم في الحادي عشر من يناير 2020، حيث أكد جلالته أن سلطنة عمان ماضية في رسالتها السامية، وقيامها بالدور الإيجابي في المنطقة، وأكد جلالته على استقلالية السياسة الخارجية العمانية وقرارها السيادي من خلال عدم الانسياق وراء الأهواء والرغبات، والدخول في تكتلات وتحالفات موجهة نحو طرف معين، الأمر الذي لخص اتزان وثبات السياسة الخارجية العمانية عبر أكثر من خمسة عقود، كما أكد جلالته دعم عمان لقضايا العرب والمسلمين وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني ضمن إطار دبلوماسي متوازن يركز على فرص السلام للوصول إلى حلولٍ ملائمة لأطراف أي صراع.

في الوقت الذي تحافظ فيه عمان على نهج معتدل وغير تصادمي، مجنبة نفسها أي خطاب تصعيدي، مستخدمةً القنوات الدولية للحفاظ على التهدئة ويتجلى ذلك بوضوح الالتزام بمبادئ الاعتدال والحفاظ على التوازن والاستقرار الاقليمي، وقد أماطت الأحداث الأخيرة اللثام بشكل أكبر عن جوهر السياسة الخارجية العمانية الذي يدعو إلى الهدوء وعدم استنفاد الفرص للوصول إلى حلول سلمية بالتعاون مع الفاعلين الإقليمييين.

ورغم استهداف بعض المرافق الحيوية في السواحل العمانية كميناء صحار، ومناطق التخزين في المنطقة الاقتصادية بالدقم، وميناء صلالة إلا أن مسقط حافظت على هدوئها المعتاد، مع إصدار بيان رسمي تؤكد فيه على سيادة أراضيها، وحافظت على التواصل مع الجانب الإيراني لاحتواء الأزمة ولتجنب توسيع دائرة المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مؤكدة رفضها التام واستنكارها لاستهداف إيران لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.

كما حرصت مسقط من خلال التشاور مع الأشقاء الخليجيين على ضمان عدم دخول دول مجلس التعاون مجتمعة أو منفردة كطرفٍ في الصراع القائم، مع التأكيد أن السلام خيارٌ أول، وأن المواجهة ليست حلا مطروحا على طاولة السياسة الخارجية العمانية التي تمتاز بالتعقل الرصين، واستشراف التبعات، وإمعان البصيرة، وإعلاء صوت الحكمة.

من خلال ما سبق ومع ممارسة الدور التقليدي للسياسة الخارجية العمانية يتضح بأن مسقط اتخذت هذه المرة موقفا صريحا بإدانتها للضربات الأمريكية الإسرائيلية لإيران، والتحذير من التصعيد الإقليمي وتبعاته على المنطقة والعالم، حيث وصفه وزير الخارجية العماني بأنه «خطأ فادح»، كما أن موقفها اتسم بالتوازن من خلال إدانة استهداف دول مجلس التعاون الخليجي دون استثناء، ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس وعدم التصعيد، كما ناشدت إيران بإبقاء طرق التجارة مفتوحة وعدم عسكرة مضيق هرمز كشريان حيوي للطاقة، مدركةً في نفس الوقت بأن الحياد لا يجلب الأمن دائمًا وهو ما اتضح من خلال استهداف إيران لبعض المناطق الحيوية، وعليه فإن مسقط غدت أكثر حاجة إلى تحقيق التوازن من خلال عاملين رئيسيين: أولا الحفاظ على التقارب المعهود مع طهران للدفع بالحلول الدبلوماسية من خلال الاستعانة بأطراف إقليمية كالسعودية وقطر وتركيا أو حتى باكستان، لضمان تدفق الطاقة وسلامة طرق الملاحة البحرية، وتأكيد بيئة إقليمية صالحة للاستثمار الأجنبي الذي يمثل ركيزة مهمة في الرؤى الاقتصادية المستقبلية لدول مجلس التعاون.

ثانيا: تحرص مسقط على بلورة موقف موحد للعواصم الخليجية إزاء أي تدخل أجنبي يفضي إلى أزمات تكون فيها دول مجلس التعاون أول المتضررين، وهذا لا يتأتى إلا بنبذ التباين في وجهات النظر، والتركيز على المنافع الجماعية لاستقرار المنطقة، ويقين تام بأن إطالة أمد الصراع ستكون له تداعيات خطيرة على دول مجلس التعاون نفسها قبل أن يكون لها تأثيرات إقليمية وعالمية.

هكذا تواصل مسقط مسارها الدبلوماسي المعهود، وتحافظ على استقلالية القرار العماني، والاستعداد بشكل أفضل لما يستجد من أحداث.