حروب ليست هامشية
15 مارس 2026
15 مارس 2026
الحروب ذميمةٌ مهما ضُللت مُسوغاتها، أو جُملت أشكالها، أو بُدلت أسماؤها لتصير عمليات عسكرية ورعاية مصالح وحماية حلفاء.
ولكل حرب عسكرية تشكلّت (ظاهريا) فجأة روافد حروب غير معلنة تغذيها وتشحذ أوارها معرفية إدراكية تستهدف الوعي في مستوياته المختلفة تمهيدًا للحرب العسكرية، وتسويقًا لمسوغاتها سعيًا لبرمجة وعي المجتمعات وتوجيهًا لسلوكياتها، وأخرى سيبرانية توظيفًا للممكن من وسائل رقمية تعمل على مساريْ الاختراق والتوزيع، حتى تكاد هذه الحروب(غير الهامشية) تغني عن العتاد العسكري بكل مستوياته البرية والبحرية والجوية وحتى الفضائية إذا ما أحكمت وسائلها وبلغت مبتغاها.
«الحرب الإدراكية»(Cognitive Warfare) وسيلة فاعلة ومؤثرة في إدارة الصراعات المعاصرة تستهدف إدراك العقل البشري بعد دراسة الواقع وتحدياته والصراعات الداخلية والخارجية كمنافذ وثغرات أمنية ممكنة ومحتملة لاختراق الوعي الفردي والجمعي وصولا لتحريك منصات صنع القرار على كل المستويات الشعبية المجتمعية، أو حتى الدولية الكبرى، وهو ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية مع فنزويلا قبل الغزو العسكري تحت غطاء الحرب على المخدرات فيما كان هدفها المعلن لاحقا إعادة تشكيل النظام السياسي فيها وصولا لإدارة ثرواتها وتوسيع رقعة النفوذ الأمريكي.
وما كانت لتبلغ أهدافها تلك لولا اختراق الداخل معرفيا، وفهم طبيعة التحديات الواقعية للشعب، ثم اختلاق مبرر تخليصهم من ظلم عصابة المخدرات، لتتوج أمريكا شرطيا للعدالة وحارسا للقيم!
وهي ليست وسيلة جديدة على النظام الأمريكي تاريخيًا، ولا على أي دولة عظمى تسعى لتوسيع رقعة نفوذها بخلق مبررات، واختراق منافذ شعبية وصولا لتشكيل جبهات داخلية مساندة. الفرق في عصر ترامب حاليا أن الرجل على عجلة من أمره لإثبات انتصارات من شأنها غض نظر الشعب الأمريكي عن أخطاء فادحة لن تصمد مع لائحة المجد التاريخية المأمول إحرازها عبر الحروب(العمليات العسكرية).
ومن كل ذلك لا بد من التأكيد على فكرة البناء الاجتماعي للدول قبل الحدود الجغرافية وهياكل الدولة المؤسسية؛ إذ يهدمها نجاح الخصم في إضعاف التماسك المجتمعي فيما يعرف استراتيجيا بـ«الإنهاك الداخلي» و«الشلل المؤسسي». وإن سلّمنا جدلا بالمعرفة الأمريكية لطبيعة المجتمع الفنزويلي ووسائل التأثير عليه والوصول فعليا إلى سجن الرئيس الفنزويلي وتغيير الحكم؛ فإن حرب أمريكا الإدراكية التي تسعى من خلالها إلى إضعاف الداخل الإيراني ليكون مِعول تغيير للنظام السياسي ليست بتلك السهولة والسرعة؛ لعدم قدرة ترامب فعليا على فهم الداخل الإيراني، ثم لاستعجاله النتائج؛ إذ لا وقت لديه للإدراك الذي يعد عاملا مؤثرا لتغيير أو تسخيف أو إضعاف الإدراك كذلك.
حرب الإدراك لا تسعى لتغيير الأفكار وحسب، بل تسعى لتغيير نمط التفكير كليا، وتحويل نظام التفكير إلى منصة يمكن تعبئتها وتوجيهها وفقا لأهداف المبرمج الرئيس القادر على ذلك ضمن هذه الحرب يمكن توظيف حرب المعلومات، والحرب الإعلامية وغيرها من الحروب الداعمة وصولا للتحكم بمنصة العقل وتحريكها وفق أهواء الأقوى، والأقوى هنا ليس الأقوى«عسكريا». وقد تنبهت إيران لهذه الحرب الإدراكية منذ زمن، فأسست حربا مضادة أسمتها «جهاد التبيين» قبل سنوات، وهي حملة مواجهة ومقاومة تستهدف ثغرات الحرب الإدراكية معتمدة على تبيين الغامض، وكشف المستور، وتعزيز اليقين تفكيكا لأسلحة الحرب الإدراكية بحرب إدراكية مضادة. والأكيد أن أمريكا فَعَّلت هذه الحرب الإدراكية في حربها الحالية معتمدة على مصادرها في الداخل معتقدة بإمكانية شل النظام السياسي في إيران بتفعيل أسلحة اجتماعية كالحظر، والفقر، والتهميش مستقطبة جبهات داخلية تريدها مُحركا فعليا للحرب المشتعلة داخليا، لتعلن بعدها أمريكا نصرا مؤزرا كانتصارها في فنزويلا، لكن عوامل عديدة لمّا تمكنها بعد من ذلك بينها ما أسلفنا في هذه المقالة من عدم قدرة ترامب ومستشاريه على فهم طبيعة الشعب الإيراني ووسائل توجيه إدراكه المحتملة عاطفيا واجتماعيا، حتى حين أُخذوا ظنا بتمكنهم مع أحداث الشغب التي سبقت الحرب إضافة إلى عامل ملف أمريكا في خذلان حلفائها سابقا من «عملاء الداخل» مما أضعف ثقة الجبهات الداخلية بها وبإمكانية الوفاء بوعودها السرابية في المال، أو السلطة أو الانفصال، لا سيما مع ارتباطها بإسرائيل ووسائلها في الاختراق والاستغلال وحتى إنكار العهود.
ختامًا: لا يمكن تسطيح الحرب الإدراكية التي اجتهدت فيها إسرائيل وأمريكا معا. لا يمكن ادعاء عدم بلوغ شيء من أهدافها، وإلا فكيف يمكن تبرير تحييد أغلب الشعوب العربية عن رفض هذه الحرب غير القانونية من الأساس؟ كيف يمكن تبرير الصمت عن تكبد الخليج -تحديدًا- خسائر هذه الحرب بشريا وماديا واجتماعيا ونفسيا، وحتى معرفيا مع كل منصات التضليل الإعلامي، وتصنيع الخرافة الإخباري عبر مصادر متضاربة مختلفة يسعى أغلبها لدفع دول المنطقة إلى حرب استنزاف يكون المنتصر الوحيد بعدها إسرائيل؟
لا يمكن لأي حكومة وطنية حماية أراضيها وشعبها من كل هذه الحروب مجتمعة إلا ببناء جبهة مقاومة فكرية وطنية؛ سعيا لعزيز التماسك المجتمعي وقاية من «الإنهاك الداخلي» و«التوجيه الخارجي» كأحد دروس هذه المرحلة التي لا يمكن إغفالها.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
