No Image
العرب والعالم

هل يبحث العالم العربي عن شركاء جدد في ظل الحرب مع إيران؟

25 مارس 2026
ثلاثة خيارات محتملة للدول العربية في تنويع شراكاتها بعيدا عن الولايات المتحدة
25 مارس 2026

واشنطن "د. ب. أ": في ظل تصاعد الحرب مع إيران، قد تعيد الدول العربية تقييم تحالفاتها، بحثا عن شركاء جدد يوازنون بين الأمن والمصالح في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد. هذا ما أكده الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط وروسيا والأمن الدولي، أرمن محموديان، في تقرير نشرته مجلة "ناشونال انتريست". وقال محموديان إن الضربات الصاروخية الإيرانية على جيرانها العرب قد تدفع هؤلاء الجيران إلى السعي لتوثيق علاقاتهم مع الولايات المتحدة، لكنها قد تدفعهم أيضا إلى الابتعاد عنها.

ففي العاشر من مارس الجاري، ادعى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث أن إيران ارتكبت خطأ فادحا بإطلاق هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على جيرانها العرب عبر الخليج. وجادل هيجسيث بأن إيران كشفت من تكون وما الذي تمثله من خلال تلك الهجمات، مضيفا أن جيرانها العرب لا يمكنهم الاعتماد على استرضاء طهران لتجنب هجمات مستقبلية. وبالتوازي مع هيجسيث، خلص العديد من المحللين أيضا إلى أن هجمات إيران على جيرانها كانت خطأ استراتيجيا مكلفا، معتبرين أنها ستدفع دول الخليج العربية إلى الاقتراب أكثر من خصوم إيران، أي إسرائيل والولايات المتحدة، ومع ذلك، لم توقف أي من هذه التحذيرات استمرار الهجمات الإيرانية.

ويقول محموديان إنه بالنظر إلى هذه العيوب الاستراتيجية الواضحة، لماذا تواصل إيران هذه الهجمات؟ ويرى أنه من وجهة نظر طهران، يبدو أن فوائد الاستمرار في هذه العمليات تفوق مخاطر دفع الدول العربية نحو إسرائيل. فبالنسبة لإيران، تعد الحرب وجودية وغير متكافئة. ومع افتقارها إلى القدرة العسكرية لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر، تعتمد إيران بدلا من ذلك على وسائل اقتصادية للرد على ضغوطهما. وعمليا، يعني ذلك ممارسة ضغط على أسواق الطاقة العالمية عبر إغلاق مضيق هرمز واستهداف جيرانها العرب، ما يؤدي إلى فوضى اقتصادية وحالة من الخوف، ويدفع الغربيين إلى مغادرة تلك الدول، وفي نهاية المطاف يفرض تكاليف غير مباشرة كبيرة على الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تأتي هذه الاستراتيجية بتكلفة كبيرة. فإذا نجت إيران من الحرب، فستواجه تداعيات تقويض سنوات من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق انفراج مع دول الخليج العربية. ويشمل ذلك التقارب الذي تم بوساطة صينية مع السعودية في عام 2023، فضلا عن التوسع التدريجي في العلاقات مع كل من الإمارات والسعودية. وقد تضررت هذه المكاسب الآن بشدة، ومن المرجح أن تظل العلاقات متوترة في المستقبل المنظور.

وتثير أفعال إيران سؤالا مهما، فبينما تلحق الهجمات ضررا واضحا بعلاقاتها مع الدول العربية، كيف ستؤثر في تموضع تلك الدول تجاه الولايات المتحدة؟ هل ستعزز هذه العلاقات، أم تبقيها كما هي، أم تدفعها في اتجاه مختلف؟

ويرى محموديان أن هناك عدة سيناريوهات يمكن تصورها نتيجة لهذه الضربات. أحدها هو استمرار الوضع الراهن في العلاقات بين الدول العربية والولايات المتحدة، أو حتى تعزيزه. فقد تعزز الهجمات الإيرانية على جيرانها العرب إدراكهم لإيران كتهديد خطير وتؤكد حاجتهم إلى الدعم الأمريكي. ونتيجة لذلك، قد تختار هذه الدول مضاعفة وتوسيع تحالفاتها العسكرية مع واشنطن. ففي نهاية المطاف، تظل الولايات المتحدة الفاعل الأقوى في المنطقة، وقدراتها يمكن أن تردع جزءا كبيرا من الهجمات الإيرانية.

لكن هذا ليس الاحتمال الوحيد. فهناك سيناريو بديل يتمثل في سعي الدول العربية إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة، ليس عبر إضعاف العلاقات السياسية أو الاقتصادية، بل عبر تقليل اعتمادها العسكري على واشنطن، وبالتالي إرسال إشارة إلى طهران بأنها ليست وكيلة للولايات المتحدة ولا ينبغي أن تستهدف في حرب أمريكية-إيرانية. وفي هذه الحالة، قد تحد هذه الدول من توسيع التعاون العسكري مع الحفاظ على العلاقات السياسية والاقتصادية القائمة.

وبطبيعة الحال، فإن هذا السيناريو يعني فعليا منح إيران هدفها السياسي من خلال هجوم غير مبرر، وهو أمر قد يصعب على قادة الخليج تقبله. ومع ذلك، يواجه هؤلاء القادة أيضا حقيقة أن الولايات المتحدة مضت قدما في الحرب رغم اعتراضاتهم، ما يثير تساؤلات حول موثوقية واشنطن كشريك. وقبل اندلاع الصراع، بذلت دول الخليج جهودا دبلوماسية جادة لمنعه. ففي منتصف يناير، عندما بدأت مناقشات حول عمل عسكري أمريكي جديد ضد إيران، نسقت كل من سلطنة عمان وقطر ومصر والسعودية جهودا دبلوماسية لثني واشنطن عن دخول حرب جديدة، لكن إدارة دونالد ترامب تجاهلت هذه النداءات، ووجدت تلك الدول نفسها منخرطة في الصراع بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ويقول محموديان إنه بينما يمكن احتواء بعض الأضرار عبر خفض التصعيد، فإن تداعيات أخرى ستكون طويلة الأمد. وتعتمد اقتصادات دول الخليج ليس فقط على النفط والغاز، بل أيضا على دورها كمراكز للاستثمار والسياحة العالمية. وقد استندت جاذبيتها إلى الاستقرار والأمان وقابلية التنبؤ. إلا أن الحرب الحالية قوضت هذه المزايا. وتشير تقارير إلى أن المغتربين يغادرون مراكز مثل دبي نتيجة للصراع، بعضهم بشكل دائم، بعد أن خلصوا إلى أن حياتهم واستثماراتهم لم تعد آمنة هناك. ونتيجة لذلك، قد تكون بعض التكاليف التي فرضت على الدول العربية بسبب حرب لم تبدأها غير قابلة للعكس.

ويضيف أنه في هذا السياق، قد تجد الدول العربية نفسها أمام واقع تشكل فيه العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة تكلفة كبيرة. فهل يمكن أن يؤدي تقليص هذه العلاقات إلى تقليل تعرضها للمخاطر؟ قد يجادل البعض بأن إضعاف هذه الروابط سيقلل أيضا من الدعم الذي تتلقاه الدول العربية. لكن المشككين في الخليج قد يرون أن هذا الدعم أصبح ضروريا أساسا بسبب تلك العلاقات العسكرية نفسها. ومن السهل تصور حلقة مفرغة، إذ تؤدي العلاقات المتوترة مع إيران إلى دفع جيرانها العرب نحو المعسكر الأمريكي-الإسرائيلي، لكنها تجعل تلك الدول أيضا أهدافا أكثر ترجيحا للانتقام في أي صراع قادم.

ويقول محموديان إنه إذا رغبت الدول العربية في تنويع شراكاتها بعيدا عن الولايات المتحدة، فلديها ثلاثة خيارات محتملة: الأول هو التوجه شرقا عبر التقارب مع الصين وروسيا، القوتين الكبيرتين الأخريين في العالم. وهذا ممكن، وقد استكشفته بعض الدول في السابق، لكنه أثار أيضا ردود فعل أمريكية قوية. فعلى سبيل المثال، عندما سمحت الإمارات للصين بإقامة منشآت في ميناء خليفة، واجهت ضغوطا أمريكية شديدة. إضافة إلى ذلك، أثارت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على إيران والهجمات الأمريكية السابقة على أنظمة روسية في فنزويلا شكوكا حول موثوقية المعدات العسكرية الصينية والروسية كبديل للمعايير الأمريكية المتقدمة. ورغم رغبة الدول العربية في تقليل اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة، فإنها لا تسعى إلى إضعاف علاقاتها السياسية والاقتصادية مع واشنطن. ولذلك، فإن التحول الكامل نحو الصين وروسيا ليس الخيار الأكثر جاذبية.

الخيار الثاني، وهو الأكثر ترجيحا، يتمثل في تعميق التعاون العسكري الإقليمي بين الدول العربية نفسها، ودفع مجلس التعاون الخليجي نحو ما يشبه "ناتو عربي". ويعد هذا الخيار أسهل تنفيذا، كما أنه لن يواجه معارضة من واشنطن، التي دعت منذ سنوات إلى تعزيز الروابط الأمنية بين الدول العربية. ومع ذلك، قد لا يوفر هذا الخيار وحده شعورا كافيا بالأمن. فحتى الآن، وعلى الرغم من التعاون القائم والدعم الأمريكي المستمر، لا تزال هذه الدول تتعرض للاستهداف. ما يشير إلى أن التعاون الإقليمي وحده قد لا يكون كافيا، وأن نوعا من الدعم الخارجي سيظل ضروريا.

الخيار الثالث هو التوجه نحو قوى ثالثة تمتلك، من جهة، قدرات عسكرية ذات أهمية، ومن جهة أخرى لا يثير وجودها استفزاز الولايات المتحدة. وهناك عدد من الدول التي يمكن أن تؤدي هذا الدور المحتمل. فأمن الخليج وتدفق صادرات النفط يهمان العديد من الدول، وبعضها يمتلك بالفعل قدرات عسكرية مفيدة.