No Image
عمان الثقافي

القلق والتشظي في الشخصيات في مجموعة «في الزاوية المعتمة»

25 مارس 2026
25 مارس 2026

حمود سعود

يحاول السرد في زمننا المتسارع أن يمسك باللحظات الموغلة في الصدق الإنساني، وفي لحظات الرفض والتهجين والمعتاد والتحولات، وأن يسبر هذه التحولات المرعبة، ويحاول تحليلها فنيًا، في زمن تختلط فيه الأشياء والأفكار والقيم بالاستهلاك والحياة العصرية.

من العتبة الأولى لمجموعة القاص العُماني عبد الله خليفة، نجد أنه يختار الزاوية للرصد والتحليل والاقتراب من الشخصيات؛ ففي الزاوية يستطيع أن يسرد لنا ما تراه عينه الراصدة، والزاوية تمنح الراصد مساحة أوسع وأعمق للغوص في عوالم الشخصيات، وهذه الزاوية معتمة لأمرين مهمين؛ لتكون عملية الرصد والتحليل واضحة وقريبة من الشخصيات أولًا، وليضع القاص مسافة ضرورية بينه وبين عوالم الشخصيات، وتتحرك ـ عين السارد/ الراصدـ بحرية وعفوية أكثر ثانيا، فهو منزوٍ في زاويته، مشغولٌ بالبناء الفني لعوالم النصوص، ولا يمكننا أن نغفل عن لوحة الغلاف، حيث تحاول اليدان المنبثقتان من العتمة والظلام أن تخرج إلى الحياة، وكأن تلك العتمة تحاول أن تلتهم حياة الشخصية، وتقلق انسجامها.

تذهب نصوص مجموعة (عبد الله خليفة) إلى عوالم الشخصيات، بل إلى عمقها، وأسئلتها الوجودية، سابرة التفاصيل الصغيرة، والقلق الداخلي، والشعور الذي يحاصر هذه الشخصيات، شخصيات لا تحمل أسماء محددة، ولا تحمل وصفًا دقيقًا للملامح الخارجية، ليجعلها القاص تحمل دلالاتها الكونية، وتحمل بُعدًا نفسيًا داخليًا قادرًا على دفع الحدث السردي على التصاعد والتشكل والتلاحم، فالقاص لديه مهمة بناء العوالم الداخلية للشخصية، وسبر تحولاتها؛ إذ يبدو من قوله: «بشر كثيرون يدخلون. موجة عالية من الأصوات والناس والأيدي. أيدٍ كثيرة تسحبني من خلفي وأيدٍ كثيرة تضربني. أرى مرآة على الجدار وأراني» (ص 18)، ذلك البناء الذي تتشكل فيه الشخصيات التي ترتبط بكل مكونات السرد، الآتية من سؤال قلق، أو ذكرى جارحة، أو إشكاليات الذاكرة.

تحمل شخصيات المجموعة قلقًا متراكمًا، له جذوره في الماضي، حدث في الماضي أو الطفولة يدفع الشخصيات إلى براكين القلق، فتمضي إلى خوفها، محاولة ترميم ندوبها الداخلية، تفقد هذه الشخصيات علاقتها بالواقع والزمن، رغم أن الواقع هو مفجر هذا القلق والخوف: «يرى النافورة المائية في البعيد وقد انعكست عليها أضواء كاشفة.

في الأضواء التي تتراقص على الماء كان يرى الماضي يرتطم بالحاضر فيختلطان. يحاول أن يرتِب أفكاره، هل تغيَر وبدأ يشعر أنه يحتاج إلى البشر؟ لماذا يخاف القمر؟». ص 64 من نص «عين وحيدة».

يتداخل الماضي وندوبه مع الشعور بالخوف من الحاضر، خوف يتفجر من الآخرين؛ وهذا يحيلنا على الواقع، والمحيط الاجتماعي، فتهرب الشخصية إلى عزلتها ووحدتها. فالشخصيات غير منسجمة مع واقعها، وعدم الانسجام هذا يدفعها إلى الغوص في الجانب النفسي والمشاعر، وفي أعماقها ومخاوفها.

والبناء السردي لنصوص المجموعة يركز على ما يحدث في الجانب الداخلي، وهو الجانب النفسي، وما يختلجه من مشاعر وأحاسيس، أو يصاحبه من تحولات تكون شاهدة على تحولات الأحداث السردية؛ إذ تميل أحداث النصوص إلى البطء في تصاعدها، وتركز على سبر فكرة الزمن مثلما نجد ذلك في نص: « الأربعون».

نجد في نص (طعمُ الدَم) أن الشخصية تُطارد ذكرى قديمة وتهرب منها، ذكرى مرتبطة بحادثة طفولية، رغم أن الطفولة تحمل معنى الفرح والبراءة في دلالاتها وحمولاتها، فإن شخصية النص لا تحمل من طفولتها إلا المرارة والألم الذي يدفعها إلى دوامة من المشاعر والأحاسيس الخانقة، فنجد أن هذه الحادثة الطفولية - التي لا تظهر ملامحها ولا تفاصيلها إلا عبر ألفاظ ترمز دون الدخول إلى المشهد بشكل تفصيلي - فجرت وأظهرت الجوانب النفسية العميقة والمشاعر الصادمة للشخصية، تلك المشاعر الناتجة عن الذكرى القديمة التي تحملها الشخصية تدفعها إلى العيش في حالة نفسية خانقة وقاتلة، نجد النهاية المأساوية لهذه الشخصية في نهاية النص، «أخذ يضرب رأسه بجنون أكبر على جدران الكشك المتهشمة وحين رأى دمه يسيل على الجدران المتحطمة مثل الأفاعي، حينها بدأ في الترنح وسقط جثة هامدة». ص47

نلحظ في هذا النص ملمحين من ملامح الأسلوب السردي لدى القاص، فهو أولا مشغول بالعوامل النفسية الداخلية المرتبطة بالجانب الذي ينبني على حادثة قديمة وقعت للشخصية، والجانب الثاني أن القاص يُركز على ما تتركه حادثة سابقة من آثار نفسية عميقة، تظهر بشكل واضح في الأحداث، وتجعل كل مكونات السرد تتفاعل مع هذا الحدث، ونجد هذا الملمح بارزا في نصوص: الحصن، والبالون الأصفر، أراه المِرآة للمرأة الأخيرة، وعين وحيدة؛ حيث إن القاص لا يركز على الحادثة التي تسبب كل هلع الشخصية وخوفها بقدر ما يركز بشكل فني على الآثار المترتبة على مشاعر الشخصية وعواطفها من تلك الحادثة. ويمكننا القول إن الحدث السردي والعوالم الداخلية للشخصية تتشكل وتنسجم في لحظة واحدة.

نجد أن الخوف وحالة التوجس حاضرة في معظم النصوص، فنجد مثلا هذه المشاعر القلقة في نص «عين وحيدة»:

«استيقظ مهلوعا في منتصف الليل.

يعرف أن ذلك الشيء هنا. يحاول أن يتأكد من وجوده، ولكنه ينتفض لمجرد التفكير أنه يكون هنا بجوار نافذته.

أزال لحافه وهو ينتفض، حاول أن يغادر السرير ويضع قدميه على الأرض ليقف، ولكنه ترنح وسقط على السرير». ص57

يرتبط الحدث السردي في نص «عين وحيدة» مع عوالم الشخصية الداخلية المرتبطة بدورها مع مشاعر الخوف والتوجس، تحضر شخصية النص دون ملامح ظاهرية واضحة، شخصية مذعورة من الآخر، من حدث مدفون في الداخل، فشكل هذا الحدث أو الذكرى محركًا أساسيًا في بناء المعمار السردي للنص، ورغم أنه يظهر في نهاية النص، فإن تأثيره يبدأ من أول جملة من النص. تقنية النص لا تعتمد على استرجاع الأحداث، بل على ظهور تأثير الحدث على سلوك الشخصية وتصرفاتها.

فالذعر مرتبط بالأثر النفسي الذي سببته له الذكرى القديمة، ومنتصف الليل له ارتباط بظهور القمر، فشخصية النص تحمل بداخلها مشاعر متراكمة من الخوف والتوجس، وهذه المشاعر دفعتها لتكون انطوائيا، وصارت لديها عادات غريبة.

كل هذه المشاعر المربكة للشخصية مرتبطة بحادثة متعلقة بطفولة الشخصية، والشخصية كانت شاهدة وفاعلة في هذه الحادثة البعيدة. مما سبب لها هذا التوجس والذعر من الآخرين. وعلى الرغم من أن الشخصية تظهر في النص بصورة طالب جامعي، وقارئ نهم، فإن مشهد القمر في منتصف السماء تجعله ينتفض كالمحموم. ومع تصاعد الحدث السردي في النص، وما يرافق هذا التصاعد من تحولات نفسية للشخصية من خوف وهلع وارتباك تدفع الشخصية إلى الخوف من الآخرين والانعزال عنهم.

ومن خلال هذين الخطين: السردي والنفسي تتكشف للمتلقي الذكرى التي سببت كل هذا التأزم النفسي للشخصية، والمرتبطة بشكل رمزي ووثيق مع مشهد القمر، مشهد يحمل حدثًا مأساويًا تسبب في موت الأب والأخ.

«تنفس عميقًا وقطب جبينه حين اندفعت ذكرى ساخنة في هذه اللحظة. إذا كان القمر المكتمل هناك في الليلة المشؤومة. ذلك التفصيل الصغير لم يبدُ أنه كان مرتبطا بالليلة البغيضة في أي يوم مضى، لكنه الآن يتذكر». ص69

النص مركب ومتشابك في بنائه السردي، وفي الارتباط بين الثيمات والدلالات، طفولة وقمر وموت، وذكرى تربك التركيب النفسي والمشاعر لدى الشخصية.

ومن الدلالات التي لا يمكن أن تكون عابرة في النص، سيميائية «النافذة» التي تحضر بمثابة ركيزة ووظيفة سردية ونفسية، فهي تحمل إشارة بين العوالم الداخلية من خوف وقلق وهلع، وعوالم الخارج الذي يتمحور في رمزية القمر، والعوالم الخارجية التي تتمثل في ممرات الجامعة، والغرفة.

« لا بد أنه هناك بجوار النافذة في الخارج ينتظره، سيراه بمجرد أن يفتح النافذة» ص57، فالنافذة هنا كانت العتبة الأولى لتسرب الخوف إلى الشخصية، وهذه النافذة ستكون همزة الوصل بين الحادث المأساوي ودلالة القمر، والذكرى التي شكلتْ ركيزة للخوف، والخيط السردي الرابط بين الماضي والعوالم النفسية التي تُحرك الشخصية.

«ربما كان من نافذة السيارة يرمق هذا الأبيض المنفوخ في الأعلى حين انقلبت السيارة فجأة. كان رفيق سفر مشؤومًا». ص 70

يأتي نص «النظارة الشمسية على الطريق» منسجمًا مع أجواء نصوص المجموعة، حيث تظهر الشخصية دون اسم أو وصف ظاهري للشخصية، وأن القلق والتوجس والخوف هو ما يقود أفعال الشخصية وتصرفاتها في النص، فهي شخصية قلقة مرتبكة غير قادرة على التأقلم مع واقعها، ولا التعافي من ندوبها وجروحها الداخلية القديمة والمتجددة، فهذه الشخصية تعاني من مشاكل عائلية، وتظهر بعض الإشارات لهذه الأزمة التي تعاني منها،» ماذا يفيد وقد تركتني زوجتي وحملت طفلتنا معها!» ص27، إلا أن هذه الأزمة ليست هي الوحيدة التي سببت كل أزمات الشخصية وتأزمها النفسي، فهي تعاني من أزمة النسيان، فالنسيان الذي يحاصر الشخصية شكل محددا لأفعال الشخصية، فالشخصية تحاول أن تجد معنى لواقعها، فهي واقعة بين النسيان والتذكر، وبين الماضي والحاضر، وبين المدينة والقرية، وبين الحضور والغياب، كل هذه الثنائيات التي تحاصر الشخصية عمقت أزمتها الوجودية، «حين قدت سيارتي وجدت الشارع وكل الأشياء غامقة وغارقة في سواد خفيف. الشوارع الرمادية انعرجت بي صوب القرية». ص29.

فحضور النظارة السوداء يحمل إشارة لحياة الشخصية التي تبحث عن بصيرة لها في الحياة والواقع، والطريق الفرعية والانحرافات الكثيرة هي انعكاس طبيعي لما تشعر به الشخصية من أزمة معقدة ومتشابكة بداخلها. فسيميائية النظارة السوداء تشير إلى أن الشخصية المهزومة نفسيًا واجتماعيًا وواقعيًا تبحث عن منقذ لها من دوامات الشتات.

شخصية النص تعاني من تداخل عدة أفكار ومشاعر في داخلها، النسيان/ والتخيل، الحلم/ الواقع، المدينة/ القرية، وهذه الثنائيات عمقتْ من شعور الشخصية بالغربة والاغتراب عن واقعها، وكشفت لنا عمق القلق وعدم انسجام هذه الشخصية.

الخطاب السردي قائم في الأساس على ثنائية التذكر والنسيان، والضوء والظلام، وساعدت لفظتا المرآة والنافذة على تعميق هذه الثنائية، والكشف عن مدى غياب الشخصية عن واقعها، وأزماتها الداخلية، حيث تشير المرآة إلى أزمة عميقة، وتشير النافذة إلى عالمين منفصلين ومتصادمين، عالم الداخل (المأزوم)، وعالم الخارج (دوافع هذا التأزم)، يمثل هذا النص تصورًا نفسيا للإنسان المعاصر وما يحمله من أسئلة وجودية، واغتراب قاتل: « ركضت مندفعًا صوب نافذة شقتي لكي أتنفس، رأيت العالم غارقًا مرة أخرى كما لو أنني أنفقت كل النهار مغمى عليً في أرضية الحمام. أرى العالم الآن مضاءً بالمصابيح وغارقًا في أبواق السيارات». ص32.

تنسجم ثيمات المجموعة، رغم اختلاف عوالم كل نص، فهناك خيط سردي وتلاحم في الثيمة بين نصوص المجموعة وفضاءاتها، وهذا ما نجده في نص « في الزاوية المعتمة» حيث نجد الشخصية الرجل/ الطفل في صراع « تذكري/ ذاكري» لحدث وقع في طفولة الشخصية، وسبب لها أزمة في التأقلم مع الواقع.

هذا الصراع الذي تعيشه الشخصية شكل خطابًا سرديًا نفسيًا للنص، معتمدًا على ثنائية النسيان والتذكر، وهذه الرحلة الشاقة والمكابدات النفسية التي تبذلها الشخصية في محاولتها للتذكر، ومحاولتها الأعمق في الانسجام مع محيطها، هي محاولة لاستعادة الذات الغائبة، ومحاولة للرجوع إلى الأنا، «تتوقف الذكرى هنا. أعرف أنني حين صرت أبكي رأيت شيئًا أفزعني، ولكن عقلي يرفض أن يتذكر الباقي. أنا تعبتُ وأتعبتُ طبيبي». 36

هذه الرحلة الشاقة التي تتبعها معظم شخصيات المجموعة تدفعها إلى الغوص والبحث في زمن الطفولة، ونصوص المجموعة قائمة على تقنية الرجوع إلى حدث طفولي في حياة الشخصية، هذا الرجوع الزمني والحدثي يسببان تأزما على مستوى الحدث السردي ومستوى العوالم النفسية للشخصية، وتحاول كل شخصية في كل نص مواجهة هذا الماضي الطفولي، أو الحدث الواقع الحياتي، حدث إنه أقرب إلى المأساة، ولكن كل المحاولات تفضي إلى فشل أعمق، ويساعد على تأزم الشخصية نفسيا، وعدم قدرتها على الـتأقلم مع محيطها وواقعها: « كدت أقع من الخوف ثم تمالكت نفسي ووقفت لأعود هاربًا حين أمسكتني يد غليظة، كانت هنالك يد غليظة وكلام لا أفهمه وحدث لا أفهمه، لكنني أعرف أنني حينها غرقت في الظلام الدامس ولم أستطع أن أصرخ، لا أستطيع أن أصرخ منذ عشرين سنة.» ص43.

تتداخل عوالم هذا النص مع عوالم نص «الحصن» من حيث الثيمة وسعي الشخصية إلى مواجهة ماضيها القاسي، ومحيطها، ومصيرها،» ولكن كلاهما اختفيا حين سقطت الدمعة الأخيرة من الصغير على الكبير الذي أغمض عينيه على العالم إلى الأبد». ص56.

من الملاحظ أن شخصيات المجموعة تعيش أزمة سببها لها واقعها ومحيطها، أزمة تكبر مع الزمن لتشكل نقطة تحول في حياتها، فتحيا حياة قلقة ومأزومة وقاسية، ويدفعها التذكر إلى المزيد من الألم النفسي، فهي غير قادرة على النسيان ولا على التذكر، وفي هذه المنطقة الفاصلة بين هذين العالمين تتشكل وتتقاطع الحياة الداخلية للشخصية والواقع المُعاش، ويتمدد ألمها النفسي.tttt