بين الإرث والضرورة: حان وقت مراجعة تحالفات واشنطن

16 مارس 2026
16 مارس 2026

ترجمة: نهى مصطفى 

يعمل الرئيس دونالد ترامب على تقويض نظام التحالفات الراسخ للولايات المتحدة. فمن خلال ابتزاز حلفاء قدامى لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل، والتهديد بضم أراضٍ حليفة، وفرض تعريفات جمركية عشوائية، أهدر عقودًا من التعاون الذي خدم مصالح الولايات المتحدة في أنحاء العالم. 

وعندما يغادر ترامب منصبه، سيتعين على الرئيس القادم أن يقرر ما إذا كان سيحاول إعادة بناء هذه العلاقات، فإذا كان هذا الرئيس ديمقراطيًا، فقد يميل إلى إحياء إطار التحالفات الذي ساد خلال الحرب الباردة، لكن هذا سيكون نهجًا خاطئًا. 

تغير العالم منذ أن أقامت واشنطن معظم تحالفاتها؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت الولايات المتحدة نظام تحالفات لاحتواء الشيوعية في آسيا وأوروبا، وعندما انهار التهديد السوفييتي، افترض العديد من المحللين أن واشنطن ستقلص التزاماتها لصالح مزيد من الاستقلال. لكن الولايات المتحدة حافظت على التزاماتها، بل ووسعتها في أوروبا. وكان ذلك سهلاً في عالم لم يكن للولايات المتحدة فيه منافس يضاهيها، وكان خطر اضطرارها إلى القتال دفاعًا عن حليف ضئيلاً. 

تشكل الصين اليوم أول تحدٍ جدي للهيمنة الاقتصادية الأمريكية منذ قرن. وفي شرق آسيا، تضاهي قدراتها العسكرية قدرات الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، خرجت روسيا من عقدين من الضعف لتغزو جيرانها وتضايق أعضاء حلف الناتو. أما كوريا الشمالية، فتمتلك أسلحة نووية قادرة على ضرب البر الرئيسي للولايات المتحدة. لذا، تحتاج واشنطن إلى إعادة تقييم تحالفاتها وتعديلها لتتناسب مع هذه الحقائق الجديدة. 

ينبغي عليها أن تقيم شركاءها وفق مدى إسهامهم في تعزيز القدرة التنافسية للولايات المتحدة في مواجهة الصين، ومدى انخفاض احتمال توريطهم لها في حرب لا تخدم مصالحها. فبعض حلفاء الولايات المتحدة الحاليين يستوفون هذا المعيار، لكن ليس جميعهم. وبينما يسعى قادة الولايات المتحدة مستقبلاً إلى إحياء التعاون، ينبغي أن يتحلوا بالحزم؛ إذ إن التقرب غير المدروس من الحلفاء القدامى قد يضعف الولايات المتحدة، بل وقد يقود إلى حرب. 

بإمكان الحلفاء المناسبين تعويض تراجع القوة الاقتصادية والعسكرية النسبية للولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي، ومساعدة الولايات المتحدة على مقاومة الضغوط الاقتصادية من بكين عبر تنويع سلاسل التوريد المهمة، مثل سلاسل توريد أشباه الموصلات والمعادن الحيوية. 

ومن خلال بناء اقتصاداتهم الرقمية حول البرمجيات والأجهزة الأمريكية، يمكنهم ضمان أن تكون واشنطن، لا بكين، هي من تضع المعايير التكنولوجية في العالم. 

كما يمكن للحلفاء تخفيف أعباء الدفاع الأمريكية، إما بالمساهمة بقدرات عسكرية مباشرة أو بعرض استخدام بنيتهم التحتية وأراضيهم لتعزيز نفوذ الولايات المتحدة في الخارج. 

دبلوماسيًا، يمكن للحلفاء المناسبين دعم المبادرات الأمريكية داخل المنظمات متعددة الأطراف وتعزيز جهود واشنطن للحفاظ على نفوذها في ما يُعرف بالجنوب العالمي؛ غير أن هذه المزايا ينبغي موازنتها بالتكاليف. 

فالتحالفات التعاهدية ليست مجرد ترتيبات دبلوماسية، بل قد تُلزم الولايات المتحدة أيضًا بخوض الحروب، وهو التزام بات اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى. فالصين وروسيا تتمتعان بثقة أكبر في قدرتهما على ردع القوات الأمريكية أو هزيمتها مقارنة بما كانتا عليه قبل عقدين، ما يجعلهما أكثر استعدادًا للصدام مع حلفاء واشنطن، الأمر الذي قد يجر الولايات المتحدة إلى نزاع. كما أن هذه التحالفات تفرض على البنتاجون الاستعداد لخوض حروب كبرى على جبهات متعددة في آن واحد، وهو مسعى مكلف. 

ليست كثرة التحالفات بالضرورة ميزة؛ فقد يؤدي تشابكها إلى تصعيد نزاعات صغيرة أو تشجيع شركاء أصغر على المغامرة، بما قد يجر قوى أكبر إلى صراع غير مرغوب فيه. لذلك ينبغي لواشنطن توخي الحذر، خصوصًا في آسيا، وحصر التزاماتها بما يحظى بدعم شعبي؛ لأن الإخفاق في الوفاء بتعهد دفاعي يضر بمصداقيتها. 

بعض التحالفات تتطلب إعادة تقييم. لنأخذ على سبيل المثال معاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة والفلبين، التي أُبرمت عام ١٩٥١. كان لهذه الاتفاقية معنى عندما كانت الولايات المتحدة تهيمن عسكريًا على شرق آسيا، ولكن مع ازدياد قوة الصين في مياهها المحيطة، تستحق هذه الاتفاقية مزيدًا من التدقيق. ومع ذلك، سارعت إدارتا بايدن وترامب الثانية إلى تعزيز العلاقات مع الفلبين بإرسال أنظمة صواريخ متطورة، ونشر قوات مشاة البحرية الأمريكية فيها بالتناوب، وإطلاق مشروع ضخم لتطوير البنية التحتية قرب لوزون. 

يزعم مخططو البنتاجون أن الفلبين تشكل قاعدة انطلاق مهمة لمهاجمة البر الرئيسي للصين والدفاع عن تايوان، إلا أن أهمية موقع الفلبين الجغرافي وقدراتها مبالغ فيها. فمن غير المرجح أن تردع حفنة من مواقع المعدات الأمريكية غير المحمية الصين عن مهاجمة تايوان. ويجب موازنة المكاسب العسكرية الهامشية التي تقدمها مانيلا مع نقاط ضعف الفلبين: فجيشها متخلف عقودًا عن نظيراتها الإقليمية، ولا تملك البلاد الكثير لتقدمه للولايات المتحدة اقتصاديًا أو تقنيًا أو دبلوماسيًا في منافستها طويلة الأمد مع الصين. 

بإعادة التزامها بهذه الشراكة غير المتكافئة، تخاطر واشنطن بتشجيع مانيلا على اتخاذ مواقف أكثر تشددًا في بحر الصين الجنوبي، مما قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع على جزر مرجانية متنازع عليها ذات تأثير محدود على المصالح الأمريكية الأساسية. ينبغي على الولايات المتحدة وقف توسيع اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز الموقعة عام 2014، التي تتيح لقواتها الوصول إلى القواعد العسكرية الفلبينية، وضمان ألا تتحول عمليات الانتشار الدورية في لوزون إلى قواعد دائمة تزيد التوتر مع الصين. كما ينبغي لواشنطن أن تؤكد لمانيلا أنها لا تعتزم خوض حرب بسبب الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.. 

من ناحية أخرى، تبدو علاقة الولايات المتحدة بكوريا الجنوبية أكثر متانة من علاقتها بالفلبين، لكنها مع ذلك تستحق إعادة التقييم. فكوريا الجنوبية اقتصاد رئيسي ومنتج رائد للرقائق الإلكترونية المتطورة، وهما سببان وجيهان للولايات المتحدة للحفاظ على علاقات وثيقة معها. ومع ذلك، تتزايد المخاطر العسكرية المترتبة على التحالف مع كوريا الجنوبية. عندما تعهدت الولايات المتحدة لأول مرة بالدفاع عن كوريا الجنوبية خلال الحرب الباردة، لم تكن كوريا الشمالية قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية. أما اليوم فقد تغير ميزان المخاطر جذريًا، إذ بات نظام كيم قادرًا على تدمير مدينة أمريكية بأسلحة نووية. 

ورغم أن كوريا الجنوبية تستضيف ما يقارب 30 ألف جندي أمريكي، إلا أن سيول ترفض مناقشة إمكانية استخدام القوات الأمريكية المتمركزة في البلاد، أو القوات الكورية الجنوبية نفسها، لردع أو التدخل في حال غزو صيني لتايوان. ولتقليل خطر هجوم كوري شمالي على الأراضي الأمريكية، ينبغي على واشنطن تقليص قواتها في كوريا الجنوبية، حتى لو كان ذلك قد يدفع سيول، كما يرى بعض المحللين، إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية. (بإمكان واشنطن محاولة منع حدوث مثل هذه النتيجة من خلال تعزيز القوات التقليدية لكوريا الجنوبية وتذكير سيول بالتكاليف الاقتصادية والدبلوماسية للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية). 

أصبحت تحالفات أخرى، كالتحالف مع اليابان، أكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين. فبفضل تقنياتها الرقمية المتقدمة وحصصها في شركات استخراج ومعالجة المعادن الحيوية في الخارج، تستطيع اليابان مساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. وتلتزم طوكيو بتحالفها مع الولايات المتحدة، وقد زاد إنفاقها الدفاعي بشكل كبير. كما تتمتع بثقل دبلوماسي كبير في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتعد رابع أكبر اقتصاد في العالم. 

نظريًا قد تجد الولايات المتحدة نفسها في حرب مع الصين دفاعًا عن اليابان في جزر سينكاكو، لكن من المرجح أن تتجنب بكين مواجهة مباشرة مع ثاني أقوى دولة في شرق آسيا. لذلك ينبغي أن تظل اليابان الركيزة الأساسية للقوة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع تعزيز التعاون في سلاسل الإمداد والتقنيات المتقدمة وتقوية قدراتها الدفاعية. 

لا تزال مبررات التحالف الأمريكي مع أستراليا قوية، ويعود ذلك جزئيًا إلى انخفاض المخاطر، حتى وإن كانت مساهمة كانبرا أقل من مساهمة طوكيو، فأستراليا اقتصاد ضخم، وتمتلك احتياطيات غنية من المعادن الحيوية كالليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة اللازمة لصناعة السيارات الكهربائية وبعض الأسلحة المتطورة. وهي شريك عسكري واستخباراتي مهم، لا سيما لموقعها الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خارج نطاق معظم الصواريخ الصينية. وجهت أستراليا نفسها بقوة نحو الولايات المتحدة بعيدًا عن الصين. وتستحق معاهدة «أوكوس»، وهي اتفاقية أمنية أُبرمت عام 2021 بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة، مزيدًا من الاستثمار. 

أما تحالفات الولايات المتحدة طويلة الأمد في أوروبا - والتي تتعرض الآن لضغوط هائلة من إدارة ترامب - فلا تزال تحمل إمكانات كبيرة، لكنها لا تحقق النتائج المرجوة. وفيما يتعلق بالصين، لم تبدِ العواصم الأوروبية يومًا تحالفًا كاملًا مع واشنطن. تراجعت العلاقات مع الصين بعد دعم بكين للغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن تعامل إدارة ترامب المتقلب مع الحلفاء الأوروبيين عزز ميلهم إلى التذبذب بين واشنطن وبكين. وخلال الأشهر القليلة الماضية، توافد قادة حلفاء تاريخيين للولايات المتحدة، من بينهم فرنسا والمملكة المتحدة، إلى الصين لإعادة ضبط العلاقات. 

على الرغم من أنه من غير المرجح أن تلعب الدول الأوروبية دورًا عسكريًا كبيرًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلا أنها تستطيع أن تقود جهودها الدفاعية ضد روسيا، مما يتيح للولايات المتحدة استخدام مواردها لموازنة النفوذ الصيني. وينبغي لتحالف عبر الأطلسي أن يعزز دور أوروبا في الدفاع عن نفسها، مع استمرار التزام الولايات المتحدة بالدفاع الجماعي ضمن حلف الناتو. ويجب أن يكون الانتقال نحو ناتو بقيادة أوروبية نتيجة استراتيجية مشتركة مدروسة، لا نتيجة إهمال أو إكراه، مع توسيع التعاون الدبلوماسي والصناعي بين الجانبين. 

إجمالًا، يفوق الثقل الاقتصادي المشترك للولايات المتحدة وأوروبا نظيره الصيني، ويمكن لتعاونهما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وضوابط التصدير والمعادن الحيوية أن يحد من قدرة بكين على فرض معايير عالمية. وتمتلك أوروبا أيضًا نفوذًا في مناطق مثل أفريقيا قد يساعد في موازنة الحضور الصيني. 

ولتحسين إدارة تحالفاتها، تحتاج واشنطن إلى آليات بيروقراطية جديدة، منها إنشاء مكتب مركزي للإشراف على شراكاتها مع مختلف العواصم بدل الاعتماد فقط على المكاتب الإقليمية. سيتولى هذا المكتب تقييم التكاليف والمخاطر والدعم السياسي المحلي للتحالفات، وسيحدد فرص تعزيز العلاقات مع الشركاء الرئيسيين، كالهند، في إطار المصالح المشتركة. إضافةً إلى ذلك، يمكن لواشنطن تحديد الشروط التي تدافع بموجبها عن حلفائها وما يتوقع منهم مقابل ذلك، علنًا أو سرًا. كما ينبغي أن يضطلع الكونجرس بدور أكبر عبر مطالبة وزارة الخارجية بتقديم تقييم سنوي للتكاليف والمخاطر والعوائد لكل التزام رئيسي في المعاهدات. 

سيكون إعادة هيكلة التحالفات أمرًا مثيرًا للجدل، وقد تدفع بعض الحلفاء للتردد في تجديد علاقاتهم مع واشنطن. لذا تحتاج الولايات المتحدة إلى قدر أكبر من الشفافية والإنصاف، مع بناء شراكات جديدة تقوم على واقع اليوم لا على نموذج تحالفات الحرب الباردة. 

 كريستوفر س. تشيفيس زميل بارز ومدير برنامج السياسة الخارجية الأمريكية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي. 

ـ الترجمة عن « Foreign Affairs»