عمارة تقليدية تحكي بلسان الزمان والمكان
بين الجبل، والوادي، والتضاريس القاسية، يقف مسجد العوينة الأثري منسجمًا مع المكان، وشاهدًا على العمر الطويل للعمارة العمانية التقليدية.
447 عامًا يبلغ عمر المسجد الواقع في ولاية وادي بني خالد، ولأنه مسجد قديم عريق قدم نموذجًا على إحكام ودقة البناء، لم يكن ترميمه أقل دقة، فاستغرقت العملية قرابة عامين، لتتم أعمال الترميم في العام 2021م.
أعيد خلال عملية الترميم إحياء المسجد وصياغة مفرداته المعمارية بطريقة تحفظ معالم الوجه الأصلي للمسجد، فرممت الأجزاء المتماسكة وأعيد بناء الأجزاء المنهارة بالمواد التقليدية، وأقيمت مدرسة القرآن والمواضئ ودورات المياه.
حظي مسجد العوينة الأثري بمحراب غير عادي، محراب دل على مهارة البناء والمزخرف العماني، نقشه طالب بن مشمل بن عمر المنحي بتفاصيل وزخارف دقيقة، فجعل منه تحفة نادرة، وهذا ما جعله يُنقل إلى المتحف الوطني، ليحل محله محراب آخر يحاكيه.
وفي الوقت الذي يقرأ فيه المختصون هذا المسجد الشاهد على مهارة البناء العماني وخصائصه المعمارية والاجتماعية، يرى المسؤولون فيه معلمًا تراثيًا يربط بين الماضي والحاضر، فيما يظل لدى مرتاديه مساحة روحانية تستعيد بساطة المكان ودفء الذاكرة.
عمارة تقليدية
وعما تكشفه بنية مسجد العوينة الأثري عن البيئة التي بني فيها ومهارة البناء العماني التقليدي، قال المهندس راشد الشماخي مشرف مختص للترميم والصيانة بوزارة التراث والسياحة إن مسجد العوينة نموذج يبين أن العمارة العمانية التقليدية لم تكن منفصلة عن البيئة، بل اعتمدت عليها بالكامل. وقال:
"المواد مأخوذة من الطبيعة، والتصميم يخدم المناخ، وطريقة البناء تعكس خبرة متوارثة عبر الأجيال. هو مثال على عمارة بسيطة، لكنها ذكية ومناسبة لمكانها، والحقيقة أن مسجد العوينة لم يختلف كثيرًا عن بقية المساجد التراثية أو التاريخية من الناحية العمرانية، فهناك مساجد في عمان تحمل نفس المواصفات والبنية الإنشائية".
وأضاف:
"يقع مسجد العوينة وسط مزارع النخيل وخارج أسوار الحصن إلى الشمال منه مباشرة، في موقع وسيط مكنه من خدمة الحصن والحارة القديمة معًا، وهو ما يعكس دوره كمرفق ديني مشترك يربط بين السلطة الدفاعية المتمثلة في الحصن والبنية السكنية للحارة."
وقرأ الشماخي المسجد كشاهد يعكس أساليب البناء التقليدية في القرى العمانية قبل دخول المواد الحديثة بقوله:
"لو أخذناها بالدلالات الاجتماعية والثقافية مثلًا، فهو يعكس روح الجماعة والتكافل، وكذلك يدل على تواضع العمارة الدينية في القرى مقارنة بالمدن. ومن ناحية أخرى يبرز علاقة الإنسان العُماني ببيئته، ومن ناحية التخطيط المعماري بساطة الهيكل وغياب الزخرفة المفرطة في البناء، وأيضًا ارتباط شكل المسجد بحاجات المجتمع القروي الصغيرة."
وعدد الشماخي مواد البناء التقليدية التي استخدمت في بناء المسجد، ومنها حجارة الوادي التي تستخدم لبناء الأساسات في المعلم الأصلي قبل الترميم، وتمنح المبنى الصلابة والمتانة. وأثناء الترميم تم استخدام حجارة جبلية ربما لأنها أكثر تماسكًا مع الصاروج العماني، واستخدمت في بناء هيكل المسجد بالكامل مع مدرسة القرآن، بينما كان بناء المسجد سابقًا من الطفال والطين والحجارة، مع تغيير موقع المدرسة ليمنح المكان متسعًا ورحابة أكثر لحركة المصلين والمرتادين.
إلى جانب مادة الصاروج العماني، وهي مادة تقليدية تشبه الإسمنت، تُصنع من الطين المحروق وتُطحن ثم تُخلط بالماء. وكانت تُستعمل لربط حجارة البناء ببعضها، وأثناء أعمال الترميم استخدمت مادة الصاروج للمساهمة في ديمومة المعلم.
واستخدمت في المسجد أخشاب الكندل، وهي أخشاب تستخدم في أعمال التسقيف، حيث توضع كعوارض خشبية تحمل السقف، وغالبًا ما تغطى بعدها بطبقات من الطين أو مواد أخرى كالدعون والبامبو، بينما في بناء المسجد استخدم في أعمال التسقيف أخشاب الكندل والدعون المشكوكة وأخشاب الميرنتي.
بُني محراب مسجد العوينة الأثري ونُقش على يد طالب المنحي بطريقة أكدت مهارة العمانيين في نقش المحاريب، وباعتباره أيقونة تاريخية مهمة نُقل المحراب إلى المتحف الوطني، وتمت محاكاته بمحراب آخر.
يقول الشماخي عن تحديات هذه المحاكاة:
"من الصعوبات التي واجهت فريق العمل آنذاك وأثناء إعادة صناعة المحراب هو الرفع الهندسي للمحراب، حيث كان المحراب في وضع العرض ويُعد تحفة فنية في المتحف الوطني، ورغم التعاون معنا من قبل إدارة المتحف، إلا أنه واجهنا صعوبة بالغة في رسم المحراب بشكل دقيق بسبب الإجراءات التي تركز على سلامة المحراب وعدم لمس أجزائه. وكانت فترة التنفيذ أثناء جائحة كورونا وكانت المحافظات مغلقة تمامًا، وكانت حركتنا صعبة جدًا أثناء التنقل من المسجد إلى المتحف، وقد تم العمل عن طريق النقش المباشر على الجدار بشكل متسلسل، وأغلب اعتمادنا كان على الصور التي نأخذها من المتحف."
قيمة تراثية
أكد سعادة الشيخ محمد الجنيبي والي ولاية وادي بني خالد أن مسجد العوينة الأثري يمثل أحد المعالم التراثية المهمة في الولاية، لما يحمله من قيمة تاريخية ومعمارية تعكس أساليب البناء والزخرفة التي عرفها المجتمع المحلي عبر فترات طويلة، ومن بينها المحراب والزخارف التي تعد نموذجًا للموروث المعماري الذي يميز المساجد العمانية الأثرية.
وأوضح أن المساجد في المجتمع العماني لم تقتصر أدوارها على الجانب التعبدي فحسب، بل شكلت عبر التاريخ مراكز للتعليم والتلاقي الاجتماعي والثقافي، وهو ما يجعل هذا المسجد شاهدًا حيًا يربط بين الماضي والحاضر.
وأضاف أن أعمال التأهيل التي شملت المسجد والمدرسة القرآنية المحيطة به تسهم في تعريف الأجيال الجديدة بأساليب التعليم الديني التقليدي وتاريخ المكان، كما تتيح للطلبة والزوار فرصة التعرف عن قرب إلى ملامح التراث المحلي، بما يعزز الوعي بأهمية الحفاظ على هذه المعالم وصونها بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية للمجتمع.
وأشار إلى أن إدراج مسجد العوينة ضمن خطط تطوير القرى والمبادرات السياحية والثقافية التي يتبناها مكتب والي وادي بني خالد بالتعاون مع أعضاء المجلس البلدي وبلدية شمال الشرقية يسهم في تحويله إلى منصة للتوعية بالهوية الوطنية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عمان 2040 في صون الموروث الثقافي وتعزيز الاستثمار في المقومات التاريخية والسياحية.
روح المكان
يرتاد مفلح الزوايدي مسجد العوينة الأثري باستمرار، وفي رمضان يحرص على الإفطار فيه. وعما يختلف في تجربة الإفطار أو صلاة التراويح داخل مسجد أثري مقارنة بأي مسجد حديث، قال الزوايدي:
"المساجد كلها بيوت الله، ولا يختلف أداء العبادات فيها، لكن المساجد الحديثة ذات التصاميم المتطورة والتكييف والإنارات والأبهة، كل شيء فيها مثالي، لكنه يفتقد البساطة حيث تجد روحك فيها. أما المساجد الأثرية فهي تجربة فريدة، وأنت بين جدران الطين وبساطة المكان والنقوش الإسلامية القديمة في المحراب، تجد ذاتك وأنت تجلس محاطًا بنفس المادة التي خلقت منها، تلفك رائحة الطين ونقوش المحراب المنقوشة بأيادٍ ماهرة لم تمتلك آنذاك سوى أدوات بسيطة، ومحاطًا بطبيعة خلابة وهادئة، فيعود بك الزمن إلى الوراء حيث مئات السنين وأنت تشاهد المصلين حاملين معهم قناديلهم تضيء لهم الطريق، وعند دخولهم المسجد تضيء أرواحهم فيه".
وعما يمنحه الإفطار في مكان أثري، قال:
"اختيار الإفطار في المسجد الأثري يمنحك الكثير من الأشياء كالشعور بالبساطة والقيمة الإيمانية، وأنت تتلذذ بإفطار بسيط كالتمر والماء وتستشعر نعمة الله عليك، وتعيش اللحظة بكل تفاصيلها وأنت تتناول أول تمرة، وتنظر في وجوه من حولك وهم يلبسون القناعة مستشعرين نعم الله وشاكرين عطاءه، مع أن بيوتهم قريبة وموائدهم قد تكون طويلة لكنهم آثروا الإفطار في هذه البقعة الأثرية."
وأضاف:
"مهما تقدم العمران يبقى الحنين إلى بيوت الطين ومساجد الطين، حيث ذكرياتنا وذكريات كثيرين من قبلنا عالقة هناك، وكلما غلبنا الحنين زرنا المسجد وصلينا فيه".
