No Image
ثقافة

عُمان واليمن قطبا النضال العربي ضد الاحتلال البرتغالي

21 مارس 2026
21 مارس 2026

د. أحلام بنت حمود الجهوري -

إن الحديث عن البرتغاليين كقوة استعمارية في الخليج العربي والمحيط الهندي هو حديث مرتبط بالكثير من الأحداث والمشاعر أيضًا. وفي الذاكرة العُمانية هو حديث مغلَّف بالدماء والدموع والتضحيات. وإذا كان هنالك من توصيف دقيق لتلك المرحلة التاريخية الحاسمة فيمكن الذهاب إلى أنه كان صراعًا وجوديًّا ومواجهة عسكرية شاملة؛ حيث مثّلت عُمان واليمن قطبي المقاومة العربية في شبه الجزيرة العربية ضد الاحتلال البرتغالي من واقع تقاسمهما الموقع الجغرافي. فقد تزامن حكم اليعاربة في عُمان مع حكم أئمة الزيدية في اليمن، كما تزامن حكم الإمام سلطان بن سيف اليعربي (1649-1679م) في عُمان مع حكم كل من الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم (1644-1676م)، والإمام أحمد بن الحسن بن القاسم (1676-1681م).

وقد تأثرت عُمان واليمن بتزايد النفوذ البرتغالي في المحيط الهندي وتعاظم نمو إمبراطوريتهم البحرية في القرن السادس عشر الميلادي. فوقعت السواحل العُمانية تحت الاحتلال البرتغالي المباشر منذ عام 1506م، أما اليمن فتعرضت لتبعات الاحتلال البرتغالي المباشر للسواحل العُمانية ومحاولة عدة قوى بسط نفوذها عليها كنتيجة للسيطرة البرتغالية على الطرق التجارية المهمة، فتعرضت اليمن للتوسع المملوكي على ساحل البحر الأحمر في عام 1515م، وأعقب ذلك هجوم العثمانيين على اليمن لسببين رئيسيين: ثروات اليمن وموقعها الاستراتيجي، ومقاومة الحصار البرتغالي الذي فرض على طرق التجارة إلى الهند. ونجح أئمة اليمن في طرد العثمانيين من الموانئ الداخلية وذلك في عام 1636م.

أما العُمانيون فقد نجحوا بقيادة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1624-1649م) في طرد البرتغاليين من أغلب المدن الساحلية العُمانية، ولم يبق في أيديهم إلا مسقط التي نجح في تحريرها الإمام سلطان بن سيف اليعربي؛ حيث قام بدور مهم وحاسم في الإنهاء التام للاحتلال البرتغالي على السواحل العُمانية في معركة مسقط في 23 يناير 1650م، وتمكن العُمانيون من بناء أسطول بحري قوي قام بتتبع فلول البرتغاليين في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

وقد أوضح الإمام سلطان بن سيف اليعربي السياسة العُمانية بما تضمنته من مسار عسكري حازم موجه لتطهير المنطقة كليًّا من الاحتلال البرتغالي، من خلال مراسلات دبلوماسية تم تبادلها مع كل من الإمام إسماعيل بن القاسم، وخلفه الإمام أحمد بن الحسن. ففي رسالة موجهة من الإمام سلطان إلى الإمام إسماعيل مما جاء فيها: «.. ولعمري إنا ندري أن العتاب بين الأخلاء عنوان المودة الخالصة والصفاء، ورائد محض المحبة الصادقة والوفاء، غير أنه يجبُّ عن افتراق الجرائم، وانتهاك المحارم، فأما نحن فلم نسلك إلى ارتكاب ذلك سبيلا، ولا نجد لك على إلزامنا فعل ذلك دليلا؛ إذ كنا لم نجهِّز مراكبنا، ونحشد مخالبنا، لسيارة رعيتك، ولا لاستباحة أهل حكمك وقضيتك، لكن جهزنا الجيوش والعساكر، وأعددنا اللهاذم والبواتر، لتدمير عبدة الأوثان واعدا الملك الديان، تعرضا منا لرضى رب العالمين، وإحياء لسنة نبيه الأمين، ورغبة في إدراك فضل الصابرين المجاهدين، وحاشا مثلك أن يغضب لقتال عبدة الأصنام، وأعداء الله والإسلام، ... وأنت تدري بما جرى بيننا وبينهم من قبل في سواحل عُمان، وفي سائر الأماكن والبلدان، من سفك الدماء وكثرة الصيال، وتناهب الأملاك والأموال، وإنا نأخذهم في كل موضع تحل به مراكبهم وتغشاه...». وفي رسالة أخرى وجهها الإمام سلطان إلى الإمام أحمد جاء فيها: «... أنا لما بعثنا جيشنا، ولينا عليه واليا وليا عدلا مرضيا، وأمرناه بتقوى الله، واتباع سنة نبيه الأواه، وسلطناه على جهاد عبدة الأصنام، وقتال أعداء دين الإسلام، الذين نقضوا عهودنا، ونكثوا عقودنا، وقتلوا رجالنا، واختطفوا أموالنا، وحكم ذو العظمة والجلال، إن دماءهم وأموالهم حلال، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أو يفنى منهم الأولون والآخرون...».

تلك الرسائل تثبت بما لا يقبل الشك أن العُمانيين رفعوا راية السلاح جهادا، أمام أي محاولة أو أمل برتغالي بالعودة إلى الجبهة العربية؛ ولهذا سلك العُمانيون مسار الهجوم كونه أفضل وسيلة للدفاع متكئين على جاهزية عسكرية محكمة تمثلت في أسطولهم العسكري القوي، وروح المقاومة العُمانية التي انتفضت ضد الاحتلال، واستجابة كذلك لنداءات الساحل الشرقي لإفريقيا لتحريرهم من البرتغاليين. من هذا المنطلق قاد العُمانيون مرحلة النضال والمقاومة العربية ضد الاحتلال الأجنبي عموما والبرتغالي على وجه الخصوص.

وقد استفاضت المصادر اليمنية؛ مثل: يوميات صنعاء في القرن 11هـ لابن القاسم، وتاريخ طُبُق الحلوى وصِحاف المنِّ والسلوى لابن الوزير، وبهجة الزمن في تاريخ اليمن لتاج الدين اليماني، في ذكر جهود العُمانيين في ملاحقتهم للبرتغاليين في مدخل البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، مقدمة صورة عميقة وبتفاصيل كثيرة حول بطولات العُمانيين. فيوثق ابن الوزير مساعدة العُمانيين لليمنيين بالسلاح لصدّ البرتغاليين، فيذكر في أحداث عام 1670م: «وفي هذه الأيام بعث صاحب عُمان إلى حاكم المُخا بألفي رطل من الرصاص معونة له في دفع الفرتقال - يعني البرتغال-». وهذا يقدم صورة أيضا على تنسيق الجهود العسكرية والاستخباراتية بين الجانبين.

وإذا ما أردنا توصيف أدوار جبهة عُمان وجبهة اليمن في النضال العربي ضد الاحتلال البرتغالي فيمكن القول إن جبهة عُمان مارست الفعل الهجومي وانتقلوا من الدفاع إلى الهجوم في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي قاهر البرتغاليين، متتبعًا فلولهم حتى سواحل الهند وشرق إفريقيا. أما جبهة اليمن فأخذ النضال طابعًا دفاعيًا وتأمينيًا للموانئ اليمنية الحيوية، فقام الإمام إسماعيل بن القاسم بإخراج بقايا الحاميات البرتغالية من الموانئ الجنوبية والغربية (عدن والمخا)، وتأمين طريق الحج والتجارة باتجاه البحر الأحمر.

الجدير بالذكر أن علاقات الإمام سلطان بن سيف اليعربي مع اليمن لم تكن مقتصرة على الجانبين السياسي والعسكري؛ فيذكر المؤرخ العُماني ابن رُزيق أن الإمام سلطان كانت له تجارة مع صنعاء. ويوثق المؤرخ اليمني ابن الوزير جانب من تلك العلاقة التجارية. كما أخذت بعض المراسلات المتبادلة بين الجانبين منحًى فقهيًّا، من خلال تبادل الآراء الفقهية حول مشروب القهوة، على اعتبار أن اليمن أحد أهم مصادر إنتاج البُن، وتربع ميناء المُخا على رأس تلك التجارة.