No Image
ثقافة

مخطوطات عُمانية نسخت بأقلام القصب في رمضان

17 مارس 2026
17 مارس 2026

محمد بن سليمان الحضرمي -

لم تكن حركة النسخ تهدأ في الزمان العُماني القديم، وأقلام النساخ لا تتوقف عن نسخ الكتب، مستعيرين من الليل مِدَادًا ومن النهار صفحات بيضاء، يحبِّرون نُسَخًا من مخطوطات كتب متوارثة، وكانت حركة النسخ بمثابة المطابع اليوم، ومطالب المتعلمين من الكتب كثيرة، وكل كتاب يتحدث عنه المعلم في المدرسة، أو الشيخ في حلقة الدرس، يسعى طلبة العلم للحصول على نسخة منه، لذلك كانت الحركة لا تتوقف في بيوت النساخ المعروفين في القرى والمدن، وكان المِدَاد يباع في الأسواق، وصناعته رائجة بين الناس، مثلما راجت «أقلام القَصَب»، المَبْريَّة من عيدان أشجار «العقار»، النامية في الأودية، و«تَجْمِير» جلود المخطوطات، وكانت صناعة الكتب جزءًا من اهتمامات الناس.

وأيام رمضان لا تفرُق كثيرًا عن غيرها، تنشط فيها حركة النَّسخ، تيمُّنًا بالشهر الفضيل، وفيما تبقى من خزائن العلم في عُمان، تحتفظ بالكثير من المخطوطات العُمانية، المنسوخة قديمًا بأقلام النسَّاخ في أيام رمضان، ويظهر في «حَرْد المَتْن» توثيق الانتهاء من النسخ، بالوقت واليوم والعام، وأحيانًا بالدَّقيقة!، كالنسخة من كتاب «رحلة بديَّة إلى الديار الهنديَّة»، التي ألفها الشيخ محمد بن عبدالله بن حميد السالمي (ت: 1406هـ)، ونسخها سيف بن محمد الأخزمي، حيث أتمها يوم الخميس، الساعة التاسعة والدقيقة ستة وثلاثون، 24 رجب الفرد 1364هـ!.

هذا التوثيق يدل على احتفاء الناسخ بعمله، فقد أنجز عملًا أخذ منه وقتًا طويلًا حتى انتهى منه، وبلغ به إلى آخر صفحة من مخطوطه، فرسم فيها مثلثًا مقلوبًا، يعرف باسم «حَرْد المَتْن»، وكان هذا الختم والختام بمثابة احتفالية يعيشها الكاتب مع نفسه، يُلمِحُ لها بكلمات تدل على إحساسه بقدر نفسه، ونقرأ توثيق النسَّاخ عند إتمام نسخهم من الكتاب، في أوقات متباينة، بين الضُّحى والظهيرة والعشية، مع التاريخ الهجري كاملًا بالحروف والكلمات، وكأنه في حالة نشوة لا توصف، ومحتفلًا بإتمام نسخ كتاب وُلِد على يديه.

إنها الكتابة بمداد الليل في نهار رمضان، ولأنَّ خزائن العلم في عُمان كثيرة ومتفرقة، فقد أخرج لنا «مركز ذاكرة عُمان» سلسلة فهارس مهمة، لمخطوطات الخزائن العُمانية، بلغت حتى هذا العام 22 فهرسة، بذل القائمون عليها جهدًا كبيرًا في تقديم فهرسة دقيقة وشاملة، لكل التفاصيل التي يحتاجها الباحث، تتصدر أسماؤهم كلمة: «صَنعَة»، تشَبُّهًا بالأقدمين في صناعتهم للكتب، كهذه الفهرسة للمخطوطات، وفي مكتبتي ثمانية أجزاء منها، وحين بحثتُ فيها، وجدت الكثير من المخطوطات، المنسوخة في أيام شهر رمضان، متكبِّدًا الناسخ الإعياء، ووهج الصيف، ومشقة الكتابة، وغمس القلم في المحابر، وتنشيف المداد بعد الكتابة، حتى لا يعلق في الصفحات، أو يسيل في الأسطر، باذلًا نشاطًا بَدنيًا ووعيًا يقظًا، متناسيًا الإرهاق والتعب وهو صائم، ومنغمس بالكتابة في لجَّة بياض النهار.

الجزء الأول من هذه السلسلة القيِّمة، خاص بخزانة الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى الحارثي (ت: 1422هـ)، صَنعَة الباحث فهد السَّعدي، ومنه نسخة من كتاب «قاموس الشريعة»، الجزء الثامن عشر، لمؤلفه جميِّل بين خميس السعدي (ت: 1278هـ) نسَخَه ساعد بن سرور بن هميم الشبيبي، بخط مشرقي، مساء السبت 16 رمضان، دون تحديد للعام.

ومن بينها الجزء الخامس عشر من هذا القاموس الفقهي للسَّعدي، خطه ناسخ مجهول بتاريخ 20 رمضان 1283هـ، والجزء الثاني والخمسون من كتاب القاموس للسَّعدي، نسخه حميد بن سالم بن سليم الغاربي، للشيخ صالح بن علي الحارثي، ضحوة السبت 12 رمضان، وكذلك الجزء الخامس والعشرون من هذا الكتاب، نسخه حميد بن علي الخميسي، نسخه نهار 4 رمضان 1284هـ، ويبدو أن كتاب «قاموس الشريعة»، وهو أكبر موسوعة فقهية عُمانية تقع في 90 جزءًا، حظيت بقبول القرَّاء والنساخ، ونُسِخت من أجزائها كتب كثيرة.

ومن مخطوطات خزانة الشيخ سالم بن خلفان بن سعيد السيباني (ت: 1384هـ/ 1965م) بصنعة السَّعدي، نقرأ فهرسة لكتاب «رد أبي سعيد على كتاب الإشراف»، لمؤلفه محمد بن سعيد بن محمد الكدمي (ق4هـ)، تعقَّب فيه المؤلف كتاب «الإشراف» لابن المنذر النيسابوري، لناسخه مسعود بن صالح بن مسعود، كتبه بخط مشرقي، صباح الجمعة، 29 رمضان 1125هـ.

ومن كتاب خزانة الشيخ سيف بن حمد بن محمد الخضوري، بصنعة بدر الرَّاجحي، نقرأ فهرسة لكتاب «كيمياء السَّعادَة»، في الفلسفة والعلوم المتصلة بها، لمؤلف مجهول، بقلم الناسخ سيف بن علي بن عامر الفرقاني، كتبه بخط مشرقي، بتاريخ 16 رمضان 1314هـ.

ومن فهرس خزانة المخطوطات بمكتبة بديَّة العامة، صَنعَة محمد العيسري، نقف على الكثير من الكتب الفقهية، التي نسخت في شهر رمضان، من بينها الجزء الثاني من «بيان الشرع»، لمؤلفه محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي السَّمدي النزوي (ت: 508هـ)، نسخه ناصر بن خميس الحارثي الإبروي، هاجرة الأحد، 20 رمضان 1251هـ، ومفردة «هاجرة» تعبير عن الحَرِّ الشديد، رغم ذلك احتفى الناسخ بالانتهاء من نسخه لهذا الجزء، وغمرته السَّعادة وهو يوثق اللحظة في حَرْد المَتْن، ولم تعقه الهاجرة عن إتمام عمله.

وأكمل محمد بن عيسى الشكيلي بخط مشرقي، نسخ كتاب «جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام»، للشيخ عبدالله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ)، في إحدى أيام الخميس من شهر رمضان لعام 134هـ. وأتم سيف بن علي الراشدي نسخ الجزء الأول من كتاب «المُدوَّنة الكبرى»، بترتيب امحمد بن يوسف اطفيش، يوم 20 رمضان 1357هـ، نسخه لسليمان بن سنان العلوي، وهو كتاب في الفقه وأصوله. ونسخ يعقوب بن سعيد الصوافي كتاب «الجامع الكبير» من جوابات العلامة سعيد بن بشير الصبحي، بتاريخ 22 رمضان 1389هـ.

والمنسوخات في رمضان من الكتب الفقهية أكثر من أن تحصى في مقالة، لذلك سأركِّز قليلًا على الكتب الأدبية والشعرية، فهذا كتاب «حَيَاة المُهَج»، لمؤلفه أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت: 1237هـ)، نسخه مسيعيد بن سويعيد بن مسعود السَّعدي، ويا لسعد السعود لهذا الناسخ، حين أكمله بتاريخ 12 رمضان 1258هـ، نسخه لسالم بن سيف الحجري، وقصيدة «حَياة المُهَج» صنفها الباحث في قسم الفلسفة والعلوم المتصلة بها كالسُّلوك، مطلعها: (تَبَيَّنْ أخِي فِي اللهِ قَوْلِي فَإننَّي .. عَلى النُّصْحِ فِي ذاتِ الإلهِ مَعَ العُتْبَى).

ومن مخطوطات خزانة الشيخ حمد بن سيف بن عبدالعزيز الرَّواحي، نقرأ فهرسة لكتاب يتضمن قصيدة في الحكمة والنصيحة، نسخه محمد بن سعيد بن أحمد الكندي، لناصر بن علي بن ورد اليحمدي، 2 رمضان 1220هـ، وأوله: (وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - صَرَمَتْ حِبالَكَ بَعْدَ وَصْلِكَ زَيْنَبُ).

وتهبنا خزانة الشيخ عزيز بن محمد بن عزيز أمبوسعيدي (ت: 1322هـ)، نسخة من «القصيدة المسحورة» بنزوى، وثقها مفهرس الخزانة سلطان الشيباني أنها لمؤلف مجهول، خطها قلم الناسخ عزيز بن خالد أمبوسعيدي، لحمود بن سيف الأخزمي، بتاريخ 21 رمضان المبارك 1379هـ، أولها: (لَقَدْ ظَهَرَتْ أعْجُوبَةٌ فِي زَمَانِنا .. بِقَرْيَةِ نَزْوَى وَهي أمُّ العَجَائِبِ)، وآخرها: (وَصَلِّي إلهِي ما بَدَا بارِقٌ على .. شَفِيعِ البَرَايا خَيْرُ مَاشٍ وَرَاكِبِ)، وفي خزانة الشيخ حمد بن عبدالله البوسعيدي نسخة من هذه القصيدة برقم 86، نُسبت في أولها بخط مغاير لخط ناسخها، إلى الشاعر محمد بن عبدالله المعولي.

والحديث عن الكتب المنسوخة في شهر رمضان، خلال العقود والقرون الماضية كثيرة، حيث حركة النسخ لم تتوقف طوال شهور العام، وقد وفَّرت لنا الفهارس الحديثة لخزائن العلم المتبقية مادة خصبة للباحث، أعِدَّت بناء على قاعدة البيانات لكل مخطوط، تشمل اسم الكتاب، واسم الناسخ، وزمان النسخ ومكانه، والوصف المادي للكتاب، والموضوع وأوله وآخره، وعسى أن تتوسع فهرسة المخطوطات في طبعات قادمة، بإضافة مواد تفصيلية عن كل مخطوط، كتضمينها صورًا ضوئية من «حَرْد المَتْن» لكل كتاب، ففيه أكثر بيانات المخطوط، وكذلك الحديث عن جماليات الخط بين ناسخ وآخر، فقد لاحظت تكرار جملة «خط مشرقي»، دون تفريق في جماليات الخطوط بين ناسخ وآخر، وإبراز ما يتميز به كل مخطوط عن سواه.

محمد الحضرمي صحفي وكاتب عُماني