الكدمي: حبر الحكمة والاعتدال
تنمّ مؤلفات أبي سعيد الكدمي عن شخصية موسوعية كتبت في مجالات متعددة بأسلوب متميز سمته الدقة والتأصيل، والموضوعية والإنصاف، والتزام الحقيقة العلمية والاستناد إلى الدليل. كما يصفه الشيخ أحمد السيابي: «فهو العقدي المتكلم، والأصولي، والفقيه، والمؤرخ، والناظم للشعر"، يقول عنه العلامة المفتي أحمد الخليلي: إنه «كما كان عالما جليلا، وكان شجاعا مقداما، وبذلك كانت آراؤه تتفق مع شجاعته، ومما يروى عنه قوله: «من تشجع بعلمه كمن تورّع به». وهو بعيد كل البعد عن التنطع والجبن، وقد قال بنفسه: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم في الدين". لذا عده الباحث خميس العدوي مع ابن بركة أكبر مؤثرين في الفكر الديني بعمان.
ومما يظهر ذلك جليا تعليقاته وحواشيه على كتب غيره، والتعليق وعمل الحواشي على كتب الغير -وخاصة كتب المدارس الإسلامية الأخرى- صورة من صور التفاعل الثقافي لعلماء عمان مع غيرهم، كما أنها صورة تعكس حرص العمانيين على الاستفادة من إنتاج غيرهم. ويتقدمهم في ذلك أبو سعيد الكدمي، فقد علّق على كتب غيره من العلماء السابقين أو المعاصرين له، ومن نتاج المذهب الإباضي أو غيره، ومن ذلك تعليقه على “كتاب الإشراف” لابن منذر النيسابوري (ت 317 هـ) وهو كتاب يذكر آراء العلماء المختلفين في كلّ مسألةٍ أو يُوردُ أهمّها مع ذكر عِللهم وأدلّتهم. فهو كتابٌ في الاجتهاد الفقهي، ولذا أقبل أبوسعيد الكُدمي عليه -رغم أنّ الزمن متقاربٌ بين الرجلين فهو لا يزيد على الخمسين عاماً- مما يدل على اشتهار كتاب النيسابوري، وأيضا تفاعل العمانيين مع الكتب سريعا، ورأى فيه أبو سعيد مرجَعاً حقيقاً بالاتّباع، لكنه أراد استكماله من طريق زيادة الرواية. وإبداء آراء علماء الإباضية التي ما أوردها المنذر. وغرضه التقريب بين العلماء بذكر آرائهم على قدم المُساواة، وتجديد الحركة الاجتهادية بعرض وجهات نظرٍ متعددةٍ في سائر الأمور، وهو ما ينسجم مع شخصيّته التوفيقية. ويذكر الشيخ أحمد بن سعود السيابي أن صاحب المصنف نقل معظم هذا الكتاب فيكاد يكون نسخة ثانية من أصله المخطوط. وكذلك أورد كتاب بيان الشرع شيئا كثيرا من زيادات أبي سعيد على كتاب الإشراف. وقامت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بطباعته الكتاب في خمسة مجلدات ونشرته محققا
.
(2)
ومن نماذج تعليقاته على الكتب العمانية كتاب "المعتبر لجامع ابن جعفر"، وفيه تعقب جامع ابن جعفر، ففصل المجملات، وأوضح المشكلات، وحلّل المسائل. ويقع في تسع مجلدات فقدت، ولم يبق منها إلا جزءان، طبعا في أربعة أجزاء صغيرة؛ بتحقيق محمد أبي الحسن، الذي أعاد ترتيبه من جديد كما يقول. وتناول الجزءان الأولان منه قضايا العقيدة كالولاية والبراءة، بإسهاب، نظرا لحضورها القوي على الساحة الفكرية في عصر الكدمي، ويرى بعض الباحثين أمثال الأستاذ العدوي أنه حوى كتاب "الموافقة". ثم بدأ في الجزء الثالث في الطهارات بدءا بأحكام الحيض والاستحاضة والاستنجاء وأسآر الحيوانات وحكم طهارتها، وختمه بالوضوء وأحكامه، وهو ما اتصل تناوله في الجزء الرابع مع مسائل الاغتسال من الجنابة وأحكام الجنب والحائض، ثم شرع في موضوع الصلاة في آخر الكتاب وانقطع. فلم يكن للصلاة حظ فيهما إلا في أواخر الجزء الرابع. ولو حفظ الكتاب كاملا لكان ذخيرة فقهية ثرية، لما تضمنه من تخريجات وتفصيل لمسائل عديدة في شؤون الطهارات والعبادات. ولعل المنهج نفسه يشمل أبواب المعاملات والأنكحة والجنايات والعقوبات.
ويبدو في كتاب المعتبر الحس الفقهي التقعيدي لأبي سعيد الكدمي، لما تضمنته تحليلات تحمل مسحة تأصيلية للأحكام، إما بالرجوع إلى أدلتها النصية أو إلى قواعدها الفقهية التي يوردها بنصها أحيانا وبمعناها غالبا. ومن تلك القواعد: الأمور بمقاصدها. فالتراضي لا يُــبيح الحرام.ومن قواعده: اليقين لا يزول بالشك، فالأصلُ بقاءُ ما كان على ما كان: فالطهارة أصل والنجاسة عارض. واعتماد الأصول أولى من الاحتياط. ومن قواعده: المشقة تجلب التيسير، فالضرورة تقدر بقدرها وترتبط بموجبها.ومن قواعده: لا ضرر ولا ضرار. وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. وما حرم أخذه حرم إعطاؤه. وما حرم فعله حرم طلب.
(3)
ولأبي سعيد تعليقات أخرى على بعض الكتب والسير والآثار، منها
1- جامع أبي صفرة: وهي تعليقات كثيرة متناثرة في بيان الشرع، وطريقته أنه يورد نص متن الجامع، ثم يعلق عليه بما شاء.
2- جامع ابن جعفر: وهي غير تعليقاته على جامع ابن جعفر في كتابه المعتبر.
3- جامع الفضل بن الحواري: وقد ذكرت شيئا منها كتب الأثر؛ كبيان الشرع، والجامع المفيد من أحكام أبي سعيد.
4- كتاب أبي الفضل الخارجي: يتحدث الكتاب عن أصول الدين والولاية والبراءة من الفرق الموجودة آنذاك. وقد علق عليه قبله أبو عبدالله محمد بن محبوب، وطريقة أبي سعيد أنه يورد نصّ الكتاب، ثم تعليق أبي عبدالله عليه، وبعد ذلك يعقب، فيوافق أو يخالف أبا عبدالله، ويصحح ويذكر رأيه في المسألة. وتبدو أهمية هذه التعليقات في أنها توضح الأصول العقدية المتعلقة بالولاية والبراءة عند الإباضية
وموقفها من الفرق الأخرى المخالفة لها.
5- تعليقات على كتاب لبشير بن محمد بن محبوب.
6- تعليقات على جواب لأبي معاوية عزان بن الصقر في زكاة البقر.
7- تعليقات على سيرة شيخه أبي عبدالله محمد بن روح بن عربي.
8- تعليقات على كلام لابن بركة في باب طلب تزويج المرأة ولها زوج.
(4)
لأبي سعيد أجوبة كثيرة مبثوثة في الكتب، بحيث لا تكاد تمرّ عليك صفحة من صفحات كتب الأثر -خصوصا بيان الشرع- إلا وتجد جوابا لأبي سعيد ماثلا بين ناظريك، ولو جمعت أجوبته كلها لكانت مجلدات، وبالفعل تم جمع بعض أجوبته في كتاب " الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد " بترتيب المؤرخ سرحان بن سعيد الإزكوي. ولهذا الكتاب قيمة كبرى، فهو يقدّم حصيلةَ معفية متنوّعة، تعكس شخصية أبي سعيد وثقافته، وتصور منهجه في الاجتهاد، وأسلوبه في حل المشكلات التي تواجه الناس في حياتهم العملية.
وللكتاب قيمة اجتماعية بارزة فهو يلقي الضوء على المجتمع العماني وهمومه ومشاكله وما يشغله من قضايا ومشكلات، فهي مصدر وثيق لمن أراد دراسة الحياة الاجتماعية في عصر الإمام الكُدَمي. كما أنه خزانة علمية جَمَعَ فيه أقوالَ العُلمَاء وآرائهم، وناقش الكثير من العلوم المختلفة. وكان كثير الاستشهاد بالآيات القرآنيَّة وتفسيرها، ونلحظ في تفسيره لطائف من مثل ما ذكره في تفسير قوله تعالى:(إن الدين عند الله الإسلام)، يقول: إنَّ الدين عند الله الإسلام، فكل من أطاع الله بدين فإنما هو دين الإسلام، ولا يطاع الله إلا بالإسلام وسوى الإسلام من الدين فهو ضلال وباطل، لقول الله تبارك وتعالى:(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، وقال تبارك وتعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، فلا يعبد الله على الحقيقة إلا بالإسلام من أول الدهر إلى آخره. وقد طبعته وزارة التراث والسياحة في أربعة مجلدات.
(5)
ولأبي سعيد منظومات عديدة، منها منظومة طويلة في الولاية والبراءة، على قافية النون، تناول فيها أحكام الولاية والبراءة وما يتعلق بالأحداث الواقعة أيام الإمام الصلت وبيان رأيه فيها، صاغ فيها أحداث عصره، وهي صورة تاريخية لتلك الوقائع المهمة، وعدد أبياتها 84 بيتا، أوردها كاملة صاحب بيان الشرع 4/95 ـ 102. وله جواب نظمي إلى ابنه سعيد بن محمد: يتعلق بمسألة القراءة في الصلاة، إذا قرأ الإمام غلق الإنسان؛ بدلا من خلق، وعدد أبياته 46 بيتا، وقد أورده صاحب بيان الشرع 11/134 ـ 138 . وله منظومة بائية: عدد أبياتها 17 بيتا، لعلها جاءت بعد جواب سؤال وجهه إليه ابنه سعيد، يوصيه فيها بالتدبر في الجواب وأن يعرض كل قول على مصادر التشريع الإسلامي . إضافة إلى مقطوعة لامية في السؤال: أوردها صاحب المصنف 1/82 ، وتقع في 9 أبيات، ومقطوعة طائية في حقوق الميت: وتقع في ستة أبيات.
***
كما أن مجموعة من الرسائل والصكوك والوصايا التي عرضت عليه أو أملاها بنفسه: وقد قام بإحصائها كل من الفاضل/ هلال الشقصي في بحثه عن أبي سعيد،
والباحث المقتدر فهد بن علي السعدي في ترجمة أبي سعيد ضمن معجم أعلام الإباضية من خلال بيان الشرع.
(6)
ومن خصائص الكُدَمي في تأليفاته: أولا: اعتماده الدليل في بناء اجتهاداته وعدم تقديس الرجال رغم تقديرهم والاستئناس بآرائهم. والسمة الثانية هي الاستقلال الفكري والتواضع في عرض آرائه، وإعمال للرأي في فهم الأدلة والنصوص، أو آراء الفقهاء السابقين. أما السمة الثالثة فهي الأدب مع المخالف واحتمال العذر له.. والسمة الرابعة اعتماده العدل من الأقوال والآراء، "فمن وافق قوله العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ، وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه.
