خزانات مغلقة
جوخة الحارثي
كُنَّا، أنا وهي، وحيدتيْن في العالم، وكان العالم كلُّه يدور من حولنا مثل عجلة ضخمة دوَّارة نتفرّج عليها دون أن نركبها قطّ.
في الليالي التي ينسونا فيها تماما، ويغلقون الباب الخشبي الثقيل عليهم، نضطرُّ، أنا وهي، إلى النوم على عتبة الباب، أو تحت شجرة المانجو في الحوش، ولأني كنتُ أرتعش من البرد أو الخوف، كانت دائما تحيطني بذراعَيْها حتى أنام.كان لعظام صدرها وساعديْها وهي تضمُّني صوت يشبه تكسّر أجنحة الفراشات اليابسة. كنا نصيدُ تلك الفراشات منقّطة الأجنحة بالأسود، أو برتقالية، أو صفراء، نحبسُها في الصناديق الخشبية الفارغة، التي تحمل أحيانا آثارا باهتة لشعارات شركات الفواكه، وحين تموت نجفّفُها ثم نكسّر أجنحتها. كان ذلك هو صوت عظامها وهي تلفّني بالليل ولكنّي لم أخبرها أبدًا، فلم أكن أريدها أن تكفَّ عن جعل ذراعها النحيلة وسادةً لي، فالتراب الرطب يلتصق بي، أو يتسلل النمل الأسود إلى أذني وتحت ثيابي ويقرصني، وعلاجها لكل هذا هو البصق عليّ، أمَّا ذراعها التي تتقضقض عظامها فترفع رأسي قليلا، وتتركني مطمئنةً أن النمل لن يقرب أذني وأنفي. في النهار كنَّا نتتبَّع مسارات النمل الذي آذانا في الليل، نضع في طريقه أغصانا رفيعة يتسلّقها في صفّ منتظم ثم يكمل طريقه على الجدران والشقوق، سحقنا بعضه من باب الانتقام ولكنه لم يتشتَّت، بل واصل السير في مساراته المنتظمة، جيوش سوداء تحمل يرقاتها، أو طعامها من الديدان أو الحشرات الميّتة. وقد تناقشنا أكثر من مرة إن كان بالإمكان شيّ النمل وأكله، خاصّة إذا أوجعتنا بطوننا من المانجو الفجّ، الذي نقطفه خلسة ونخبئه داخل صندوق الفراشات حتى نأكله بالليل حين ينامون ويغلقون الباب من الداخل.
كنّا نذهب دائما في جولات نعود منها بغنائم: قصاصات أقمشة ملوّنة، كرة خيوط صوفية حائلة اللون، إبر خياطة، صناديق فاكهة خشبية فارغة، مستطيلات من الكرتون المقوّى، سكين صغيرة، علبة ملح، مسامير صدئة، زجاجات، علب كبريت نصف فارغة، لحافات ممزّقة، بطّاريّات قديمة...
كانت تفرش الكرتون المقوّى واللحافات المهترئة تحت شجرة المانجو لننام عليها، وتعقدُ شرائط بقايا الأقمشة في نهايات ضفائري لتبقى ثابتة، وتُرقّع بالقصاصات ثيابنا، أو تلفُّها حول أقدامنا لتقينا حرارة الشمس. يبَّسنا الفراشات على أسطح الصناديق الخشبية، أشعلنا النار في السعف اليابس فطرد الدخان الدبابير من أعشاشها، انقضضنا على بيوض الدَّبابير، شويناها ورشَشْنا عليها الملح وأكلناها، ثم دفنَّا بعض الغنائم التي جهلنا فوائدها.
وكما كانوا ينسوننا بالخارج، سهوًا، كانوا أحيانا، سهوًا، يدعونا ندخل إلى البيت، ولكن لا يرانا أحد، تقريبا. كانوا يطبخون ويأكلون ويتجشّأون، ويصخبون ويشتمون ويجأرون، ويتعاركون على الحمّام والمناشف والجوارب ودفاتر المدارس، ويصفع واحدهم الآخر، ويتابعون المباريات على التلفزيون، ويتعانقون حين يفوز فريقهم، ويُخرسون الرُّضَّع بالـمُلهيات البلاستيكية، ويغنّون بأصوات مُنكرة، ويتجادلون، ويغلقون الخزانات.وأنا وهي ملتصقتان معًا في صمت، كأنّ الواحدة منَا ظلٌّ للأخرى. نأكل ما تبقّى في القدور بأصابعنا، ونستحمّ أحيانا إذا ناموا أو خرجوا، أفركُ ظهرها الـمُجعّد، وأتسمّع صوت عظامها الغريب تحت يدي، وأحيانا أفركُ بالليفة أصابع قدميها حتى يكاد يختفي السواد تحت أظافرها، فتتدغدغ وتضحك، وترشُّ عليّ الماء، ثم تُجلسني بين ركبتيها الناتئتين وتغسل شعري بالشامبو، ثم تضفّره وهو مبتلّ، ونتسلّل من الحمّام على أطراف أصابع أقدامنا خوفًا من أن ينتبه أحد أننا أهدرنا الماء والشامبو. ربَّما يكونون قد اكتشفونا في النهاية، إذ خبّأوا الشامبو والصابون في خزانة الحمّام وأقفلوا عليها بالمفتاح.
في الصيف خرجت أسراب النمل السوداء بتوحّش من أوكارها، أكلنا النبق الأصفر المتساقط من شجرة النبق حتى تمغّصنا، والتصقت ثيابنا بأجسادنا من فرط الرطوبة، وبدأت أحكُّ شعري بجنون، أصبحت خطوط الدم تسيل من فروة رأسي على أظافري، فأحضرت هي صفيحة كاز وصبَّتها على رأسي. نزعت القمل وبيوضه بأصابعها ثم أدخلتني إلى الحمّام ذي الخزانة المقفلة. جفلتُ لما أخرجَت زجاجة الشامبو البنفسجية من طيّات ثيابها، خفتُ أن أسألها عنه فتعترف أنها سرقته، قرفصتُ أمامها وتركتها تفركُ شعري مرارا حتى كادت رائحة الكاز الخانقة أن تختفي.
لم يعد شعري يحكّني من بعد، ومنعتني من إمساك البول حتى أجد فرصة لدخول الحمّام، علّمتني كيف أتبوّل وأنا جالسة القرفصاء في الزريبة خلف البيت دون أن أكشف شيئا من جسمي أو أبلّل سروالي، وعلّمتُها كيف تعدُّ العملات المعدنية التي كان بعض المارّة يعطونها إيّاها فتصرُّها في طرف لحافها.
كانت هي مُرضعةً في شبابها لأحدٍ ما في ذلك البيت، ربَّما الأب أو العمّ، ليست أم أحد فعليّا أو جدّته، مجرد مرضعة لما كان أحدٌ ما لا يكفيه حليبُ أمه وجاءت امرأةٌ ما فقدت رضيعها لترضعه مقابل طعامها. وكنتُ أنا ابنة لأحدٍ ما في البيت، أو شبه ابنة، فقد طُلّقَت أمي قبل أن أعرف ملامحها، وأُرسِلت في باخرة، أو طائرة، إلى بلد أهلها الذي جُلِبَت منه في الأساس لتكون خادمةً لزوجات أبي الأخريات. ثمَّ مات الأب نفسه فتسابق أهل البيت على عجلة الدنيا الدوّارة، وبقيتُ أنا خارجها.
لـمّا نكون داخل البيت، ونتحرّك معًا كطيف، يكون هناك أحيانا أرز مخمّر، أو خبز يابس، بل نجدُ أحيانا لوبياء أو بيضة في طبق خرج أحد الأولاد إلى المدرسة قبل أن يأكلها. وفي مرة وجدنا برتقالة فمصصناها بالتناوب، ظنّنا يومها أننا لن نجد أفضل من هذا، ولكنّنا وجدنا.
في مساء ما لم يغلقوا الباب دوننا، دخلنا في الظلام إلى المطبخ، شمَمْنا رائحة حساء دجاج غير أننا لم نجد شيئا غير المواعين المغسولة، الثلاجة موصدة بقفل حديدي صغير، والخزانات مغلقة كالعادة. جلسنا متقابلَتَيْن على بلاط الأرضية، لم يكن الظلام دامسا إذ كانت أنوار من الشارع تدخل من نوافذ المطبخ، أمسكَت هي بوجهي وقالت إني شاحبة جدا، وإن جلدي مُبقّع، ولم أقل لها إن جلدها مُتغضّن ومُبقّع أكثر مني، سكتنا وبقينا نتسمّع صوت الجداجد وهي تصرُّ أجنحتها، ثم قالت فجأة إني أشبه الآن ماعزا هزيلة، ولكني في يوم ما سأتغذّى جيّدًا وأتعلّم، وأذهب إلى المدرسة، وأعرف ما هو أكثر من عدّ بضع عملات معدنية، وفراشات يابسة.
كانت تكرّر لي هذا وهي تمسح وجهي الذي يشبه وجه الماعز حين انتبهنا فجأة إلى طبقٍ مغطّى في زاوية الطاولة لصق الجدار، زحفنا نحوه ونحن نكتم أنفاسنا من فرط الترقّب، رفعنا الغطاء فوجدنا قطعة كبيرة من الكيك. حتى في تلك العتمة التي لا تبدّدها سوى أنوار بعيدة رأيتُ عينيها تلمعان. قسمنا الكيكة إلى قسمين، ولما أمسكَتْ بنصيبها تردّدتْ، ثم قالت أخيرا إن أسنانًا قليلة فقط قد بقيت في فمها، لذا فمن الأفضل أن آكل أنا الكيكة كلها. كانت الكيكة محشوّة بفاكهة لا أعرفها لها عُصارة، ومدهونة بالمربّى والكريما، وقد لعقَتْ هي المربّى والكريما عن أصابعي بعدما انتهيتُ من أكلها.
استلقينا على بلاط المطبخ وبقينا نتحادث عن شؤون نسيتُها، ربما عن النمل والفراشات والنبق والمانجو الغضّ، حتى نمنا، وبالرغم من أنها كانت محنيّة الظهر، وضئيلة، إلا أنها أطول مني، إذ لم أكبر بما يكفي بعد لأفوقها طولا، وكان مشط قدمها يجرح قدمي لفرط خشونته حين أتكوّر باتجاهها وأنا أستغرق في النوم وبقايا الكريما في فمي. لم تستيقظ ذلك الصباح.
حين فقتُها طولا كانت هي تحت الأرض، كنتُ قد لحقتُ بعجلة الحياة الدوّارة، وانعطف قدري، إذ أخذتني إحدى عمّاتي التي كانت عاقرا إلى بيتها، وعرفتُ أن الفاكهة التي كانت في بطن الكيكة التي لم تتذوّقها هي الأناناس، كان يُباع معلّبا ومحفوظا داخل سائل سُكّري، واكتشفتُ أنها لم تسرق الكاز والشامبو البنفسجي الذي خلّصني من القمل، فقد اشترتهما بتلك العملات التي كانت تصرُّها في عقدة في طرف لحافها. لم يخطر في بالها أن تشتري بنقودها القليلة طعاما.
أصبحتُ امرأة، أصحو أحيانا في الليل على صوت الجداجد كأني سمعتُ طقطقة عظامها تحت رأسي، فأرى عينيها الفرحتيْن المذهولتيْن الرطبتيْن تشعّان في الظلام وأنا ألتهم كيكة الأناناس كلّها.tttt
جوخة الحارثي أكاديمية وروائية عمانية حاصلة على جائزة البوكر العالمية.
