سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
*** رجل ختم القرآن الكريم في رمضان وأراد إهداء ختمة أخرى إلى والدته التي لا تقرأ ولا تكتب، فهل يصح له ذلك؟
هذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، فطائفة من العلماء يرون أن وصول أجر الصدقات وأجور الأعمال إنما يقتصر فيه على ما دل عليه دليل شرعي، فالنيابة عن الغير في الثواب والأجر، في وصول الثواب والأجر عند هؤلاء العلماء إنما يقتصر فيها على ما دل عليه دليل شرعي، كأجر الصدقة الجارية، والدعاء من باب أولى، وعموم الصدقات، وما دل عليه دليل شرعي. ومن أهل العلم من قال بأنه إذا ثبت وصول أجور أعمال صالحة فيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خصوص أعمال، فإن غيرها يقاس عليها، فيمكن أن يهدي المرء ثواب عمل يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى فيهدي ذلك الثواب إلى من أراد.
وبناء على هذا القول المرخِّص، إذ ما يتصل بالمسألة وفقهها وأدلتها تعرضنا له في مناسبات سابقة عديدة، ولكن أخذا بقول من رأى جواز إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الغير فإنه يسعه ذلك، على أن لا يكون على سبيل الاعتياد، وليُشرك أمه في سماع القرآن الكريم، فليُسمعها عند تلاوته هو، أو من المصادر التي يمكن أن يُسمعها بها قراءة القرآن الكريم، لأنه ذكر في السؤال بأنها لا تقرأ، نعم، فإن كانت لا تقرأ فلا أقل من أن تسمع، أن تُنصت إلى تلاوة كتاب الله عز وجل، وهذا الأمر اليوم صار متاحا يسيرا مقدورا عليه، ولكن لا يمنع من أن ينوي أجر ختمه ليصل ثوابها إلى أمه، أخذا بقول من أجاز ذلك من أهل العلم، لا سيما في مثل هذه الأعمال النوافل والقربات، فإنه يمكن أن يُتساهل فيها، والله تعالى أعلم.
*** شخص يسأل عن والدهم الذي تأتيه نوبات أحيانا يفقد معها الذاكرة ويفقد أيضا السيطرة على قراراته، ينتقل يمينا وشمالا. على كل حال هو الآن يسأل من حيث التكليف، يعني ماذا تصنف هذه الحالة؟
يعني الظاهر من وصفه أنه خرف متقطع، يعني ما يعرف في الفقه الإسلامي بالخرف، وهو أن يفقد التمييز والوعي والإدراك، لكن لا يكون ذلك على الدوام وإنما يأتيه في فترات متقطعة. ولعل السبب هو ما أشار إليه الأخ السائل من المرض الذي أصابه. نسأل الله سبحانه وتعالى له الصحة والعافية وأن يلطف به وبهم.
وبناء على ذلك فإن كان في تلك النوبات يفقد التمييز والوعي والإدراك فإن التكليف عنه يرتفع، وهم يؤمرون بتذكيره وتنبيهه دون إغلاظ احتياطا من أن يكون ما هو عليه ليس كما يظنونه، فينبغي لهم أن ينبهوه دون تشديد عليه أو إغلاظ، وإنما من باب التذكير والتنبيه. فإن استجاب فذاك، وإلا فإنه يمكن لهم أن يكرروا إن كان الوقت لم يخرج بعد مدة قبل فوات الوقت، يعني مرتين أو ثلاث قبل خروج وقت الصلاة، وليترفقوا به.
وأما كيف يعاملونه فهذا قد نص عليه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم حيث قال: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".
هذا هو المنهج الذي يسيرون عليه في التعامل معه؛ منهج الترفق واللين والحلم والعطف والرعاية، وأن لا يضيقوا ذرعا، فإن الذي يصدر عنه ليس ناشئا عن اختيار لأنه ابتلي بهذا المرض فأصبحت تأتيه هذه النوبات التي يفقد فيها التمييز والوعي والإدراك.
وإن كان حاضر الوعي والعقل عند دخول وقت الصلاة فينبغي أن يؤمر فورا بأداء الصلاة حتى لا تأتي عليه الحالة، لأنه بعد ذلك يؤمر إن عاد إلى رشده بالقضاء إن كان الوقت قد خرج، هذا مما ينبغي أن يتنبهوا له.
وليسعوا، لا شك كما لا يخفى على أحد، إلى ما يعينه على ذهاب هذه الأعراض إن كانت هناك أدوية، لكن لا ينبغي أن تضيق نفوسهم به، لأن هذه الأعمال والأقوال التي تصدر عنه ليست ناشئة عن إرادة واختيار وتمييز وإدراك، وإنما هي من آثار هذا المرض الذي ابتلي به. نسأل الله سبحانه وتعالى له ولكل مرضانا الشفاء والصحة والعافية.
حتى الأطباء أيضا يقولون إن الذي يصاب بالجلطة أحيانا ترتفع عنده درجات الغضب باستمرار، فيكون غاضبا باستمرار، والغضب شيء، والبحث هل هذا يفقده التمييز والوعي ويفقده الإدراك الذي يترتب عليه ارتفاع التكليف.
يعني ما يذكر في الفقه مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ارتفاع التكليف، قال: وعن المجنون حتى يفيق. يؤخذ من هذا أن الجنون قد لا يكون ملازما، فيمكن أن يكون كما يعرف في الفقه بالجنون الدوار غير المطبق الذي يذهب ويأتي.
نحن لا نقول هنا جنون، وإنما هو حالة من فقدان التمييز والإدراك التي هي نوع من الخرف، يذهل فيها الإنسان وينسى، ولا يقدح في هذا أن ذكرياته القديمة باقية، وقد يعرف بعض الناس من خاصته، لكن قد يذكر بعض الأشياء ولا يذكر غيرها.
فأيضا لا ينبغي أن يكون هذا سببا في التضييق عليه: كيف يذكر ذكرياته القديمة ولا يميز أمر الصلاة ولا يميز أمر الصيام والعبادات أو يكلف أولاده ما فيه شطط من أمر التنقل والسفر وغير ذلك، لا، يعني هذه أحوال تعتري بني البشر عند التقدم في العمر ومع تكالب الآفات والأمراض، فكيف إذا كان قد أصيب بجلطة.
***الشائع عند الناس أن الطفل عندما يموت يكون شفيعا لوالديه، هل صحيح أنه سيكون شفيعا لوالديه؟
إن احتسب والداه الأجر والثواب وكانا على خير وهدى ورشد فنعم. وردت روايات كثيرة فيها ما يشهد لهذا المعنى الشائع، أن من مات عنده ثلاثة من الولد، وفي روايات ثلاث بنات، فكن له سترا من النار. قيل: وابنتان يا رسول الله؟ قال: وابنتان.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واسى أحد أصحابه في مرة، كان يحضر إليه في مجلسه ويأتي بولده إليه، ثم فقده عليه الصلاة والسلام يوما فسأل عنه، فقيل مات ولده، فذهب عليه الصلاة والسلام إليه لمواساته، فرآه حزينا فقال له عليه الصلاة والسلام: أتحب أن ولدك معك الآن يشهد معك مجلسي، أو أن يكون في الجنة يتلقاك ويبشرك؟ فقال: بل في الجنة يا رسول الله.
فإذا مجموع الروايات أخذ منها أن الأطفال الصغار، الولدان كما يقال، يشفعون لآبائهم وأمهاتهم إن احتسب آباؤهم وأمهاتهم الأجر والثواب وكانوا على خير وتقوى وصلاح، فإن الولدان يشفعون لآبائهم.
نعم ورد، وهذا من فروع المسائل العقدية التي تحتمل وجوها مقبولة، فلا حاجة إلى إكثار الجدل فيها، والله تعالى أعلم.
