من مرفأ الهدوء إلى درب المواجهة .. الضفة الغربية المنسية.. انكسار أم انفجار؟
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
تضع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة في الضفة الغربية، الفلسطينيين في مواجهة مستويات عدة من التحديات، أكان على المستوى المعيشي، أو الواقع الميداني المتشعب، والتصدي لهذه الممارسات.
قد تكون الضفة متعبة ومنهكة، جراء كل تلك الاعتداءات التي يقارفها جيش الاحتلال من حصار وإغلاق محكم، ومضطربة بفعل أعمال القتل والحرق والتدمير التي يمارسها المستوطنون، لكن زجر الاحتلال (جيشاً ومستوطنين) عن هذا السلوك العدمي، والذي اعتاد القهر وتعوّد القتل، يعني فيما يعنيه الانتقال من مرفأ الهدوء الحذر، إلى درب المواجهة.
لعل الفلسطينيون المنهكون والمتعبون أيضا لأسباب شتى، يدركون أن ولوج بحر المواجهة المتلاطم يتطلب منهم مراكب قوية وملاحين مهرة، لأن مسألة الانخراط في حالة صدام يومي على غرار صورة الانتفاضة الأولى، لا ينتهي عند وضع الخطط والسيناريوهات، بل يعني بالأساس الاستعداد لخوض مواجهة ضارية، لفرض الذات، واختبار ما سيكون عليه الحال.
ومنذ أن نشبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ارتفع مؤشر عداد الشهداء في الضفة الغربية، فقتل جيش الاحتلال 4 فلسطينيين في بلدة طمون جنوب مدينة طوباس شمال الضفة الغربية (أم وأب وطفليهما) وشابين من قرية عينابوس جنوب نابلس، وشاب في بلدة سنجل شمال رام الله، بينما أعدم المستوطنون شقيقين في قرية قريوت قرب نابلس، و3 في قرية أبو فلاح شرق رام الله، و3 آخرين في مسافر يطا جنوب الخليل، وآخر في قرية قصرة جنوب نابلس، وربما تكون "تجربة التصعيد" هذه، امتحاناً للنوايا الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن المشهد الميداني وما حوله، ينبىء بما هو أقسى وأصعب.
فالمسألة لا تقف عند حدود اعتداءات عابرة في بلدة هنا أو قرية هناك، ولا هي مجرد مراسم عربدة وطقوس قتل تغادر بموجبها آلة الفتك والموت، لتحل مكانها مرحلة أخرى، فليس في الضفة الغربية منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ما يوحي سوى بالقتل والدمار، ولا على حدودها وبواباتها المفروضة بقوة السلاح ما يتحدث إلا عن عاصفة أخرى تتهيأ للانقضاض على بقايا حياة، من عمر أفناه الفلسطينيون في مقارعة أسوأ وأشرس احتلال في التاريخ، وخفايا جسد عليل انشغل في درء سوء المنقلب، وكآبة المنظر الذي خلفه كيان الاحتلال.
سيرة مثقلة وثقيلة
بهذه الحالة المثقلة والثقيلة، تبدأ الضفة الغربية العد العسكي لما بعد هذه الممارسات القهرية، وتستعد للانخراط في اختبار قد يحكم المستقبل السياسي مع الكيان الإسرائيلي، وما يمكن أن يكون برهاناً يستعان به في أتون المواجهة، القادمة لا ريب.
وثمة دلائل عدة على هذه الحالة المقلقة، كان كيان الاحتلال قد استهلها بإغلاق شامل للضفة الغربية والقدس المحتلة، بل إنه فاجأ الجميع بإغلاق المسجد الأقصى المبارك في القدس، والحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، وأخذ غزة على حين غرّة فراح يصعد من عمليات القصف، ويوسع من غاراته على امتداد مساحة القطاع المحترقة والمحروقة.
الاحتلال أخذ يصبّ على النار زيتاً في الضفة الغربية، ويرافق هذا تصميم إسرائيلي على عزل القيادة الفلسطينية عن ما يجري، وعدم منحها الفرصة لالتقاط الأنفاس أو ترتيب الأوضاع، لا في الضفة حيث الاحتلال الكامل وأطماع الضم والتوسع الاستيطاني، ولا في غزة المنهكة بفعل الحرب، التي ربما توقفت، لكنها لم تنتهي.
وهكذا، تنفرط التوقعات والرهانات على الانفجار، طالما صمّم الكيان الإسرائيلي على المضي قُـدماً في مخططاته إشعال الضفة الغربية، بل تبدو صورة المشهد وكأن الأمر مرتبط بشرارة، كما أن حالة الترقب المشوب بالصمت، ليس سوى ظاهر يخفي باطناً مشتعلاً.
ثمة مرحلة صعبة وشائكة تنتظر الضفة الغربية، التي تدرك أن المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي لا تقاس فقط بالعدّة والعتاد، وإنما المسألة منوطة بالتداعيات الخطيرة لأي مواجهة محتملة، خصوصاً وأن الفلسطينيين لا يملكون إلا القليل من مقاليد هذه المواجهة مع الكيان المستأثر بالقوة العسكرية، الأمر الذي يعني دخول المشهد الفلسطيني في أتون لا يدرك أحد وعورة سلوك دروبه، كما يقول مراقبون.
مخاوف
وتطفح مناطق الضفة الغربية بمؤشرات لا تشي إلا تشاؤماً وقسوة، وأوضاعاً عصيبة يزيدها عسراً الحصار الخانق المفروض على مناطق يفترض أنها تتبع للسيطرة الفلسطينية (مناطق حكم ذاتي) وتشهد العديد من القرى والبلدات مواجهات شبه يومية بين الشبان المحتجين على ممارسات الكيان، وجيش الاحتلال ومستوطنيه، أسقطت منذ نشوب الحرب في الإقليم 16 فلسطينياً.
ومع نهاية مارس الجاري، يكون الفلسطينيون قد أقفلوا على ثلاثة أشهر تنبىء عن سنة عجفاء أخرى قادمة، ومع انقضاء الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يطوي الفلسطينيون طقوس غابت وفقدوا معها كل شيء بفعل إجراءات الاحتلال المفروضة، فلا صلاة في المسجد الأقصى المبارك، ولا حرية في الحركة والتنقل.
"إنها مرحلة هي الأصعب منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 2002" يقول المحلل السياسي رائد عبد الله، مبيناً أن عصابات المستوطنين أصبحت لا تهدأ في أرياف الضفة الغربية، حتى في يوم سبتهم (السبت عطلة رسمية عند الإسرائيليين) قتلوا شابين في نابلس، وبالنسبة لهم فمهمة طرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم تعلو فوق كل شيء.
ويروي المواطن سامي خطاطبة من بلدة بيت فوريك شرق نابلس، والتي تئن تحت وطأة حصار مطبق، وحملات مداهمات يومية، أن جنود الاحتلال اقتحموا منزله قبل أيام مع آذان المغرب، وصادروا طعام الإفطار أمام أعين أطفاله، مشدداً: "أصبح من العسير جداً للفلسطيني الحصول على الأمن حتى في بيته".
ويثير الوضع المتردي في الضفة الغربية، حفيظة الأهالي، الذين لا يفهمون مثل هذه الممارسات العدوانية، إلا في سياق الدفع نحو تفجير الأوضاع، فهل تنفجر؟.. السؤال الأكبر هذا يثير المخاوف، ويتطلب تقييم كل خطوة على الأرض، كي تنقشع الرؤية.
