كيف خططت إسرائيل للحرب على إيران لأربعين عامًا؟

12 مارس 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
12 مارس 2026

يكاد يكون من المستحيل فهم ما يأمله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حقًا من خلال حربه العدوانية غير القانونية ضد إيران، على الأقل من خلال المبررات المطروحة.

هل الهدف هو تدمير برنامج الأسلحة النووية الإيراني الذي لم يُعثر على أي دليل ملموس بشأنه، والذي ادعى ترامب قبل بضعة أشهر أنه «دمره تمامًا» في هجوم سابق غير قانوني؟

أم أن الهدف هو إجبار طهران على العودة إلى المفاوضات بشأن برنامجها لتخصيب اليورانيوم، والتي توقفت قبل أوانها عندما شنت الولايات المتحدة هجومها غير المبرر - وهي مفاوضات، تجدر الإشارة، أصبحت ضرورية لأن ترامب، خلال ولايته الأولى عام 2018، نقض الاتفاق النووي الأصلي مع إيران؟

أم أن الهدف من الحرب هو إجبار إيران على مزيد من المرونة، رغم أن ترامب قد فجّر المفاوضات في اللحظة التي أصرّت فيها عُمان، الوسيط الرئيسي، على أن طهران قد رضخت تقريبًا لجميع مطالب واشنطن المرهقة وأن التوصل إلى اتفاق بات «في متناول اليد»؟

أم أن الضربات الجوية مصممة «لتحرير» الإيرانيين، رغم أن الضحايا الأوائل شملوا ما لا يقل عن 165 مدنيًا في مدرسة للبنات، معظمهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عامًا؟

أم أن الهدف هو الضغط على إيران للتخلي عن صواريخها الباليستية - وهي وسيلة الردع الوحيدة التي تملكها ضد أي هجوم، والتي ستجعلها عاجزة تمامًا أمام المخططات الخبيثة للولايات المتحدة وإسرائيل؟

أم أن واشنطن اعتقدت أن طهران على وشك البدء بالهجوم، رغم أن مسؤولي البنتاغون قد أفصحوا لموظفي الكونجرس عن عدم وجود أي معلومات استخباراتية تُشير إلى وقوع هجوم وشيك؟

أم أن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني، كما حققت الضربات بالفعل باغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي؟ إذا كان الأمر كذلك، فما الغاية من ذلك، علمًا بأن خامنئي كان معارضًا بشدة للقنبلة النووية الإيرانية لدرجة أنه أصدر فتوى دينية تحظر تطويرها؟

هل يُعقل أن يقرر خليفة خامنئي - بعد أن رأى مدى انعدام الثقة في الولايات المتحدة وإسرائيل، وكيف تتصرفان كدولتين مارقتين لا تخضعان للقانون الدولي - أن تطوير قنبلة نووية أولوية قصوى لحماية سيادة إيران؟

لا يوجد مبرر واضح من واشنطن لأن مُدبّر هذا الهجوم ليس في البيت الأبيض ولا في البنتاغون. لقد حُبكت هذه الخطة في تل أبيب قبل عقود.

وقد أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بذلك عندما تباهى قائلًا: «هذا الجهد المشترك يُتيح لنا تحقيق ما كنتُ أطمح إليه طوال أربعين عامًا: سحق نظام الإرهاب تمامًا. هذا وعدي، وهذا ما سيحدث».

تجدر الإشارة إلى أن تلك العقود الأربعة شهدت أيضًا سلسلة متواصلة من التحذيرات من نتنياهو وغيره من القادة الإسرائيليين بأن طهران على بُعد أشهر فقط من تطوير قنبلة نووية.

وقد ظل نتنياهو طوال تلك المدة يروج لنفس الذريعة المُلحة وغير المنطقية لمهاجمة إيران. فعلى مدى أربعين عامًا، كان يُعلن كل عام بمثابة الفرصة الأخيرة لمنع «الملالي المجانين» من الحصول على قنبلة - قنبلة لم تُصنع قط.

وفي الوقت نفسه، ظلّت ترسانة إسرائيل من الأسلحة النووية، غير المُعلنة وبالتالي غير الخاضعة للمراقبة، سرًا مكشوفًا.

ساعدت أوروبا إسرائيل في تطوير قنبلتها، بينما غضت الولايات المتحدة الطرف، حتى مع تبني القادة الإسرائيليين عقيدة انتحارية تُعرف باسم «خيار شمشون»، والتي تنص على أن إسرائيل تُفضل تفجير ترسانتها النووية على تكبّد هزيمة عسكرية تقليدية.

ويرفض «خيار شمشون» ضمنيًا فكرة السماح لأي دولة أخرى في الشرق الأوسط بامتلاك قنبلة، وبالتالي تحقيق تكافؤ الفرص العسكرية مع إسرائيل.

إنّ هذه الفرضية تحديدًا هي التي وجّهت السياسة الإسرائيلية تجاه طهران لعقود. ليس لأن إيران أبدت ميلًا لتطوير سلاح نووي، ولا لأن رجال دينها، الذين يُوصفون بـ «المتشددين»، سيكونون من الحماقة بمكان أن يطلقوا هذه الأسلحة على إسرائيل لو حصلوا عليها.

بل لأسباب أخرى. فإيران هي أكبر دولة وأكثرها وحدة في المنطقة، دولة ذات تاريخ عريق، وهوية ثقافية راسخة، وتراث فكري عظيم. ولأن إيران أثبتت مرارًا وتكرارًا - سواء تحت قيادة علمانية أو دينية - رفضها الخضوع للهيمنة الاستعمارية الغربية والإسرائيلية. ولأنها تُعدّ مصدرًا للسلطة والقيادة لدى الطوائف الشيعية في الدول المجاورة - العراق، ولبنان، وسوريا، واليمن - التي لها تاريخ مماثل في رفض الخضوع للهيمنة الإسرائيلية. كان خوف إسرائيل يتمحور حول أنه إذا حذت إيران حذو كوريا الشمالية وحصلت على سلاح نووي، فستنتهي إسرائيل كأكثر الدول التابعة للغرب نفعًا من الناحية العسكرية في الشرق الأوسط الغني بالنفط.

إذا جُرِّدت إسرائيل من قدرتها على ترويع جيرانها، وتأجيج الانقسام الطائفي، ودعم بسط النفوذ الإمبريالي الأمريكي في المنطقة، فإنها ستفقد مبرراتها. وستصبح عبئًا ثقيلًا لا طائل منه.

لم يكن القادة الإسرائيليون - الذين ترفوا بفضل الدعم العسكري السخي الذي يدفعه دافعو الضرائب الأمريكيون، والذين مُنحوا رخصة لنهب موارد الفلسطينيين - ليتخلّوا طواعيةً عن امتيازاتهم. ولهذا السبب، نادرًا ما غابت إيران عن أنظار إسرائيل.

يمكن قياس مدى التضليل الإسرائيلي غير المسبوق بشأن مسوغات الحرب على إيران بمقارنته بالخدعة التي دبرتها إدارة جورج دبليو بوش عند شن غزوها للعراق عام 2003، فقد كان العراق دولة عسكرية قوية أخرى - وإن كانت أكثر هشاشةً بطبيعتها بسبب انقساماتها الطائفية والعرقية العميقة - خشيت إسرائيل من أن تمتلك قدرة نووية تُهدد مكانتها كقوة عظمى.

في الفترة التي سبقت هذه الحرب غير الشرعية - والتي لاقت ترحيبًا إسرائيليًا مجددًا - ادعى بوش أن الزعيم العراقي صدام حسين كان يمتلك مخزونات سرية ضخمة من أسلحة الدمار الشامل تعود إلى ما قبل بدء نظام تفتيش الأسلحة التابع للأمم المتحدة عام 1991.

وقد رأى المفتشون، الذين تمتعوا بصلاحيات واسعة في العراق، أن هذا الادعاء مستبعد. كما أشاروا إلى أنه حتى لو أفلتت بعض الأسلحة الكيميائية العراقية المعروفة من عمليات التفتيش، لكانت قد تقادمت بحلول ذلك الوقت لدرجة أنها تحولت إلى مادة لزجة غير ضارة.

بعد الغزو، لم يتم العثور على أي أسلحة دمار شامل. ومع ذلك، انقاد السياسيون ووسائل الإعلام الغربية بسهولة وراء هذه الكذبة الكبرى. على الأقل في تلك المناسبة، كان بإمكانهم الادعاء بأن أمامهم أشهرًا فقط لتقييم مصداقية هذه الادعاءات.

أما في حالة إيران، على النقيض من ذلك، فقد أتيحت للسياسيين ووسائل الإعلام أربعون عامًا للتحقيق في مزاعم إسرائيل وتقييم مدى صحة منطقها. وكان ينبغي لهم منذ زمن بعيد أن يدركوا أن نتنياهو راوٍ غير موثوق به على الإطلاق لما يُفترض أنه «تهديد» إيراني.

ولا يُؤخذ في الاعتبار أنه أيضًا مشتبه به هارب في جرائم حرب، أمضى أكثر من عامين يكذب بشأن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. لا ينبغي لأحد أن يثق بكلمة واحدة تخرج من فمه.

وكما هو الحال مع الإبادة المستمرة لغزة، والاحتلال السابق للعراق، فإن الهجوم الحالي على إيران هو إنتاج إجرامي مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل هو في الواقع استمرار للمشروع نفسه.

يتحدث نتنياهو عن رغبته في «سحق النظام الإرهابي»، تمامًا كما تحدث سابقًا عن «القضاء» على حماس في غزة، ويزعم ترامب بالمثل أن هزيمة إيران هي مفتاح «شرق أوسط مختلف تمامًا». وبعد شنّ الغارات الجوية، حثّ الإيرانيين على إسقاط «نظامهم الثيوقراطي القمعي» وبناء «إيران حرة تسعى للسلام».

صُمم كل ذلك ليُردد أوهامًا حول هندسة شرق أوسط جديد، وهي أوهام دأبت إسرائيل وعملاؤها الأيديولوجيون في واشنطن - المعروفون بالمحافظين الجدد - على الترويج لها لأكثر من ربع قرن، منذ ما قبل الغزوات الفاشلة لأفغانستان والعراق.

تحدثت كوندوليزا رايس، وزيرة خارجية بوش، عام 2006 عن «آلام مخاض» مؤلمة ستُعانيها المنطقة بينما تتولى القوات الأمريكية والإسرائيلية دور القابلة في هذه الحقبة الجديدة.

في المرة الأولى، سرعان ما فشلت الخطة. لم تستطع القوات الأمريكية التغلب على المقاومة العراقية الشرسة. واستعادت طالبان أفغانستان ببطء من الاحتلال الأمريكي والبريطاني. وألحق حزب الله بإسرائيل هزيمة نكراء عندما حاولت إعادة احتلال جنوب لبنان عام 2006. ومع ذلك، كانت الجولة الأولى كارثية. فقد شهدت مجازر جماعية بحق السكان في جميع أنحاء المنطقة على يد الولايات المتحدة وإسرائيل. وأُنشئت مواقع عسكرية أمريكية سرية خاصة انتشرت فيها ممارسات التعذيب. وانتهك القانون الدولي بشكل سافر. ودفع نزوح ملايين الأشخاص بسبب الحرب إلى التوجه نحو أوروبا، مما أسهم في صعود اليمين المتطرف المناهض للمهاجرين.

كانت الجولة الثانية، التي تتوق إسرائيل والمحافظون الجدد إلى إشعالها منذ ذلك الحين، ستكون أشد فظاعة.

وقد حانت لحظتها في أواخر عام 2023 مع عملية اقتحام حماس التي استغرقت يومًا واحدًا من معتقل غزة، حيث كان الفلسطينيون - الذين بلغ عددهم آنذاك نحو 2.3 مليون نسمة - محتجزين لدى إسرائيل لعقود.

وبإصرارها على حق «الرد»، شنت إسرائيل حملة إبادة جماعية من الغارات الجوية العشوائية. دُمر الجيب الساحلي الصغير، وقُتل عشرات - بل مئات الآلاف - من الفلسطينيين، وأصبح جميع السكان بلا مأوى ولا معدمين. لكن هذا الدمار - تمامًا كحملة إسرائيل الموازية لتجويع سكان غزة - لم يكن مجرد رد فعل على هجوم حماس في 7 من أكتوبر 2023، رغم أن التلميح إلى خلاف ذلك كان من المحرمات.

لطالما كان لدى إسرائيل خطة «لإعادة تشكيل» الشرق الأوسط، تعود إلى ما قبل وصول نتنياهو إلى السلطة.

لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يتوافق نموذج إسرائيل للشرق الأوسط المُحَوَّل مع نموذج واشنطن، رغم أن المحللين عادةً ما يشيرون إلى كليهما بشكل فضفاض بمصطلح «تغيير النظام». لكن هذا المصطلح مُضلل. فحتى بالنسبة لواشنطن، فإن تغيير النظام يستبعد تنصيب زعيم ديمقراطي يُمثل إرادة الشعب الإيراني.

كان وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي خدم في العراق، أكثر صراحة من أسلافه في رفض فكرة أن يخرج أي شيء إيجابي من هذا الهجوم غير القانوني. قال للصحفيين: «لا قواعد اشتباك غبية، ولا مستنقع بناء دولة، ولا ممارسة لبناء الديمقراطية، ولا حروب مُبرَّرة سياسيًا».

وهناك سبب وجيه لهذا النفور. في آخر عهدٍ للديمقراطية في إيران، مطلع خمسينيات القرن الماضي، أثار رئيس وزرائها العلماني الاشتراكي، محمد مصدق، غضب الغرب بتأميم صناعة النفط الإيرانية لصالح الشعب الإيراني. أطاحت به عملية «أجاكس» التي نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 1953، وأعادت الحكم الوحشي لمحمد رضا بهلوي، أو الشاه، مما مكّن الولايات المتحدة وبريطانيا من استعادة السيطرة على نفط إيران.

جاء رد الفعل العنيف بعد 26 عامًا. استغل علماء الدين الإسلامي موجة الكراهية الشعبية العارمة تجاه الشاه المدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل لإطلاق ثورتهم.

لا شك أن واشنطن ترغب في «تغيير النظام» عبر تنصيب رضا بهلوي، الابن الأكبر للشاه، كحاكم مستبد جديد تابع للغرب، وقد ترضى إسرائيل بهذا المصير أيضًا.

لكن لا أحد في واشنطن أو تل أبيب يتصور حقًا أن إيران يمكن إجبارها بالقصف على قبول عودة زعيم عميل قاسٍ كالشاه.

كل ما أثبتته الولايات المتحدة حتى الآن هو أمر بديهي، وهو أن أعدادًا غفيرة من الإيرانيين يمكن دفعهم إلى الشوارع احتجاجًا، كما حدث في أواخر ديسمبر، إذا ما أُفقروا هم وبلادهم إلى حد لا يُطاق بفعل نظام عقوبات اقتصادية أمريكية متواصلة وقاسية.

لكن مهما كانت تلميحات السياسيين ووسائل الإعلام الغربية، فإن الإيرانيين الغاضبين من الفقر المدقع ليسوا حركة سياسية متماسكة، كما أنهم ليسوا على الأرجح مستعدين لتلبية نداءات النخب الأمريكية نفسها التي أمضت سنوات في إفلاس بلادهم.

إذا بدت فكرة وصول المعارضة الإيرانية إلى السلطة مضمونة، فذلك فقط لأن وسائل الإعلام الغربية تُهيئ جمهورها بمغالطتين محتملتين.

أولًا، أن النظام الإيراني لا يحظى بتأييد شعبي. وثانيًا، أن المتظاهرين يُلقون باللوم حصرًا على حكامهم بدلًا من توجيه جزء من غضبهم إلى جهات خارجية تتدخل بخبث في شؤونهم.

قد يُهلّل بعض المنفيين الإيرانيين الأثرياء - أولئك الذين يتوقون مجددًا إلى التربح من بيع ثروات إيران للقوى الغربية الاستعمارية - لقصف أطفال المدارس الإيرانية من داخل استوديوهات التلفزيون الغربية الآمنة. لكن من الحماقة الاعتقاد بأنهم يمثلون أكثر من مجرد أقلية صغيرة متطرفة. على عكس الارتباك الذي أحدثته الحاجة إلى استرضاء الرأي العام الأمريكي في واشنطن، فإن خطة إسرائيل طويلة الأمد «لإعادة تشكيل» الشرق الأوسط واضحة الرؤية، ففي تل أبيب، لا يوجد أي اهتمام بـ «تغيير النظام» إلا إذا كان النظام الجديد مستعدًا لإخضاع نفسه لإسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.

وبما أن هذا الاحتمال غير وارد، فإن إسرائيل تسعى لما يُمكن تسميته «إسقاط النظام» أو «انهيار النظام»: التدمير الشامل للبنية التحتية الإيرانية، وحلّ جميع السلطات الحكومية والعسكرية، وخلق فراغ في السلطة يُمكّن إسرائيل من التلاعب بالجهات الفاعلة المنافسة وإشعال حرب أهلية دائمة مُنهكة. ألا يبدو هذا مألوفًا؟

ذلك لأن الهجوم على إيران يتوافق مع نفس الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الكارثية التي استخدمها حلفاء إسرائيل المحافظون الجدد في واشنطن في هجماتهم على أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن قبل أكتوبر 2023.

وصل ترامب إلى السلطة تحديدًا لأنه وعد بوقف «الحروب الأبدية» - حروب إسرائيل - التي أحدثت فوضى عارمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وغذّت بشكل مباشر أشكالًا جديدة من التطرف المتشدد، من القاعدة إلى داعش.

من المفهوم أن حركة «ماغا» التي يتزعمها ترامب تعيش حالة من الاضطراب الآن بسبب الهجوم على إيران، لكن ترامب، الذي يعتمد انتخابيًا على أصوات المسيحيين الإنجيليين المؤيدين بشدة لإسرائيل، وماليًا على مانحين كبار لإسرائيل مثل ميريام أديلسون، لم يكن ليحيد عن نهجه المعتاد.

منذ أكتوبر 2023، وبدعم من إدارة بايدن، شنت إسرائيل حروبها لإسقاط النظام في غزة ولبنان، ومرة أخرى في سوريا. وقد أصبحت كل منها الآن مدمرةً عسكريًا، ويكاد يكون من المستحيل السيطرة عليها.

لم يعترض ترامب على تلك الحروب، وكان هدفها الأساسي هو تمهيد الطريق لعزل إيران عن حلفائها الإقليميين، مما جعلها عرضةً للهجوم الحالي.

وقد اتبع هذا سيناريو متوقعًا تمامًا، كما اعترف الجنرال ذو الأربع نجوم ويسلي كلارك في عام 2007. بعد وقت قصير من هجوم البرجين التوأمين عام 2001، تم عرض ورقة إحاطة سرية لخطة البنتاغون «لإسقاط» سبع دول، بدءًا من العراق وانتهاءً بإيران.

قد يشعر حلفاء واشنطن الغربيون، في قرارة أنفسهم، بعدم الارتياح لارتباطهم العلني بحرب أمريكية إسرائيلية غير شرعية أخرى. لكن بدعمهم لأكثر من عامين من الإبادة الجماعية في غزة، فقد أبرموا بالفعل صفقة مع الشيطان. لا رجعة في ذلك الآن.

ولهذا السبب، اصطفت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا، جميعها، خلف إدارة ترامب في هذه الحرب. كان رد فعل رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، الأول هو التراجع عن تصريحاته التي أدلى بها في دافوس في يناير حين قال إن الوقت قد حان لكي تتوقف «القوى المتوسطة» مثله عن «العيش في وهم» التسامح الذي تقوده الولايات المتحدة، وأن تُرسّخ بدلًا من ذلك استقلالها الاستراتيجي لتبني سياسة خارجية أكثر نزاهة.

أصدر كارني بيانًا الأسبوع المنصرم يُعلن فيه دعم كندا الكامل للحرب العدوانية غير الشرعية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران - والتي يُعرّفها القانون الدولي بأنها «أعظم جريمة دولية» - ليضطر لاحقًا إلى التراجع عن ذلك أمام ردود الفعل الداخلية الغاضبة.

في غضون ذلك، سلّم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ترامب زمام قواعد جوية بريطانية لما يسميه زورًا «أغراضًا دفاعية»، ولا بدّ من توضيح الأمر لستارمر، المحامي الحقوقي الشهير سابقًا، بأنه لا يجوز تقديم دعم «دفاعي» لحرب عدوانية. فبذلك يصبح المرء معتديًا أيضًا.

كانت الخطة الزمنية التي وضعها البنتاغون عام 2001 للإطاحة بنظام الحكم، والتي اطلع عليها الجنرال كلارك، «سبع دول في خمس سنوات». وكما أثبتت الأحداث بعد ربع قرن، كان هذا السيناريو بعيد كل البعد عن الواقع.

لا يوجد ما يدعو للافتراض بأن الولايات المتحدة أو إسرائيل لديهما رؤية أوضح مما كانتا عليه عام 2001 حول كيفية تطور الأمور. الأمر المؤكد الوحيد هو أنها لن تسير وفقًا للخطة.

لقد محت إسرائيل قطاع غزة الصغير من الخريطة، لكن حماس ما زالت قائمة وتسيطر على الأنقاض، ولا شك أنها تغلي غضبًا ورغبةً في الانتقام أشدّ من ذي قبل.

إيران تُشكّل تحديًا أكبر بكثير من غزة، أو أي من الأهداف السابقة للهجمات الإسرائيلية الأمريكية.

ولم تنطفئ جذوة المقاومة في غزة والعراق ولبنان وسوريا واليمن، وربما في مواقع جديدة كالبحرين. والآن، مع الهجوم على إيران، تُغذّى هذه الجذوة مع كل جريمة جديدة، وكل فظاعة جديدة، وكل عمل وحشي جديد.