رمضان والكتابة.. هل تصوم الكلمات أم تزدهر
تتباطأ في شهر رمضان المبارك الوتيرة الخارجية للكاتب بينما تتصاعد حركته الداخلية، ويقف الكاتب هنا أمام سؤال مهم هل يصوم جسده فقط، أم تصوم لغته أيضا؟ هل يهدأ خياله تحت وطأة الجوع والتعب، أم تتوهج روحه ليصفو النص ويقترب من جوهره؟ فرمضان تجربة مكثفة تعيد ترتيب هذه العلاقة "بين الصمت والكلمة"، و"بين التأمل والتعبير"، و"بين الامتناع والفيض".. في هذا الاستطلاع نتحاور مع مبدعين لنقترب من فكرة هذا الموضوع من خلال سؤال مركزي.. هل تصوم الكلمات في رمضان أم تزدهر؟
الكتابة والجوع
انطلاقًا من السؤال حول ما إذا كان الصيام يشبه فعل الكتابة، حين تُفهم الكتابة جوعًا إلى المعنى أو الخلود، يرى الكاتب بدر العبري أن العلاقة بينهما ترتبط بفكرة الترقّي من عالم المادة إلى عالم اللامتناهي، ويقول: الإنسان نفسه تدور بين الجسد الخالد إلى الغرائز الماديّة، وبين الرّوح القابلة للفناء في عالم اللّامتناهي، والصّيام في جميع الأديان، ومنها في الإسلام المتمثل في شهر رمضان، النّفس فيه الأصل أن تركن إلى الغرائز الماديّة إشباعا لها، والنّاس في رمضان ثلاثة: منهم من تنتصرّ مادّته بالكليّة، فيركن إلى إشباع الجسد كغيره من الشّهور، ومنهم من يستجيب في حبس النّفس والجسد عن المادّة عادة أو مراعاة للمجتمع، أو لأمر يراه مكرها فيه، فيكتفي بالحدّ الأدنى، وفريق ثالث لا يتوقف عند حبس النّفس والجسد عن المادّة، بل يجاهد في رقيّ الرّوح لترقى إلى عالم المثل والفناء والعشق، فيرى الحبس وسيلة للتّرقيّ، والغاية رقيّ الرّوح، كان الحبس رمزيّا كما عند بعض المتصوفة والعرفانيّين، أو حقيقة عند غالب المذاهب الإسلاميّة.
ويشير "العبري" إلى أن الكتابة بدورها رقيّ معرفيّ وروحيّ وهي انتقال من ظواهر ما يكسبه الإنسان من معرفة إلى إدراك كنهها ودقائقها، وهي رقيّ تلذذيّ وعشقيّ أيضا يتجاوز به التّلذّذ من ظواهر الشّهوة، وعشق جماليّات ظواهر المادّة، إلى التّلذّذ بكنه وأسرار ونتائج عالم المعرفة، ليحلّ فيها عشقا، وتحلّ فيه جماليّا، فيصير والمعرفة سواء، والكتابة رقيّ أيضا من عالم الظّواهر وأحاديث النّاس الدّنيّوية الحاضرة وفق المعايشة والإدراك، إلى الرّقيّ في عوالم الحياة الماضية والمستقبليّة، والرّقيّ عن سفائف الظّواهر والمشّاكل الحياتيّة، إلى جماليّات عالم المعارف والعلوم، فيرى صفاء وجمالا يحلّ فيه، ويتلذّذ به.
غير أن هذا الصفاء المعرفي يثير سؤال العلاقة بين صفاء الفكر ومتطلبات الجسد وغرائزه. فثمة من يرى أن الصفاء لا يتحقق إلا بالإشباع، فالجوع يشغل الإنسان عن التّأمل ورقيّ المعرفة، فإذا ضعفت المادّة شغلت الجسد عقلا وروحا، وإذا تحرّرت وأشبعت أعطت للعقل والرّوح طاقة في الرّقيّ والصّفاء، كحال المرض في الجسد، يشغل البدن عن إدراك كنهه وغايته، وعليه منهم من يرى أنّ الصّيام يحول ورقيّ المعرفة، فيصبح مشغولا بما يشبع بطنه، عاجزا عن تحرّر عقله، وصفاء معرفته، فإذا بالغ في إشباعها حال فطره دفعة واحدة، أركنته كليّا إلى البدن، وأعجزت عقله عن التّحرّر والإبداع، ومنهم من يرى أنّ الصّيام صمت عن اللّغو والزّوائد، وتنظيف للمادّة، وصحة للجسد، تساعد الإنسان في إعادة برمجة ذاكرته، وترتيب أولوياته، وهذا مؤثّر على صفاء فكره، وإنعاش ذاكرته، إذا ما أدرك الغاية من الصّيام، وخلاصة ذلك إذا كانت الكتابة في حدّها مادّة قد يشملها الصّيام كالأكل والشّرب، فيصوم النّاس عن الكتابة في رمضان بدرجات، فمنهم من يتركها، ومنهم من يضعف فيها، وإذا كانت الكتابة رقيّا معرفيّا، حين ذلك يخالطها الصّفاء والنّقاء، لتحلّ في جمال الإبداع، وتفنى في إحكام النّتاج، ولكلّ دربته في ذلك، ومسلكه في مدى التّعايش معه.
تجاوز لغة الحروف
وحول أثر الصيام ـ بما يحمله من جوع وتأمل وانكسار ـ في علاقة الشاعر باللغة، وما إذا كانت اللغة في هذه التجربة تميل إلى التقشف أم إلى مزيد من الشفافية، يرى الشاعر حسن المطروشي أن للصوم أبجديته الخاصة التي تتجاوز لغة الحروف التي يألفها الناس وتتخطى لغات العالم.
يقول"المطروشي": أنا كما أقول دائما ابن العناصر الأولى للطبيعة، الماء والهواء والرمال والرياح والشموس والظلال، تلك العناصر التي ما زالت تجلب معها رائحة رمضان القرى في هيئته الطفولية الأولى نقيا شفافا باسقا... تلك المفردات التي لا تستوعبها اللغات جمعاء، ولا يدركها إلا من عاشها واقعا ملموسا، تحت سبلة البيت، أو في جلسة قمرية على شاطئ قرية في شناص، أو في صلاة جماعة تحت سماء مفتوحة، تذكيها تلاوة لأحد المسنين الذين تنساب الآيات من أفواههم إلى شغاف القلوب ندية كما أنزلت.
ويضيف "المطروشي" أن ثمة قاموسًا عتيقًا من لغة ساحرة تتفتح صفحاته في القلب كلما أقبل رمضان، يتحدث بلسان عشق مبين، ليوقظ حنينا لا حدود له، لأزمنة راحلة تحضر بكامل ألقها وسحرها، بوجوهها الغائبة، وأصواتها النائية، وروائحها العابقة التي تخرج من أنحاء الروح وتغمر حنايا القلب... إنها لغة الصمت والإصغاء إلى ما يشف خلف حجب المادة والزمان والمكان، هنالك حيث الأزلي اللانهائي، حيث الجمال والبهاء والنقاء المطلق، هنالك حيث تتعطل لغات الناس وتتضاءل الأبجديات في حدودها الضيقة، فالبشر لهم لغتهم التي تؤطرها قوانينها، وفي رمضان لغتي الخاصة التي تتشكل من الصمت والحنين وذاكرة المكان.
الاقتراب من الأسئلة
وعن النص إذا كان في رمضان يقترب من الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل الموت والمغفرة والمعنى والفناء، أم أن التجربة الإبداعية تظل مستقلة عن المناخ الروحي العام، يرى الشاعر هاشم الشامسي أن الإبداع في طبيعته يحمل أبعاده الوجودية المختلفة والمستمرة في كل الأوقات، سواء في شهر رمضان المبارك أو في سائر شهور السنة. غير أن العلاقة الروحية الخاصة بالشهر الكريم تجعل المناخ الإبداعي يقترب أكثر من خصوصية هذا الشهر، ويتكثف حضوره في الكتابات السردية والشعرية، وكذلك في المقالات والبحوث والقصص التي تستلهم في مضامينها التاريخ الإسلامي وتراثه الحضاري الممتد منذ البعثة النبوية والخلفاء الراشدين، مرورًا بمرحلة الانتشار الإسلامي في الدولتين الأموية والعباسية، وصولًا إلى الحضارة الإسلامية في الأندلس وغيرها من الفترات التاريخية.
ويشير "الشامسي" إلى أن الدور العُماني في نشر الإسلام منذ بزوغه واستحضار الشخصيات الرمزية والتاريخية العُمانية فكلها يتم استخدامها كمادة في الكتابات الإبداعية وربطها بالعلاقة بين الحياة والموت والآخرة ، ولذلك يعتبر شهر رمضان أرضية خصبة للأسئلة الوجودية والكونية ومعرفة الخالق وتعميق الصفاء الروحي بعيداً عن التركيز في الماديات والاقتراب أكثر من الصفاء الذهني الذي يقرب العلاقة بين الإنسان وربه والعلاقة بين الجسد والروح ، وفتح آفاق أكثر بعداً حول الأسئلة الوجودية تقترب من طرح أسئلة فلسفية لها بعدها الوجداني والروحي .
من هنا نرى العلاقة الروحانية في شهر رمضان الكريم والمتمثلة في قراءة القرآن الكريم وصلاة التراويح والعادات الرمضانية لها تأثيرها الخاص عند الكتّاب والمبدعين في كتاباتهم وإبداعاتهم المختلفة التي تثري خيالهم وصفائهم الروحي، كما أن ذلك يمتد تأثيره على دور الأسرة داخل البيت من خلال قراءة القصص المعبرة عن المواقف الإسلامية والتي تجعل من الأسرة تلتف حول هذه الروحانيات والحكايات الشعبية التي تقرِّب العلاقة مع الخالق وتثري مكارم الأخلاق التي حثَّنا بها رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.
ويضيف "الشامسي" أن العلاقة بين العمل والعبادة تكون لها خصوصية يتم تنظيم العلاقة بينها من خلال ساعات محددة، كما أن العلاقة بين الإبداع الدرامي في شهر رمضان المبارك كذلك له خصوصية في الإنتاج والإخراج الدرامي التلفزيوني والإذاعي الذي يعالج قضايا تتعلق بالتراث والتاريخ الإسلامي وقضايا اجتماعية مختلفة.
ويرى الشاعر هاشم الشامسي أن تجربة الصيام، وما يصاحبها من التوقف عن المأكل والمشرب خلال ساعات الصيام تحفز الكتَّاب والفنانين والمخرجين بالبدائل التي تعوضهم عن الطعام والشراب والنشاط البدني والمادي بالنشاط الذهني في إنتاج أعمالهم الدرامية والكوميدية والحكايات الشعبية ، لذلك نرى الناس أكثر إقبالاً وتشوقاً على الأعمال الدرامية التلفزيونية والإذاعية وبرامج المسابقات الثقافية المختلفة في هذا الشهر الفضيل التي ينتظرونها كمناسبة احتفالية لها خصوصيتها وطقوسها الرمضانية .
إيقاع مختلف
وعن إيقاع رمضان المختلف حيث ليل حيّ ونهار صامت وما إذا كان هذا الإيقاع يغيّر شكل الكتابة أو توقيت ولادة النص، تقول الكاتبة والشاعرة بدرية البدري إن ليل رمضان يمتلئ بالروحانية كما نهاره، وتغمره روح تأخذ الإنسان حيث تشاء دون أن تضع له حدودا... فهذا المناخ الروحي يمنح الكتابة مجالها الكامل، خاصة أنها تميل بطبيعتها إلى الليل، وتأنس بهدوئه وسكينته، ففي الليل ـ كما تقول ـ تتوحد مع ذاتها إلى درجة أنها لا تشعر بمرور الوقت وهي أمام حاسوبها، حتى ينبهها أذان الفجر بندائه «حي على الصلاة»، فتجمع نفسها على وعد بالعودة إلى كلماتها كلما هدأت الأرواح وانسدلت الجفون.
وتضيف أن الأمر لا يتعلق بالكتابة وحدها، بل يمتد إلى كل عمل تنوي القيام به، إذ تجد نفسها في رمضان أكثر قدرة على الإنجاز بدقة عالية، وفي وقت أقصر نسبيا مقارنة بغيره من الأوقات.
مشهد في الذاكرة
وعن مشهد رمضاني من الطفولة أو من تجربة شخصية ما زال يسكن الذاكرة ولم يجد طريقه إلى النصوص، تقول القاصة أسماء الشامسي إن أكثر ما رسخ في ذاكرتها من رمضان هو السحور الجماعي للعائلة، تلك العادة التي لم تعد اليوم مستمرة كما كانت في السابق، وترى أن ما يحدث الآن يختلف عمّا كان عليه الحال في الماضي؛ فقد حلّ التكاسل عن القيام للسحور أحيانًا، أو الاكتفاء بعشاء متأخر قرب منتصف الليل، بدل تلك الروح الوثّابة التي كانت توقظ العائلة نحو الرابعة فجرا على طبق سحور بسيط. وتقول إنها كثيرا ما رغبت في الكتابة عن هذا المشهد، وتجد نفسها في كل رمضان تستعيده بإلحاح، إذ تعود إليها فكرة أن رمضان في الماضي كان يأتي أشبه بفكرة إنقاذ لكل شيء... إنقاذ للجسد الذي يحتاج إلى تجويع خلاياه بالصيام ليقاوم الأسقام، وإنقاذ من فردانية الحياة الحديثة التي تجعل الإنسان ينفصل عن عائلته الكبيرة، فلا يلتقي بها إلا في نهاية الأسبوع بسبب مشاغل العمل، وإنقاذ للروح المتعبة من الغرق في الرغبات، وهكذا ظل سحور العائلة عند الرابعة فجرا يفعل فعله في ذاكرتها، حتى صارت هذه الصورة أحد المشاهد التي تتشبث بها الذاكرة كلما جاء رمضان.
وتضيف "الشامسية": إن أفراد العائلة اليوم قد يتسحرون فرادى، يأكل أحدهم على عجل بضع تمرات مع الماء أو شيئا من الفاكهة، ثم يعود إلى النوم بعد الصلاة، أو ينتظر حتى ما قبل الأذان بنصف ساعة ليأكل شيئا من بقايا الفطور أو العشاء... لكننا لم نعد نتحلّق حول المائدة كما في تسعينيات الحقبة المنصرمة وبداية الألفية، على طبق بسيطٍ جدا من الأرز والزبادي وبعض السمن العمانيّ، يحرّض ذاكرتي بشدة رائحة الأرز حينما تطهوه أمي فجرًا، وأبي يوقظنا من النوم بخفة صوته الوادع، حين لا أتذكر وقتها أكنتُ أحلمُ فعلا أم أأكل، وفي كل لحظة تحفر هذه الذاكرة عميقًا، في بيت المَال المتكئ على مزرعة وفلج غولي، مطلانِ على وادٍ مهيب، فحتى عادة العائلة للسحور اتخذت موقعها في القرية، وغادرت مع انصرافنا منها إلى المدينة، ذلك البيت وذلك السحور.. إنقاذٍ يومي للتّوق الذي أحتاجه اليوم لأنجو من فكرة أن رمضان لم يعد كما هو، لكن الذاكرة تستدعي ما يعالج خيانات الزمن وتغيّره، والحياة وتموضعها في شكلٍ غير حميم في سياق العائلة.. التي لم تعد تتسحّرُ جماعةً.
